القدس والسلطان عبد الحميد الثاني

  • 28 حزيران 2018
  • من اسطنبول

 

 

 

 اسطنبول - أخبار البلد ـ  إن كل من يتابع مسلسل  السلطان عبد الحميد، يجد أن القدس كانت محورا اساسيا في المسلسل، حيث يظهر التامر من الجميع على القدس  وان السلطان عبد الحميد بكل ما اوتي من قوة للحفاظ على تلك المدينة المقدسة

 وموقع ” نوكيا بوست ” خصصت مقالة للحديث عن هذه العلاقة المميز التي ربطت السلطان بالقدس ، التي لا تزال تكن الاحترام والحب والتقدير لهذا السلطان الذي ظلمه القريب قبل الغريب ، ويسعدنا ان نقوم باعادة نشرها ك  

  من حاول أن يستعيد سيرة السلطان عبد الحميد الثاني، ورفضه للتفاوض مع اليهود لإقامة دولة لهم في فلسطين. سيجد أن تيودور هرتزل عرض على السلطان دفع كل ديون السلطنة الخارجية مقابل تقديم فلسطين لليهود ليقيموا عليها دولة لهم، وأن السلطان رد بحزم في موقف جليل قال فيه: «لا أستطيع بيع حتى ولو شبر واحد من هذه الأرض، لأن هذه الأرض ليست ملك يميني بل هي ملكٌ للدولة العثمانية، نحن ما أخذنا هذه الأراضي إلا بسكب الدماء والقوة ولن نسلّمها لأحد إلا بسكب الدماء والقوة. والله لئن قطّعتم جسدي قطعة قطعة لن أتخلّى عن شبرٍ واحد من فلسطين».

  نعم هناك ربط  بين كل ذلك وسقوط السلطان وسيطرة جمعية الاتحاد والترقي على الحكم، وتفسير ذلك بأنه انتقام الصهاينة من السلطان عبد الحميد لعدم قبوله ببيع فلسطين.  

 الحقيقة أنه بالفعل حرص فيه السلطان العثماني على تأكيد محبته واحترامه لليهود، وسماحه لهم بالهجرة إلى حيث يشاؤون في بلاده، إذ قال: «لقد كنت صديق اليهود دوماً، وسأبقى كذلك. فعلاً أنا لا أستند إلا على المسلمين واليهود، فلا يمكنني القول إني أشعر بنفس الثقة تجاه بقية رعيتي»، وأضاف إن حدود الإمبراطورية العثمانية مفتوحة لليهود المظلومين ليقيموا حيث يشاؤون فيها. وهذا كان أول إقرار صريح من السلطان العثماني بالسماح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين.

 جاء هذا الموقف بعد تحركات قام بها الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني إلى القدس في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1898، إذ إن الإمبراطور عرّج إلى اسطنبول قبل زيارة القدس، وخلال وجوده هناك حضر هرتزل لزيارته، ليشرح له أهمية إسكان اليهود في فلسطين، حسب زعمه، فطلب منه الإمبراطور تقديم اقتراح عملي، فأجاب هرتزل بعبارة واحدة هي: «شركة عقارية تحت الحماية الألمانية». في تشرين الثاني/ نوفمبر 1901 أهدى هرتزل إلى السلطان آلة كاتبة مصنوعة خصيصاً له بالأبجدية العثمانية القديمة (الأبجدية العربية). وبعدها بشهر أرسل له بصفته رئيس المؤتمر الصهيوني الخامس برقية يؤكد فيها على ولاء الصهاينة له، وشكره.

  ما حدث هو أنه نشط اليهود منذ ثمانينات القرن التاسع عشر إلى تهجير اليهود المتشتتين في أنحاء العالم وطالبوا بإنشاء دولة لهم في فلسطين. وكانت أول محاولاتهم في عام 1293 هـ/1876م إذ عرض “حاييم كوديلا” على السلطان شراء مساحات من الأراضي في فلسطين لإسكان المهاجرين اليهود فيها إلا أنه رفض عرضه. واستعان اليهود الروس بالسفير الأمريكي في إسطنبول أيضاً ولم ينجح بذلك. ولم تنقطع الهجرات الفردية، وكانت هناك هجرات جماعية بين (1285هـ – 1298هـ/1868م – 1881م) و(1299هـ – 1314هـ/1882م – 1896م) وكانت هذه الأكثر فعالية.

