• 7 حزيران 2017
  • مقدسيات

 

 

 القدس - اخبار البلد- بمناسبة مرور خمسين عاما على احتلال القدس، تلك المناسبة التي اثارت الكثير من المشاعر المحزنة والمؤلمة للمقدسيين ، اثبت ان تلك الحرب واثارها لا تزال قائمة حتى بعد مرور خمسين عاما، فلا الاعوام نجحت في ان ينسى اهل القدس ما جرى ولم تنجح الاجراءات الاسرائيلية بجعل اهل القدس ينسوا تلك اللحظات القاسية والسوداء قي حياة المدينة التي يزداد وضعها سوء، فاكثر من ٣٥٠ حانوت قد اغلقت ابوابها كليا في البلدة القديمة ، قوات الشرطة اكثر من السياح في المدينة .

 وبهذه المناسبة نشر موقع "عرب 48 " تقرير موسعا عن القدس للصحفي " سهيل كيوان،" ونحن  في “ اخبار البلد” نقوم بنشره لان يلقى الضوء على جانب اخر من القدس. 

في ذكرى الاحتلال الخمسين للقدس، الأسواق شبه فارغة، عددٌ كبير من الدكاكين مغلق، ومن الملاحظ أن عرب الداخل يحاولون سدّ النقص الكبير في الوجود العربي داخل القدس القديمة، والذي يتناقص عامًا بعد عام بسبب عوامل كثيرة، أهمّها جدران الفصل العنصري التي تفصل الضفة الغربية وأجزاءً من المدينة المقدسة، ليصبح الدخول إلى القدس مشقة كبيرة وشبه مستحيل لملايين الفلسطينيين، إذا أضفنا لهم الحصار الطويل على قطاع غزة الذي يحرم أهل القطاع من الوصول إلى القدس.

أعداد رجال الشرطة في كل شعبة من السوق بالمئات، ويسيرون في وحدات أقلها خمسة وأكثر، وكلما اقتربت من إحدى بوابات المسجد ازدادت أعدادهم كثافة، ومن الواضح أنهم مـتأهبون بأسلحتهم النارية لأيِّ طارئ.

ترى المستوطنين سيدات ورجالا وأطفالا من كل الأعمار، ولكن تلاحظ  وراء وحول كل عائلة حراسة بزي مدني، والسلاح واضح تحت السترة أو القميص.

من الجهة الجنوبية الغربية، الجانب اليهودي بمحاذاة السور، موقف سيارات كبير منظم للحافلات. ترى هناك المئات من المستوطنين من كل الأعمار، وخصوصًا الشبيبة، يتجهون للدخول إلى ساحة حائط البراق; حواجز وزحمة كبيرة ورجال شرطة بأعداد كبيرة ويهود أجانب. هذا يؤكد الشعور بتقسيم القدس القديمة إلى قسمين، في الجهة اليهودية يلاحظ على الفور نظام المقاهي العصري ونظافة الشوارع ومواقف السيارات والمحلات والمعارض الفنية والحمّام والسينماتيك، وفي الجهة العربية عند باب العمود وباب الساهرة، تلاحظ عكس ذلك: موقفان السيارات ضيقان جدًا، وتشعر بأن كل شيء هنا مهمل، من نظافة الشوارع إلى نظام السير والوقوف والباعة. عالمان مختلفان لا يفصل بينهما سوى أمتار.  

في ساحة الحرم القدسي، وقت صلاة الظهر، مشى إلى جانبي رجلٌ مسن كان يحدث نفسه وكأنه يريد أن يُسْمِع من حوله ويقول: العرب شاطرين على بعض، هَيْهُم قطعوا علاقتهم مع قطر، قال لأنها تدعم حماس، طيّب لما كانت علاقتها بإسرائيل جيدة ما  قطعوها!

تبعه كهل آخر صار موازيًا له وراح يتحدث هو الآخر.. اليوم ذكرى احتلالهم للقدس، ثم التفت إليّ ليحدّثني: أنا عمري واحد وستون عامًا، طفولتي وشبابي وكهولتي تحت الاحتلال، هل هذه عيشة! أنجبت أولادي تحت الاحتلال صاروا رجالا، قلت له: وهل تأمل شيئا يغير هذا الواقع، فقال: تقصد من العرب! لا ننتظر شيئًا من العرب والمسلمين، شاطرين على بعض، فقط معجزة ربانية قد تغير الحال، العرب يحاربون بعضهم البعض، قامت شعوبهم لتتحرر من الظلم فذبحوها.

قوات الاحتلال أكثر من السياح

المسجد الأقصى شبه ممتلئ بالرجال وجلهم من عرب الداخل وهذا في صلاة الظهر وفي يوم عادي الإثنين وليس الجمعة. أما قبة الصخرة فهي مكان مصلى النساء، هي أيضا شبه ممتلئة، في الساحات أعدت خيام بيضاء للمصلين في يوم الجمعة حيث وصل عددهم في الجمعة الأولى من رمضان إلى نحو 250 ألف مصل، ويتوقع أن تزداد أعدادهم في الجُمعات التالية.

