• 11 تشرين أول 2020
  • مقدسيات

 

بقلم : محمود شقير

يكتب الأسير المقدسي الكاتب حسام زهدي شاهين نصًّا سرديًّا يتداخل فيه أكثر من جنس أدبي، فالنص الذي يخاطب طفلة اسمها قمر يندرج في باب أدب الرسائل، والقصة التي حملت عنوان "أدوات" ولم تكتمل بسبب قصور الفهم، وجراء "انتقاص الكلام وتأويله" يمكن أن نصنفها على أنها قصة للأطفال، تهدف إلى تبيان الظروف القاسية التي يحيا في ظلها الأسيرات والأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي،  وأما شظايا التجربة التي يعرضها الكاتب في نصه السردي فيمكن تصنيفها في باب السيرة، إلى جانب مقالة الرثاء لمغنية ملتزمة بالوطن وقضاياه هي ريم البنا، والتعليق النقدي على كتاب للمستشرق صامويل هنتنجتون، وكذلك التأملات الفكرية التي يزخر بها النص الموجه إلى طفلة اسمها قمر، هي ابنة صديقيه عماد وشيرين، اللذين اعتقل حسام من بيتهما في رام الله قبل ستة عشر عامًا.

كانت قمر آنذاك طفلة في أشهرها الأولى، والكاتب يعي أن ما كان يكتبه إليها منذ اعتقاله هو أكبر من وعي الطفلة، لكن نظره كان مشدودًا نحو المستقبل، وحين تكبر قمر ويكبر معها أطفال فلسطين، فسوف يجدون ضالتهم المنشودة ومرشدهم الأمين في تلك الكلمات الصادقة الطالعة من ظلام السجن الإسرائيلي؛ الذي مهما اشتدت ظلمته، فهو غير قادر على ثني إرادة الأسرى الشجعان المحبين لوطنهم الباذلين من أجله المهج والأرواح وأحلى سنوات العمر.

ومنذ البدء؛ من العنوان والإهداء نجد أننا أمام نص يعلي من شأن المرأة ويقدرها حق قدرها، ويرفض في الوقت نفسه النزعة الذكورية السائدة في مجتمعنا، المتسلطة على المرأة المنكرة لحقوقها. يتبدى ذلك في العنوان: رسالة إلى قمر؛ وفي الإهداء الموجه إلى ثلاث نساء: الأم الحبيبة آمنة، والطفلة الحبيبة قمر، والشقيقة الحبيبة نسيم.

ومنذ الإهداء؛ يلخص حسام زهدي شاهين معاناة الأسرى في جملة مكثفة معبرة: "عندما يُغمضُ النهار عينيه، تنكمش الحياة نحو زوايا الدفء والمحبة، أو خلف ستائر الوحدة والدموع".

ذلك لأن الأسير إنسان يتغذى على مشاعر الحب، ولا عجب إنْ أخذته الوحدة والعزلة إلى ذرف الدموع مهما كان قوي العزيمة مؤمنًا بقضيته  الوطنية مخلصًا لها.

الجدير بالذكر؛ أن هذا النص هو وليد تجربة الكاتب قبل اعتقاله، وأثناء وجوده في غير سجن من سجون الاحتلال؛ التي مضى عليه فيها حتى الآن ستة عشر عامًا، وهو نتاج لبعض تفاصيل الحياة داخل السجن.

وهو، أي النص، يبدأ من فكرة كتابة قصة بعنوان "أدوات" تنعقد البطولة فيها للأدوات التي يستخدمها الأسرى في حياتهم اليومية في السجن، وأولها السبابيط أو الأحذية والملابس وأدوات الطعام وغيرها.

غير أن نقل الكلام بشكل محرّف وتأويله على نحو خاطئ، يوقع الكاتب، في إشكالات مع زميل آخر أنيطت به من وقت قريب مسؤولية الإشراف؛ مع آخرين ضمن لجنة منتخبة، على شؤون زملائه في السجن. ظنًّا منه أن إسناد البطولة في القصة إلى "سبّاط" فيه تلميح إلى الدور الذي يضطلع به في السجن، وهو من وجهة نظره تلميح مسيئ إليه، ورغم تدخل زميل آخر هو صالح السبتي؛ بما عرف عنه من حكمة وتعقل، لفض الخلاف، إلا أن الحساسية ظلت كامنة في النفوس، وكان من نتيجتها أن أجهضت القصة بعد أن أنجز كاتبها جزءًا منها، ولم يتمكن من إكمالها، وهو يفسر ذلك لزملائه الذين طالبوه بالاستمرار في الكتابة؛ قائلًا لهم وهو محق في ذلك: "الفكرة لم تمت، لكن الإلهام مات. الإلهام هو روح الفكرة، وما هي الفائدة من صناعة صنعت بلا روح؟!"