  قد يكون على أثر اغتيال القيصر الروسي ألكسندر الثاني وأتهام منظمة “أحباء صهيون” في 1298هـ/ 1881م تعرض اليهود إلى لحملة مذابح واضطهادات، فطلبوا من القنصل العثماني في أوديا منحهم تصريحات لدخول فلسطين إلا أن الحكومة رفضت هذا، ورحبت بهم في أي إقليم من أقاليم الدولة. ونتيجة لازدياد شعور السلطان بالتحرك اليهودي، أبلغ المبعوث اليهودي “أوليڤانت” أن باستطاعة اليهود العيش بسلام في أية بقعة من أراضي الدولة العثمانية إلا فلسطين، وأن الدولة تُرحب بالمضطهدين، ولكنها لا تُرحب بإقامة دولة دينية يهودية فيها.

   لقد حاول بعض اليهود تحدي قرار الباب العالي بالنزول في يافا، لكن السلطات العثمانية منعت دخولهم إلى مدينة القدس. لكن هجرتهم استمرت بشكل بطيء وبشكل غير رسمي عن طريق التحايل على القانون، ورشوة الموظفين، وبمساعدة قناصل الدول الأجنبية، وأرسلت الحكومة إلى متصرف القدس “رؤوف باشا” أن يمنع دخول اليهود من الجنسيات الروسية والرومانية والبلغارية من دخول القدس، والروس بشكل خاص.

 تدخلت الدول الأوروبية بعد إلحاح اليهود عليها، فأصدرت الحكومة العثمانية تعليمات جديدة سمحت لليهود بسكن القدس لمدة شهر واحد فقط. وفي 1305هـ/ 1888م وبعد مرور ثلاثة أعوام، تدخلت بريطانيا وبذلت جهودها للتخفيف من شرط الإقامة الزمني، فرضخ السُلطان لتلك الضغوط وخفف المدة إلى ثلاثة أشهر. واتخذ الباب العالي قراراً بتحويل سنجق القدس التابع لوالي دمشق إلى متصرفية حيث أن المتصرفيات تتبع الباب العالي مباشرة وذلك لتشديد المراقبة. وأرسل أعيان مدينة القدس إلى السلطان شكوى يطلبون فيها إجراء فعال يمنع دخول اليهود ويمنعهم من شراء الأراضي، فأصدر فرماناً في (10 جمادى الآخرة 1310هـ/30 كانون الأول/ ديسمبر 1892م) يحرم فيه بيع الأراضي الحكومية لليهود حتى لو كانوا عثمانيين من رعايا الدولة.

 في أواخر القرن التاسع عشر برز “تيودور هرتزل” وهو صحفي يهودي نمساوي استطاع قيادة الحركة الصهيونية وسعى إلى إيجاد وطن قومي لليهود، وحاول هرتزل بكل الطرق لمحاولة إقناع السُلطان عبد الحميد، فاستغل “القضية الأرمنية” وعرض على عليه بذل الجهود من أجل تسوية المشكلة ولقيت فكرته ترحيباً من السلطان، وعهد إليه وإلى صديقه الصحفي النمساوي “نيولنسكي” بمطالبة لجان الأرمن في أوروبا بالطاعة لأن السلطان سيحقق مطالبهم التي رفض تحقيقها تحت الضغوطات، وبذلا جهودهما في أقناع الأرمن والطلب من بريطانيا لوقف تحركاتهم، إلا أنهم فشلوا فيما يسعون إليه. عندها قرر تيودور هرتزل بالسفر إلى إسطنبول ولقاء السلطان، إلا أنه لم يتمكن من ذلك وتركها بعد عشرة أيام في 1314هـ/ 1896م، وبعد حوالي الشهرين اتصل بالأوساط العثمانية محاولاً إعطاء الدولة مساعدات مالية وغيرها وقوبل بالرفض.

  عقد اليهود مؤتمرهم الصهيوني الأول في مدينة بال السويسرية برئاسة تيودور هرتزل مابين (29-30 ربيع الآخرى و1 جمادى الأولى 1315هـ/ 29-31 آب/ أغسطس 1897م)، واتخذوا عدة قرارات أطلق عليها “برنامج بال” أو “البرنامج الصهيوني”، وكان أهم قرار اتفقوا عليه تأسيس وطن قومي في فلسطين، وبعد أن كانوا يطمحون أن يكونوا فيها تحت سيادة الدولة العثمانية أصبحوا بعد هذا المؤتمر يطمعون بالسيطرة على فلسطين.

