• 24 تموز 2018
  • ثقافيات

 

 

 

بقلم : توفيق قريرة

 

يعلم الترجمان أكثر من غيره- هو من يقال عنه إنه خائن خوان- كم يكون الانتقال السليم المعافى من لغة إلى أخرى عسيرا. من المعلوم أن لغة النص الأصلي تسمى لغة مصدرا، لأنها هي التي كتب بها النص أول الأمر، قبل أن يترجم فهي اللغة التي على المرء أن ينقلها إلى لغة أخرى، هي اللغة الهدف أو المصب. وترجم العرب قديما من لغات مصادر كثيرة كالسريانية والفارسية واليونانية ويترجمون اليوم من لغات أخرى كالإنكليزية والإسبانية والألمانية وغيرها.
لن نتحدث في هذا المقال عن شح الترجمة العربية التي جعلتها – لاسيما في العلوم- عصية عن أن توفر اللغة العلمية الطيعة لطالبي العلوم بالعربية؛ ولن نتحدث عن قلة المؤسسات والهيئات الراعية للترجمة، ولا عن طابعها الاحتفالي الغالب في العالم العربي، دون نزوعها إلى تأسيس -نواة- للترجمة قادرة على استيعاب أمهات الإنتاج العلمي والأدبي وغيره، بنقله نقلا منهجيا إلى العربية؛ لن نتحدث ههنا عن أن الوطن العربي تنقصه في الترجمة مثلما في حركة الفكر عموما، استراتيجية واضحة تضبط المجالات التي ينبغي أن تشتغل فيها الترجمة، وتحدد اللغات المصادر الأكثر حركية في العلوم والفلسفة والآداب، وتعين بالتدقيق – وبعد دراسة واستقصاء، الكتب أو الأسانيد الرقمية التي ينبغي أن تترجم، و تبحث في الأسباب الداعية إلى ترجمتها، وفي أعمار النصوص المترجمة؛ ذلك أن للفكر أو العلم أجلا مسمى إن فاته دخل حيز تاريخ العلوم أو الأفكار، وينبغي أن يترجم إن كان ضروريا في ذلك السياق لا أن يترجم باعتباره لُقية فكرية وموضة علمية.
لن نتحدث في كل هذا لأنه يخرج عن نطاق هذا المقال وعن عناية هذه الزاوية اللسانية برؤية القضايا ذات العلاقة باللغة لا بالاستراتيجيات السياسية المتحكمة في تنميتها. سنهتم بدلا من ذلك بفكرة لها علاقة في الترجمة بتمثل النص الأصل أثناء الترجمة، أي لها علاقة بالكيفية التي يعالج بها المترجم النص في لغته الأصلية، وكيف يمكن له أن يستوعب الفكرة في تلك اللغة المصدر قبل أن ينقلها إلى اللغة المصب. سوف ندرس لبيان هذا التمثل عينة من النصوص التي يترجمها التلميذ والطالب وهو يقبل على الترجمة مضطرا غير مختار عند الامتحان في المدارس الثانوية وحتى في الجامعات. 
الترجمة في المؤسسات التربوية والجامعية مادة مهمة ولكنها لا تُرتب مراتبها التي يمكن أن تعكس أهميتها، فهي مادة ذات ضارب ضعيف ليس لها مقرر، وهي في جدول الأستاذ حصص تكمل موازنته، وفي جدول التلميذ أو الطالب حصة يعتبرها زائدة فُرضت عليه جبرا وقضاء من أولي الأمر مسلطا، وهي عنده مادة لا يحاط بها حفظا، أيْ نقلا، ولا فهما أي عقلا؛ هي في رأيه مادة زئبقية ومادة «سامة» لأنها تضعف نتائجه ومجموعه العام وقد تتحكم في مصير نجاحه لذلك هي عنده وفي الغالب مادة ملعونة.
لا يوجد مقرر يمكن الترجمان طالبا أم غير طالب من أن يصبح في وقت وجيز مبرزا في الترجمة، ولا يوجد مدرب ماهر يمكن أن يصنع منه بعد التدريب لُمَعة في الترجمة. فلا مناص للترجمان من أن يكون عارفا باللغة المصدر وبثقافتها وباللغة المصب وبثقافتها؛ وليس له أن يكون آلة تترجــــم بلا تفاعل الأفكـــــار المعــــدة للترجـــمة؛ وليس التفاعل ههنا حســـيا، بل هو إدراكي بالســـؤال والحــــيرة، فالاهتداء إلى الفكرة الصواب والعبارة التي تنقل النص وهو في لغته المصدر إلى برد اليقين في لغته المصب. لذلك لا بد لمن يترجم نصا عن التيار الرومنطيقي مثلا من أن يكون عارفا بهذا التيار لا مكتشفا له أثناء الترجمة، ولا بد لمن يترجم متصوري الهباءة والذرة من أن يكون عارفا بالكيمياء وإلا انعدم التمثل العلمي المطلوب.
