- 8 نيسان 2026
- مقدسيات
القدس - اخبار البلد - كتب نافذ عسيلة
في ظل التحديات التي تواجه سكان البلدة القديمة، تبرز الوقفية الهاشمية كنموذج حقيقي للأمل، فهي ليست مجرد فكرة بل ضرورة إنسانية عاجلة. تسعى المبادرة إلى تحويل التضامن من كلمات إلى أفعال ملموسة تعزز صمود السكان وتعيد إليهم شعور الطمأنينة. تعتمد الوقفية على دراسة احتياجات الأهالي من خلال متابعة حياتهم اليومية، وتدمج الجانب الإنساني بأساليب عملية وإدارية واقتصادية واجتماعية وقانونية وخدماتية، لتحويل الأمل إلى واقع مستدام يمكن الاعتماد عليه.
سبق تناول الموضوع في مقال بعنوان الوقفية الهاشمية في القدس من الحماية إلى التمكين، نشر في شبكة أخبار البلد بتاريخ 28 آذار 2026. أقدم مقترحات عملية تهدف لتلبية احتياجات سكان البلدة القديمة وتحويل الأمل إلى واقع ملموس من خلال المشاريع التالية:
اولا: مشروع الدعم المالي والخدماتي
يركز هذا المشروع على تقديم دعم مالي وخدمات متكاملة لسكان البلدة القديمة للتخفيف عنهم في مختلف المجالات، أبرزها أزمة السكن وارتفاع الإيجارات وصعوبة الحصول على تراخيص البناء وغلاء أسعار الشقق، ما يزيد الضغوط على الأسر خاصة الشباب ويضاعف الاكتظاظ. تتحول أحلام الاستقلال السكني إلى أهداف بعيدة المنال، في حين تزيد السياسات الحالية شعورهم بالعجز والقلق حيال المستقبل.
كما يثقل ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية كالحبوب والخضار والفواكه واللحوم كاهل الأسر محدودة الدخل، ويجعل أبسط مقومات الحياة اليومية تحدياً مستمراً، مما يزيد شعورهم بعدم الأمان الاقتصادي. وتضاعف قلة فرص العمل والتمييز في سوق العمل إحباط الشباب وتجعل تحقيق الاستقلال المالي حلماً بعيداً، بينما تزيد القيود الاقتصادية والسياسية من مخاوفهم بشأن المستقبل.
ارتفاع فواتير المياه والكهرباء والأرنونا والغرامات اليومية يقلص الموارد المتاحة للأسر ويزيد التوتر، ويؤدي اللجوء إلى القروض لتغطية المصاريف اليومية إلى تراكم الديون وتقليل القدرة على الادخار أو الاستثمار، ما يجعل الدعم المجتمعي والتخطيط المالي ضرورة لاستعادة الأمان والاستقرار.
كما يفاقم انتشار العنف والانحرافات السلوكية بين الشباب ونقص الأنشطة الترفيهية والتعليمية القلق المجتمعي ويؤثر على الأمان الأسري، ما يبرز الحاجة إلى برامج توعية ودعم نفسي لتعزيز مهارات الشباب وشعورهم بالانتماء. إضافة إلى ذلك، يضع ارتفاع الرسوم الجامعية عبئاً على الطلاب ويدفع كثيرين للعمل أثناء الدراسة لدعم أسرهم، مما يؤثر على تحصيلهم العلمي ويجعل الدعم المالي والتعليم المستمر ضرورة لضمان مستقبلهم.
كما يجعل غلاء المهور وأسعار الذهب وتجهيزات الزواج تأسيس الأسرة تحدياً كبيراً للشباب، ويتحمل الآباء عبء الدعم المستمر، ما يزيد الضغوط النفسية والاجتماعية ويبرز الحاجة إلى حلول مجتمعية لتسهيل الزواج وبناء أسر مستقرة.
ثانيا: مشروع الدعم القانوني والاداري
يركز هذا المشروع على تقديم دعم قانوني وإداري شامل لسكان البلدة القديمة، عبر الاستشارات القانونية لحماية حقوقهم ومساعدتهم في القضايا المتعلقة بالهوية والإقامة. كما يواجه المشروع التحديات اليومية التي تتضمن سحب الهويات وتأخير لم الشمل، والتي تسبب شعوراً بعدم الأمان والاضطراب لدى العائلات.
يسعى المشروع أيضاً إلى تمكين السكان من التعامل مع الإجراءات القانونية والإدارية بشكل مستقل، وتعزيز الروابط الأسرية والمجتمعية المتأثرة بالتوتر المستمر. ويتضمن ذلك برامج توعية قانونية وورش عمل تدريبية تهدف إلى تعليم الأهالي كيفية حماية حقوقهم ومتابعتها، باعتبار المتابعة عنصراً أساسياً للقوة.