  لقد راقب السُلطان عبد الحميد المؤتمر ومقرراته عن قرب، واتخذ قراراً جديداً هو منع اليهود من السكن في فلسطين ومنع اليهود الأجانب من دخول مدينة القدس. ولم تتوقف المؤتمرات الصهيونية عن الانعقاد وكانت في كل مرة تزيد عدداً وقوة، ولم تتوقف جهود “تيودور هرتزل” للاجتماع بالسُلطان عبد الحميد الثاني وسافر للعاصمة إسطنبول في (24 محرم 1319هـ/ 13 أيار/ مايو 1901م) وقابل السلطان بعد أربعة أيام ثم قابله مرتين أخريين وعرض عليه إصدار فرمان يجيز لليهود الأجانب الهجرة إلى فلسطين ومنحهم حكماً ذاتياً، مقابل دفعهم ثلاثة ملايين جنيه وفي بعض المصادر مليوني جنيه، وبعدها بدفع الجزية، لكن السلطان كان على موقفه رافضاً إلا أنه وافق على هجرتهم إلى آسيا الصغرى والعراق لقاء دفع الديون المترتبة على الدولة ولم يكن هرتزل راضياً عن هذا، عندها حاول عرض رشوة كبيرة على عبد الحميد تقدر بمليون جنيه مقابل حصولهم على فلسطين.

  يذكر التاريخ للسلطان عبد الحميد كلمته الشهيرة للصدر الأعظم «انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية التي جاهدت في سبيلها وروتها بدمائها، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حيّ، فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من الدولة الإسلامية، وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة».

  على الرغم من جهود السلطان في حد دون هجرة اليهود فقد استمرت الحركة الصهيونية بإنشاء أجهزة تشرف على شراء الأراضي وتنظيم عملية الاستيطان وطلب هرتزل من السلطان في (محرم 1320هـ – أيار/ مايو 1902م) الأذن لإنشاء جامعة عبرية في مدينة القدس للشبان الأتراك، إلا أن السلطان رده بعكس ما يريد. وفي (1321هـ/ 1903م) حاول اليهود عقد أول مؤتمر صهيوني في فلسطين، فحظر السُلطان نشاطهم السياسي الدولي. وفي (1322هـ/ 1904م) توفي تيودور هرتزل ولم يتخلف اتباعه من تحقيق ما يريدون، في (1336هـ/ 1917م) وافقت بريطانيا بعد وعد بلفور على تأسيس وطن قومي يهودي.

   اعتلى عبد الحميد عرش السلطنة والعالم العربي يشهد قيام فكرتين كانتا ردة فعل ضد الاستعمار والسيطرة الأجنبية، أحداهما فكرة “الجامعة الإسلامية”، والثانية “القومية العربية” والوحدة العربية وكانت قد انتشرت في البلدان العربية وخاصة بين نصارى الشام. وعندما أصبح العالم الإسلامي هدفاً للدول الاستعمارية، استيقظت فكرة إحياء الوحدة الإسلامية لتوحيد الجهود ضد هذه الدول. فتزعم السلطان عبد الحميد إبان حكمه هذه السياسة نظراً للظروف الداخلية والخارجية، لأنه وجدها علاج دولته، ولم ير أن الوحدة الداخلية وحدها كافية بل أن يمتد تأثيرها نحو كل مسلمي العالم.

  بدأ السلطان بتطبيق هذه السياسة، وأخذ ينفذها، وأخذ من نامق كمال في البيئة العثمانية، وجمال الدين الأفغاني في البيئة الإسلامية والعربية، لتنفيذ سياسته في الداخل وفي الخارج، ففي الداخل كان تنفيذ مبادئ الحركة يعني الالتزام بحدود الشريعة الإسلامية، وفي الخارج يعني التفاف المسلمين حول الخلافة. بعد أن بدأ بتطبيق “حركة الجامعة الإسلامية” استطاع أن يحتفظ بولاء الأقوام غير التركية في الدولة، وكسب جميع المسلمين إلى جانبه. وللمحافظة على ما تبقى من الأقاليم العربية بعد ضياع تونس ومصر أخذ يقرب عدداً من الشخصيات العربية كعزت باشا العابد وأبو الهدى الصيادي وغيرهم، وكون فرقة عسكرية أدخلها في حرسه الخاص، واهتم بالمقدسات الإسلامية الثلاث التي جميعها بحوزة العرب وخصص لها الأموال، وعمد إلى مصاهرتهم فزوج أميرتين من آل عثمان بشابين عربيين.