لم ينجح الفلاسفة العرب في ترجمة المنطق الأرسطي خصوصا، إلا لأنهم كانوا يفهمون ما كتب أرسطو ويتمثلونه جيدا، وأفضل ما أضافه العرب في تراجمهم العربية أنهم جهزوها بعتاد في الشرح عظيم منهجي وتمثيلي، يقل أن يتسلح به أهل العصر من المترجمين العرب، لذلك وجد الغرب في نصوصهم ما طلب من الوضوح والسلاسة. 
لم يكن النص يحاصرهم بحدوده الصارمة لأنهم وهم يترجمون كانوا يفكرون أقل في الخيانة والأمانة، ويفكرون أكثر في وضع شرح – لا ترجمة – مفهومة وطيعة؛ ولا يعني هذا تبسيطا للعلوم بالمعنى الذي ذكره ديدرو في الموسوعة. لم يكن للفلاسفة العرب ذلك الحلم الساذج بأن تصبح الفلسفة في متناول العامة، ولم يكن مترجمو العلوم يحلمون بالعامة العالمة؛ فليس متاحا للعامي أن يصبح عالما ولا فيلسوفا: ليُغْلَقِ البابُ نهائيا على هذا الحلم غير المشروع، وليكتب الغزالي كتابه «إلجام العوام عن علم الكلام»، يلجمهم لأنه ليست لهم آليات التفكير الرصين ولا الحجاج المتين، ولأن لكل علم أسوارا عالية تحميه من تسلل اللصوص.
يحتفظ مدرسو الترجمة بنوادر عن أخطاء الطلاب في هذه المادة، ولكن قلة قليلة منهم فقط تسأل: لمَ أنتج الطالب وهو يترجم نصا مضحكا كالنادرة؟ سأكتفي ههنا بعينتين، واحدة شائعة وأخرى حدثت لكاتب هذا المقال.
الأولى تحكى عن طالب ترجم اسم الكاتب الفرنسي شاتو بريان François René de Chateaubriand بالقصر اللامع لأنه خلط بين لقب هذا الأديب وعبارة Château brillant الفرنسية التي تشبه في نطقها لا في كتْبها اسم الأديب، ولهذا ترجمها كما فعل. لكن الخطأ في تمثل الطالب معلل فهو قسم الاسم العلم قسمين ليحصل على مركب نعتي (قصر لامع)؛ عيب المترجم في أنه خلط بين متماثلين في النطق مختلفين في الكتابة، وأنه ترجم أسماء أعلام لا تترجم وليس هذا عيب مقتصر عليه، فإعْلاَمُنا العربي ظل لمدة يترجم اسم الكوت دي فوار بساحل العاج؛ ولا يزال الناس يترجمون كثيرا من أعلام البلدان وهي لا تترجم فيقولون عن «كازا بلانكا» مثلا الدار البيضاء. لكن ماذا لو أن المترجم اعتقد أن اسم الكاتب هو اسم الكتاب، وان النص لم يذكر فيه إلا هذا الاسم فاشتبه الأمر على الممتحن وعندئذ هل يكون الخطأ خطأ المترجم أو يكون الممتحن مشاركا له؟
العينة الثانية وكنت شاهدا عليها، أن تلميذا عرب الجملة الفرنسية التالية:
Il est impossible à l’homme de vivre seul (أي من المستحيل أن يعيش المرء وحيدا) بقول أربكني فقال: «أنا وأنت صعب، نحن وكل شيء». 
أربكني لأني لا أعرف إلى اليوم بدقة الأسباب التي جعلت التلميذ يتمثل الجملة كما تمثلها، لكنني أشعر بأنه أخرج الجملة في النص المصب إلى درجة أعلى من التجريد، مشوبة بغموض يشبه غموض الأفكار عند الفلاسفة عند عامة لا تفهمهم أو غموضها عندهم هم، لأن المحامل اللغوية لم تقدر أن تحيط بالفكرة تمام الإحاطة. تصور أن من قال تلك الجملة كاتبٌ عالمي: هل ستتهم نفسك بالقصور أم قائلها؟

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

عن القدس العربي