غير أن هذه الواقعة، وإن كانت قد أجهضت ولادة القصة، إلا أنها فجرت ينابيع عدة في وجدان الكاتب وعقله، بحيث تفرعت منها ونبتت على حوافها بقية مشاهد الكتاب وفصوله وما يزخر به من تأملات وأفكار، ونصائح جعلها كلها موجهة إلى الطفلة قمر، وفي ذهنه المستقبل وليس الماضي، مستقبل أطفال فلسطين الذين أرادهم منحازين إلى العقل، قادرين على تحمل مسؤولية الأخطاء بقوله: "عندما نخطئ يجب أن نتحمل مسؤولية أخطائنا، غير أن الهروب من الإعتراف بالخطأ هو السمة الغالبة على ثقافتنا الذكورية المليئة بالعنتريات".

أرادهم كذلك مسلحين"بسلاحيّ العلم والمعرفة"؛ حيث يخاطب قمر قائلًا: "بالعلم تحمين الطموح المشروع والأمل، وبالمعرفة تُنقذين الحاضر من الغرق في السيء من متاهات الماضي، والإنزلاق نحو مستنقع الجهل".

ثمة في الكتاب تأملات عميقة تتناول أسئلة الوجود والثقافات المختلفة، الذكورية منها والأخرى الأنثوية، وانحيازه إلى هذه الأخيرة، وكذلك إلى الثورة على المستعمر ورفض الظلم والتمرد عليه، وضروة أن يتحلى الجيل الجديد بالجرأة والصدق وطرح الأسئلة من دون تهيب، ومواصلة السير نحو المستقبل، والابتعاد عن الثرثرة والقيل والقال، والكسل والتباطؤ في إنجاز المهمات.

ولعل النصيحة الأكثر أهمية التي قدمها حسام زهدي شاهين لقمر ولجيل المستقبل من الأطفال، يتمثل في احترام التعددية وعدم التعصب والانغلاق، يقول: "إياك يا بنيتي أن تعتمدي في مشربك الثقافي على رافد واحد فقط، لأنه يؤدي إلى التهلكة، تماماً كما الغذاء، فلو أكلت صنفاً واحداً من الطعام سيذوي جسدك وتموتين بعد فترة زمنية وجيزة، لأن استمرار الحياة الصحية يتطلب التنوع، وهكذا هو العقل لا يستطيع التطور والإبداع إلا بالمعرفة الواسعة".

إن المتمعن في ثنايا هذا الكتاب وما اشتمل عليه من طروحات سياسية وأدبية وفكرية يدرك إلى أي حد طوّر حسام زهدي شاهين أفكاره ومعارفه، وهو إلى ذلك متمكن من اللغة التي جسدها في هذا النص، وهو يدرك تمامًا ما يفعله، ويقدم للجيل الجديد وصفًا صائبًا لموقفه من الكتابة ولطريقة تعامله معها؛ دون أن يتخلى عن نزعة التواضع التي يتحلى بها: "في الكتابة أحاول أن استخدم كل ما اكتسبت من مهارة في هذا المجال، بحكم التجربة طبعاً لا بحكم التخصص، أحاول أن أجعل منها، لذيذة، شيقة، مفيدة، أو مقبولة على الأقل، مع العلم أنها بالمقارنة مع ما ينتجه محترفو المهنة، أقصد مهنة الكتابة، تظل شظايا محاولات".

بقي أن أختم هذه المقدمة بالإطراء على الدور المثابر الذي تقوم به العزيزة نسيم، شقيقة الأسير الكاتب حسام زهدي شاهين، فهي التي قامت بطباعة هذا النص الخارج من السجن على نحو لا يجعل من السهل طباعته، وقامت من قبل بطباعة نصوص أخرى لشقيقها الكاتب، وهي التي تجوب البلاد طولًا وعرضًا لتنظيم ندوات عنه وعن الأسرى بشكل عام، وهي التي لا تتردد عن المشاركة في الاعتصامات من أجل قضية الأسرى، وفي تنظيم أعمال الاحتجاج المتنوعة، وفي إرسال الرسائل إلى الهيئات الدولية المختلفة لإنقاذ الأسرى من عسف المحتلين الإسرائيليين، ومن ظلام سجونهم وزنازينهم، فهي لذلك تستحق التقدير والاحترام.

ولذلك؛ لم يغب عن بال العزيز حسام أن يذكر شقيقته في كتابه، وأن يقر باستلهامه لما يلي من واحدة من زياراتها له:

"زارتني اليوم شقيقتي الحبيبة نسيم، وعلى صهوة دقيقة من دقائق الحياة الخمس وأربعين التي نستنشقها مرتين في الشهر، سألتني: كيف تمضي أيامك داخل السجن؟! فململ سؤالها ذاكرتي النائمة في مخدع الحب، والمتسترة بغلالة من حرمان، وللحرمان مذاق لاذع يؤرق الروح إذا ما اكتشفنا أن الذاكرة تنام في أحضان الماضي".

هكذا يحتفي حسام باللغة لتنقل أشواقه وآلامه بصدق وتجرد وأمل. وهكذا ينتصر الأسير على سجانيه بالصبر والمثابرة والجد والاجتهاد والجلد؛ بالصمود الأسطوري وبالتأمل العميق والتفكير والكتابة.

تحية للمناضل الأسير المثقف الكاتب حسام زهدي شاهين.

والحرية لأسيراتنا الماجدات ولأسرانا الشجعان في سجون الاحتلال الإسرائيلي.