  عمد إلى دعوة الزعماء والمفكرين من غير العرب ليظهر اهتمامه برعاية العلم والعلماء فقام بدعوة جمال الدين الأفغاني إلى إسطنبول، مما يذكر أن السلطان استعان بجملة من العلماء على رأسهم جمال الدين الأفغاني محاولاً التقريب بين المذاهب الإسلامية والتقرب من إيران.

  من الوسائل التي لجأ إليها السلطان لدعم الحركة إحياء مركز الخلافة الإسلامية لاستمالة المسلمين حول العالم من غير رعاية الدولة حوله وحرص على إقران الأسماء الدينية مثل “أمير المؤمنين” و”خادم الحرمين الشريفين”. وعمد على إضافة مظاهر الزهد وممارسة الشعائر الدينية علانية وأحاط نفسه بعلماء الدين، وغيرها. وأدخل اللغة العربية على برامج الدروس في المعاهد وحاول جعلها مساوية للّغة التركية اللغة الرسمية للدولة. وكان أهم منجزاته لدعم حركة الجامعة الإسلامية مشروع خط حديد الحجاز. كانت هذه الحركة نجاحاً تأرجح بين القوة والضعف، وانتشر صداها في العالم الإسلامي والعالم العربي، وبرزت دعوات رافضة لحركة الجامعة الإسلامية كفكرة دينية في العالم العربي وتركيا وأوروبا، ففي العالم العربي برزت القومية العربية خاصة بين النصارى، ودور عبد الرحمن الكواكبي الذي هو أحد رواد الحركة الإسلامية إلا رسخها بصورة مغايرة عن حركة السلطان عبد الحميد وقد أراد أن تكون الخلافة عربية وفي قريش ومركزها مكة المكرمة وإبعادها عن آل عثمان، وفي تركيا الحركة الطورانية، وأما أوروبا فقد عملت على تشويه صورة السلطان أمام رعاياها المسلمين بوصفه حاكماً استبدادباً يتسم بالظلم.

  مؤخرًا حاولت صحيفة «شالوم»، الناطقة باسم الصهاينة في تركيا، في ملفّ أفردته للسلطان عبد الحميد، إن السلطان أرسل فعلاً رسالة بهذا الفحوى إلى هرتزل، وأوضح الأخيرُ انطباعه في مذكراته بالقول: «لقد أثّرت بي كلمات السلطان الصادقة والرفيعة. ورغم أنه أحبط آمالي إلا أن هناك جمالاً تراجيدياً في نزعته القدرية التي آثر فيها النضال، ولو بشكل سلبي، حتى رمقه الأخير، رغم توقّعه للموت والتقسيم». بعدها تبدأ سلسلة غريبة من الأحداث تقع، وكعادته كان الشيطان كامناً في التفاصيل؛ فرسالة عبد الحميد المذكورة كانت في 19 حزيران/ يونيو 1896، بعدها بأربعة أيام فقط، أي في 23 حزيران/ يونيو، تبدأ مفاوضات سرية بين الصدر الأعظم خليل رفعت باشا وهرتزل الذي استخدم هويته الصحفية لئلا يجلب الأنظار.  

  تقول الصحيفة إن السلطان عبد الحميد مارس نفوذه لتقوية وضع هرتزل في المؤتمر، مستندةً إلى تصريحات المشاركين. وفي شباط/ فبراير 1902، استدعي قصر يلدز هرتزل بشكل عاجل إلى اسطنبول، وعرض عليه إسكان اليهود في الأناضول وسورية وميزوبوتاميا وسورية عدا فلسطين. وانتهى الاجتماع سلبياً، لكن بعد بضعة أيام انتزع هرتزل موافقة على بناء جامعة عبرية في فلسطين، انطلقت عام 1918 باسم جامعة حيفا التقنية.