• 28 آذار 2026
  • مقدسيات

 

بقلم : نافذ عسيلة*

في ظل واقع سياسي معقد وتحديات وجودية تضغط على تفاصيل الحياة اليومية لسكان البلدة القديمة، تبرز مبادرة تأسيس الوقفية الهاشمية في القدس بقيادة سمو الأمير الحسن بن طلال بوصفها بارقة أمل تبعث قدرا من الطمأنينة وتعكس روحا من الاصرار. فهي لا تأتي كمجرد مشروع خيري عابر، بل كفكرة تنبض بالمسؤولية والانتماء، وتسعى الى اعادة الروح لدور الوقف بوصفه حصنا يحمي الهوية وذاكرة المكان، ويمنح الناس شعورا بأن جذورهم ما زالت ممتدة في هذه الأرض رغم كل ما يحيط بهم.

تسير المبادرة عبر مسارين متكاملين يحمل كل منهما بعدا انسانيا واضحا. الأول يتمثل في الدعم المالي والخدماتي، الذي يلامس هموم العائلات بشكل مباشر، خاصة فيما يتعلق بالسكن وصيانة البيوت التي تحمل ذكريات أجيال. هذا الدعم لا يقتصر على تخفيف الأعباء، بل يبعث شعورا بالثبات، وكأن الجدران القديمة تستعيد قدرتها على الصمود في وجه الضغوط.

أما المسار الثاني، فيتجلى في الدعم القانوني والإداري، حيث يتحول القلق الى فعل، والخوف إلى قدرة على المواجهة. فهذا المسار يمنح السكان ادوات للدفاع عن حقوقهم، ويعيد إليهم شيئا من الشعور بالسيطرة على مصيرهم، في واقع تتداخل فيه التحديات القانونية والسياسية والثقافية بشكل مرهق.

ومع الوقت، يمكن لهذه المقاربة ان تعيد ترميم النسيج الاجتماعي، عبر إحياء روح المسؤولية المشتركة وتعزيز الروابط الاسرية التي تشكل عماد الصمود. فالمقدسي لا يعيش وحده، بل يستند الى شبكة من العلاقات التي تمنحه القوة في مواجهة محاولات التفكيك.

كما تعكس المبادرة وعيا عميقا بقيمة المقدسات، مثل المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، ليس فقط كأماكن دينية، بل كرموز حية لهوية متعددة و موروث إنساني جامع. وهذا البعد يضفي على الجهد المبذول شعورا بأنه دفاع عن معنى اوسع من المكان، عن قصة مدينة كاملة.

وفي مواجهة سياسات تضيق على الناس وتثقل حياتهم، يشكل هذا الدعم القانوني والمالي مساحة أمان نسبية، لا تخفف فقط من الأعباء المادية، بل تزرع قدرا من السكينة النفسية التي يحتاجها الإنسان ليستمر.

وتستمد المبادرة قوتها ايضا من امتدادها التاريخي في إطار الوصاية الهاشمية، بما يحمله ذلك من ثقل معنوي وسياسي، غير انها تتقدم خطوة أبعد نحو تمكين الإنسان المقدسي، ليكون شريكا في حماية ذاته ومجتمعه.

ورغم التحديات التي قد تعترض هذا المسار، يبقى الامل حاضرا، مدعوما بروح العمل الجماعي والانفتاح على المجتمع. فالمبادرة ليست مجرد خطة، بل محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان وأرضه على أسس أكثر ثباتا وعدلا.

في النهاية، تبدو هذه المبادرة وكأنها محاولة لالتقاط خيط الاستمرارية في مدينة تتنازعها التحولات، وإعادة نسجه بروح معاصرة تجمع بين القانون والانتماء والإنسان. وفي القدس، حيث تختلط الذاكرة بالحاضر، يظل التمسك بالبقاء ليس خيارا عاديا، بل شعورا عميقا بالحياة، وإصرارا على أن الامل، مهما ضاق، لا ينطفئ.

 *ناشط اجتماعي ومن سكان البلدة القديمة وكاتب في شبكة "اخبار البلد" المقدسية