- 13 آيار 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة
يمثل السيد عبد الله كنعان نموذجا استثنائيا لشخصية وطنية هاشمية الانتماء والهوى، حملت القدس في وجدانها قبل موقعها الرسمي، فنجح في تحويل العمل المؤسسي الى فعل مقاوم نابض بالحياة والانتماء من خلال موقعه امينا عاما للجنة الملكية لشؤون القدس. لم تكن مهمته مجرد ادارة لاجتماعات او متابعة لملفات ادارية باردة، بل كانت رحلة يومية مثقلة بالمسؤولية والالم والامل، سعى خلالها الى بناء منظومة متكاملة ذات ابعاد معرفية ودبلوماسية واغاثية، تواجه مشاريع التهويد وتكشف الانتهاكات التي تطال المدينة المقدسة واهلها في كل يوم. وهذا التحليل، القائم على مقاربة ميدانية، يحاول الاقتراب من عالمه العملي والانساني، بعيدا عن اللغة السياسية الجامدة، من خلال تتبع كيف وظف كنعان خبرته الطويلة وفهمه العميق للنسيج المقدسي في الدفاع عن هوية القدس العربية الاسلامية والمسيحية، وفي ترسيخ شعور اهلها بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة القهر والاقتلاع. كما يتناول التحليل جهوده في فضح ممارسات الاحتلال والعمل على تخفيف معاناة المقدسيين، واضعا القدس في قلب الصراع بوصفها قضية كرامة وذاكرة ووجود.
تأسست اللجنة الملكية لشؤون القدس عام 1971 بتوجيه من جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال، وفي عام 1994، وبعد اعادة تشكيلها، تولى السيد عبد الله كنعان امانتها العامة وواصل ادارتها تحت اشراف ورعاية سمو الامير الحسن بن طلال حفظه الله ، بروح المسؤولية والوفاء للقضية. وانطلقت رسالة اللجنة من الايمان العميق بان القدس ليست مجرد مدينة محاصرة، بل رمز روحي وتاريخي يحمل وجع الامة وكرامتها. لذلك، عملت اللجنة على نشر الوعي بقضية القدس والتأكيد على مكانتها العربية الاسلامية والمسيحية، الى جانب كشف ما تتعرض له من تهويد وانتهاكات متواصلة. اما بالنسبة لكنعان، فقد كانت القدس أكثر من ملف سياسي، كانت جرحا مفتوحا في ضمير العالم وامانة لا يمكن التفريط بها.
ولم يكتف كنعان بإصدار البيانات او إطلاق المواقف التقليدية، بل سعى الى بناء خطاب متماسك يحمل بعدا انسانيا واخلاقيا الى جانب بعده السياسي والقانوني. اعتبر مشاريع التهويد قائمة على روايات توراتية ملفقة، وسعى الى تفنيد الاساطير اليهودية عبر التوثيق العلمي والمعرفي، انطلاقا من قناعة راسخة بان الدفاع عن الرواية الحقيقية يشكل جزءا اساسيا من معركة البقاء. كما نقل النقاش الى الساحة القانونية الدولية، محذرا من ان نقل او افتتاح السفارات في القدس يمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي، ومؤكدا ان السياسات الاسرائيلية تقوم على ممارسات الفصل العنصري. وفي الوقت ذاته، سلط الضوء على ازدواجية المعايير الغربية التي تتيح للاحتلال مواصلة انتهاكاته دون رادع، وهو ما كان يترك لديه شعورا عميقا بالغضب والأسى تجاه صمت العالم وعجزه عن وقف هذه الممارسات.
ويهدف الإطار الذي بناه كنعان لعمل اللجنة الى تثبيت المقدسيين ودعم صمودهم، ليس فقط عبر الخطاب السياسي، بل من خلال شعور عميق بالمسؤولية تجاه تفاصيل حياتهم اليومية ومعاناتهم المستمرة. فقد قاد جهودا دبلوماسية مكثفة تحت مظلة الوصاية الهاشمية دفاعا عن هوية المدينة وحفاظا على قيم العيش المشترك فيها. كما عمل على تحويل اللجنة الى مرجع معرفي يزود المؤسسات والجهات المختلفة بالتقارير والاحصاءات الدقيقة، ايمانا منه بان الحقيقة الموثقة قادرة على مواجهة التزييف. وامتد اهتمامه الى حماية الاوقاف الاسلامية والمسيحية والتصدي للمشاريع التي كان يعتبرها محاولة لتغيير ملامح القدس وتهديد الحرم الشريف.
كذلك حرص على توعية الرأي العام وتحويل قضية القدس الى مسؤولية جماعية، فكان يلتقي الوفود الطلابية والشبابية بروح الاب والمعلم، شارحا الدور الاردني في حماية المقدسات، ومؤكدا ان حمل رسالة القدس واجب لا ينتهي مع جيل واحد.
ويجسد منهج السيد عبد الله كنعان حالة نادرة لمسؤول أدرك ان القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع سياسي عابر، بل معركة وجود وهوية وذاكرة انسانية. فقد استطاع ان يحول موقعه في اللجنة الملكية لشؤون القدس الى منصة تجمع بين دقة التوثيق الأكاديمي وحرارة الموقف الوطني ومرونة التحرك الدبلوماسي، ليصبح حضوره جزءا من المشهد النضالي المرتبط بالدفاع عن القدس وحماية روايتها التاريخية.
وختاما، تشكل تجربة السيد عبد الله كنعان في اللجنة الملكية لشؤون القدس نموذجا انسانيا ووطنيا يعكس معنى الالتزام الحقيقي تجاه القدس واهلها. فمن خلال حضوره الدائم في الميدان والخطاب، استطاع ان يمنح العمل المؤسسي روحا نابضة بالقضية، وان يحول اللجنة الى مساحة للدفاع عن المدينة المقدسة وكشف سياسات الاحتلال ومساندة صمود اهلها. كما عكست جهوده ايمانا عميقا بان معركة القدس لا تقتصر على بعدها السياسي، بل تمتد لتشمل الكرامة والهوية والذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني والاردني والامة العربية. ولذلك، يبرز كنعان بوصفه واحدا من الشخصيات التي كرست حياتها للدفاع عن القدس، مؤمنا بان حمايتها ليست خيارا سياسيا عابرا، بل واجب اخلاقي وانساني يمتد عبر الاجيال.

