- 6 نيسان 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة
في باب الخليل، عند عتبة القدس القديمة، حيث تمتزج رهبة المكان بثقل التاريخ وتتشابك القداسة مع الصراع، تبرز مؤسسة سانت إيف حكاية إنسانية قبل أن تكون مجرد مؤسسة حقوقية. هنا، حيث يمر الناس مثقلين بالقلق والامل معا، ولدت فكرة ان العدالة يمكن ان تكون فعلا يوميا، وان الايمان قد يتحول الى سند لمن يوشكون على الانكسار. تأسست المؤسسة كمركز كاثوليكي لحقوق الإنسان لخدمة المجتمع، وهي تحمل على عاتقها وجع الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين في قضايا تمس تفاصيل حياتهم، لم الشمل، التهجير، هدم المنازل، والتمييز، في ظل واقع قاس لا يرحم. في هذا الفضاء، لا تبدو الحقوق مفهوما مجردا، بل صرخة مكتومة، ومحاولة دائمة لإعادة تعريف العدالة كفعل صمود هادئ. تمضي المؤسسة في توازن دقيق بين انتمائها الكنسي ووفائها لأناس يواجهون انتهاكات مستمرة، فتبدو كمن يسير على خيط رفيع بين الإيمان والمسؤولية.
في قلب البلدة القديمة، حيث تضيق الازقة وتثقل الخطى بذاكرة المكان، تعمل المؤسسة وسط تقاطع هويات متعددة ومتناقضة أحيانا. هذا التنوع لا يخلق فقط تعقيدا سياسيا، بل يولد ايضا شعورا دائما بالحذر والترقب. ومع ذلك، تنجح المؤسسة في ان تكون مساحة مفتوحة للإنسان قبل اي انتماء، تقدم دعما قانونيا واستشارات اجتماعية لمن يجدون أنفسهم في مواجهة قاسية مع الواقع، خاصة اولئك الذين يخشون فقدان بيوتهم او هوياتهم او حتى حقهم في البقاء. وجودها هنا ليس مجرد موقع جغرافي، بل هو موقف أخلاقي، يجعلها شاهدة يومية على الألم، وشريكة صامتة في مقاومته.
من خلال عملها، تتحول المؤسسة الى جزء من نسيج مقاومة هادئة لا ترفع الشعارات بقدر ما تحتضن الناس في لحظات ضعفهم. هي لا تكتفي بتقديم المساعدة، بل تنصت، توثق، وتحاول ان تمنح معنى للعدالة في بيئة تبدو فيها العدالة بعيدة المنال.
في ملفات هدم المنازل والتهجير القسري وقضايا الاقامة، يختلط القانون بمشاعر الخوف والقلق على المصير. هنا، لا يكون العمل القانوني مجرد إجراءات، بل محاولة لحماية ذاكرة بيت، او الحفاظ على استقرار عائلة. تستند المؤسسة الى قيم كاثوليكية تضع كرامة الانسان في المركز، لكنها لا تنغلق داخل إطار ديني، بل تنفتح على مجتمع متعدد يجمعه الوجع ذاته وإن اختلفت معتقداته.
ما يميزها هو اهتمامها بالإنسان قبل ملفه، ووقوفها الى جانب الأفراد في مسارات قانونية معقدة، الأمر الذي يمنحهم إحساسا بأنهم ليسوا بمفردهم. ومع ذلك، لا تخلو طريقها من التحديات، فهي تواجه شكوكا من البعض وانتقادات من اخرين، ضمن توازن حساس بين مهنيتها والحفاظ على ثقة الناس. ورغم هذه الضغوط، تواصل عملها بهدوء وثبات، مدركة ان الثقة تبنى بالفعل اليومي لا بالكلام. ومن خلال الشفافية والتواصل، تنشئ روابط إنسانية عميقة مع المجتمع، لتغدو تدريجيا جزءا من نسيجه، لا مجرد جهة تقدم خدمة.
داخل جدرانها، يدور حوار حي بين موظفين ومراجعين، بين قصص مختلفة لكنها تلتقي في البحث عن كرامة مهددة. هنا، لا يستخدم الخطاب الديني كوعظ، بل كجسر يقرب المعاني ويمنح الكلمات بعدا انسانيا أكثر دفئا. تختلط اللغة القانونية بلغة الحياة، في محاولة لجعل العدالة مفهومة وقريبة من الناس.
هذا التفاعل لا يبقى نظريا، بل يظهر في تفاصيل العمل اليومي، حين تتحول المفاهيم المعقدة الى لغة بسيطة، يشعر معها الناس ان القانون ليس بعيدا عنهم تماما. وبهذا، تساهم المؤسسة في ترميم شيء من الثقة المفقودة، وفي بناء تماسك مجتمعي هش لكنه ضروري.
أما موقعها في قلب البلدة القديمة، بين حجارة عتيقة تحمل ذاكرة قرون، مما يمنحها حضورا خاصا، فالمكان هنا ليس خلفية صامتة، بل شريك في الحكاية، يذكر كل من يمر بأن هذا الصراع ليس طارئا، بل ممتد وعميق. وجود المؤسسة في هذا الفضاء يعكس رغبة واضحة في البقاء قريبا من الناس، في لحظات الخوف كما في لحظات الامل.
في هذا السياق، تحاول المؤسسة إعادة تعريف حقوق الإنسان، لا كمصطلحات قانونية جامدة، بل كتجربة معيشة يومية ترتبط والكرامة والصمود. تقدم خطابا يمزج بين القيم الكونية والواقع المحلي، حيث يصبح الإيمان أحد مصادر القوة في مواجهة الظلم.
تلعب الكنيسة دورا في خلفية هذا العمل، مانحة دعما ومرجعية أخلاقية، لكنها في الوقت نفسه تفرض حدودا غير مرئية أحيانا. وبين هذا وذاك، تتحرك المؤسسة ضمن هامش دقيق من الاستقلالية، تحاول من خلاله الحفاظ على توازنها في بيئة شديدة التعقيد.
أما الناس الذين يقصدونها، فيحمل كل منهم مشاعره الخاصة. بعضهم يجد فيها طمأنينة مستمدة من قيم العدالة والتضامن، بينما يتعامل معها اخرون بواقعية، باحثين فقط عن حل ينقذهم من أزمة ما. وفي كلتا الحالتين، تظل المؤسسة نقطة التقاء بين الحاجة والامل.
في النهاية، تقدم مؤسسة سانت إيف صورة إنسانية عميقة لتقاطع الدين مع العمل الحقوقي في مدينة مثقلة بالصراع. هي ليست مجرد مؤسسة، بل تجربة حية تكشف عن قدرة الإنسان على خلق معنى للعدالة حتى في أصعب الظروف، وعن امكانية تحويل الايمان الى فعل يومي في خدمة الآخرين، رغم كل ما يحيط بهم من تعقيد وعدم يقين.