يبدو رمضان كئيبًا في القدس القديمة، رغم محاولات بث الغبطة من خلال بعض الزينة أمام المحلات، فأنت تمشي في الأسواق بين رجال حرس الحدود أكثر من السياح، كأن الاحتلال وقع اليوم وليس قبل خمسين عامًا، من يقول إن القدس موحدة يخدع نفسه، القدس محتلة، القدس قدسان، واحدة يهودية لها بلدية وموارد هائلة تهتم بها من الداخل والخارج، وقدس أخرى، عربية، مهملة، كأنه لا يوجد لها بلدية ومواردها شبه معدومة.

التقيت أحد التجار في السوق فقال: هذا المحل أخذته عن والدي الذي بدأ فيه منذ العام 1953، محل ملابس جينس في شارع طريق الواد لصاحبه خالد الصاحب.

 يقول خالد الصاحب، والذي كان حتى وقت قريب رئيسًا للجنة التجار في القدس القديمة: 'القدس غير موحدة جغرافيًا، هذا واضح، هذه شرقية وتلك غربية، التمييز في كل المجالات، في الخدمات العامة وفي الخدمات التعليمية والمدارس وكل شيء وإضافة لسحب الهويات، أي شغلة لها علاقة في الأمن يحولون الضغوط كلها علينا، نحن الذين ندفع الثمن، حتى مخالفات التدخين، من يدخن حتى داخل محلّه يخالفونه بغرامة 1000 شيكل، وإذا لم يدفعها تصير 5000 شيكل، هذا الكلام لا تجده في القدس الغربية، صاروا يفتحون مراكز تجارية قريبة  لضرب الحركة التجارية داخل القدس، يعملون حملات  وتنزيلات هائلة في فترة الأعياد العربية الإسلامية والمسيحية كنوع من الضغط الاقتصادي على تجار القدس الشرقية. في فترة الأعياد العربية يعرضون أسعارًا رهيبة لا تستطيع منافستها'.

ويقول خالد الصاحب عن ارتباطه في دكانه: 'أنا معي ماجستير تحليل طبي، تركت عملي بعد رحيل والدي وأتيت لأجلس في الدكان للمحافظة عليه'. 

ويضيف: 'لم يمر أسوأ من هذا الوضع على القدس منذ 1967 ، يكاد التاجر أن يعجز عن دفع مصاريفه، فهو عنده أجرة بيت ومصاريف وصحة وتأمينات وأسرة، وإذا بقي الوضع هكذا،  ستغلق كثير من المحلات خلال السنتين القادمتين، في القدس داخل الأسوار 1420 محلا ـ منها اليوم 350 محلا أغلقت تمامًا، أصحابها أغلقوها وتركوها وذهبوا ليشتغلوا في الفنادق والنظافة والمراكز التجارية عند اليهود. نحن نواجه خطة تفريغ مدروسة من العرب. يحتاج التاجر كي يصمد إلى مقوّمات أساسية، ونقول لهؤلاء الذين يتحدثون عن دعم القدس: يا عمي أعطوا التاجر مصروف محله 200 شيكل كل يوم، وهو مستعد أن يظل قاعدا على كرسيه كل النهار، ولكن إذا أنا مش قادر أصرف على محلي بالتالي كيف سأصرف على عائلتي'!

يتذكر خالد بداياته منذ 1972: 'كانت في القدس سياحة عربية، كانوا يأتون بإجازات من أوروبا، كان يستغرق  مرورك في هذا الشارع ساعة من كثرة الناس، اليوم صار بعد الساعة الثالثة شارع أشباح'.

ويضيف: 'اتفاقات أوسلو أتت لنا بمصيبة السور، المناطق التي كان يصل  الناس منها بأربع دقائق، صارت تحتاج إلى سفر ساعة. فقلّت حركة الناس، القدس مدينة سياحة داخلية وخارجية، ولكن عندما تتوقف عنها الرجل الغريبة وتخف الرجل الداخلية فهي تموت. الناس لم تعد ترغب المجيء إلى القدس، الشرطة تجري تفتيشات مهينة للناس، هذه الخطة أبعدت كثيرين عن القدس، زيارة القدس كانت أمنية لابن الضفة والناصرة وغزة ، كان أحدهم يشرب فيها كاسة الشاي ويقول أنا كنت في القدس، اليوم الوضع مُزر'.

محل خالد الصاحب ليس بعيدًا عن ما يعرف بمنزل شارون الذي يسكنه مستوطنون، يقول خالد: 'استولوا على بعض المحلات بطرق الاحتيال والتزييف والضغط، وضريبة الدخل التي وصلت عند البعض لمئات الآلاف، ولكن يجب أن نعترف يوجد بيوت اندفع ثمنها، اشتروها، للأسف يوجد أناس باعوا ضمائرهم للمحتل. كذلك مورست ضغوط كبيرة على البعض، أحدهم مديون للبلدية بمليون شيكل جاء إليه مستوطنون وقالوا له نحن نسدّد عنك المليون شيكل وندفع لك مليون دولار ثمن المحل ولكنه رفض، ولكن بعض الناس قد يضعفون، وباعوا لشركات وهمية تبيّن أنها شركات صهيونية.

الجميع يقول إن القدس في العيون، القدس جزء من عقيدتنا، هذا الكلام يجب أن يترجم إلى دعم، المقدسيون بحاجة لأي دعم اقتصادي وإعلامي وسياسي محلي ودولي، من يعتقد أن المواطن المقدسي يعيش من الهواء فهو مخطئ. نطالب كل جهة أن تدعم الصمود الفلسطيني في القدس وهذا واجب على كل واحد، وليس معروفًا.