في نهاية المطاف، يهدف المشروع إلى تحويل التحديات اليومية إلى فرص لتعزيز صمود المجتمع، وتمكين العائلات من مواجهة الضغوط النفسية والاجتماعية بثقة واستقرار.
ثالثا: مشروع الترميم
يركز هذا المشروع على ترميم وإعادة تأهيل بيوت البلدة القديمة لضمان بيئة سكنية ملائمة ومريحة للسكان، مع الحفاظ على الطابع التاريخي والمعماري الفريد للمنطقة. ويهدف المشروع إلى تحسين جودة الحياة عبر تحديث المرافق الأساسية وتأهيل البنية التحتية بما في ذلك شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وتعزيز السلامة والأمان في المنازل. يشمل المشروع أيضاً إنشاء مساحات خضراء على أسطح المنازل، إلى جانب تنفيذ برامج توعية تشجع السكان على المشاركة في صيانة بيوتهم والمساهمة في تطوير حيهم بطريقة مستدامة.
رابعا: مشروع التشبيك
يعنى هذا المشروع بتعزيز تشبيك الوقفية الهاشمية مع المؤسسات المحلية والاقليمية والدولية، بما يسهم في توسيع نطاق التعاون وتبادل الخبرات والمعرفة. ويهدف الى بناء شراكات استراتيجية فاعلة تدعم تنفيذ المبادرات والمشاريع التنموية وتزيد من أثرها واستدامتها. كما يعمل المشروع على تطوير قنوات تواصل فعالة مع مختلف الجهات، وتنظيم لقاءات ومؤتمرات مشتركة لتعزيز التنسيق وتوحيد الجهود في خدمة الاهداف المشتركة. ويسعى ايضا الى استقطاب الدعم الفني والمالي من الشركاء، وتبادل أفضل الممارسات في مجالات العمل المختلفة. اضافة الى ذلك، يركز المشروع على بناء شبكة علاقات قوية تسهم في تعزيز حضور الوقفية على المستويات المختلفة، وتفتح المجال امام فرص تعاون جديدة، بما يدعم التنمية المجتمعية ويحسن جودة الخدمات المقدمة.
خامسا: مشروع بناء القدرات
يعتمد هذا المشروع على بناء قدرات الموظفين والعاملين والمتطوعين والادارة التنفيذية لمشاريع الوقفية، من خلال تطوير مهاراتهم المهنية والادارية وتعزيز كفاءتهم في تنفيذ وادارة البرامج المختلفة. ويهدف الى رفع مستوى الاداء المؤسسي وتحقيق جودة اعلى في الخدمات المقدمة. كما يشمل المشروع تنظيم برامج تدريبية متخصصة وورش عمل عملية في مجالات القيادة وادارة المشاريع والتخطيط الاستراتيجي، الى جانب تنمية المهارات الرقمية والتقنية لمواكبة متطلبات العمل الحديثة. ويسعى ايضا الى ترسيخ ثقافة العمل الجماعي والابتكار داخل بيئة العمل. اضافة الى ذلك، يعمل المشروع على توفير فرص للتبادل المعرفي والخبرات مع مؤسسات اخرى، وتطبيق نظم تقييم اداء مستمرة تساعد على تحسين الكفاءة وتحديد الاحتياجات التدريبية، بما يسهم في استدامة التطوير المؤسسي وتحقيق الاهداف بكفاءة وفاعلية.
في الختام، يتضح الدور الحيوي لمشاريع الوقفية الهاشمية في دعم سكان البلدة القديمة وتعزيز صمودهم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والمعيشي. هذه المشاريع تتجاوز حدود المساعدة المؤقتة لتسعى إلى تحقيق تغيير حقيقي ومستدام من خلال تمكين السكان، والحفاظ على التراث، وتطوير القدرات، وتوسيع الشراكات المحلية والدولية. ومن خلال هذه المبادرات المتكاملة، تتحول الرؤية إلى واقع ملموس يعيشه الناس يومياً، ويعزز شعورهم بالانتماء إلى مدينتهم، ويمنحهم الاطمئنان والأمل بمستقبل أفضل. تؤكد هذه المشاريع أن الوقفية ليست مجرد دعم رمزي، بل أداة فاعلة لبناء مجتمع قوي قادر على الصمود والاستدامة. كل الاحترام والتقدير لسمو الأمير الحسن بن طلال على مبادرته الاستراتيجية في تأسيس الوقفية الهاشمية، في ظل التعقيدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتحديات الوجودية التي تواجه البلدة القديمة وسكانها.

