• 25 آيار 2026
  • مقدسيات

 

القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة 

 

يعد سوق القطانين في البلدة القديمة بالقدس أكثر من مجرد مكان للبيع والشراء، فهو فضاء تختلط فيه الحياة اليومية بعبق التاريخ والهوية والروح الدينية والثقافية للمدينة. فمنذ العهد المملوكي، ظل السوق واحدا من أكثر الاماكن حيوية في القدس القديمة، حيث ارتبط بحركة المصلين والزوار والتجار القادمين الى الحرم الشريف. ومع مرور الزمن، تحول السوق الى ذاكرة حية للسكان، تحمل جدرانه وواجهاته القديمة قصص الناس وهمومهم وتفاصيل حياتهم اليومية. ففي ساعات الصباح، تختلط اصوات فتح الابواب الحديدية برائحة القهوة، بينما تعكس الوجوه شعورا ثقيلا بين التمسك بالمكان والخوف من فقدانه.

ومن خلال الحياة اليومية لأصحاب المحلات، تظهر هموم تتجاوز حدود التجارة والرزق، لتلامس مشاعر القلق والانتماء والارهاق. فالتاجر في سوق القطانين لا يعيش فقط هاجس البيع في نهاية اليوم، بل يعيش ايضا شعورا دائما بعدم اليقين، وكأن المستقبل معلق بين يوم مزدحم بالحياة ويوم اخر تسوده الاغلاقات والفراغ. وكثيرا ما يشعر التجار انهم يعيشون داخل حالة انتظار طويلة، انتظار الزبائن، وانتظار المواسم، وانتظار انفراج قد يعيد للسوق بعضا من روحه القديمة.

ومن أبرز هذه التحديات كما قال عدد من التجار ل " أخبار البلد" تراجع الحركة التجارية، اذ يشكو كثير من التجار من انخفاض اعداد الزوار بسبب الاجراءات الامنية التي تحد من الوصول الى القدس. وبعد ان كان السوق يعج بالحركة والاصوات والازدحام، أصبح السوق يمر عليه ساعات طويلة من الصمت، الامر الذي يترك شعورا بالحزن والحنين لدى اصحاب المحلات، خاصة كبار السن الذين يقارنون باستمرار بين الماضي والحاضر. فكثير منهم يستعيد ذكريات الايام التي كان فيها السوق ممتلئا بالتجار والزوار من مختلف المدن العربية، حين كانت الحركة لا تهدأ حتى ساعات المساء.

كما تشكل الاغلاقات المفاجئة والقيود الامنية هاجسا يوميا للتجار، حيث يعيشون حالة دائمة من التوتر والخوف من تعطيل اعمالهم او اغلاق محلاتهم دون سابق انذار. ويؤدي هذا الاحساس الدائم بعدم الاستقرار الى شعور التاجر بالعجز عن التخطيط لمستقبل اسرته او تحقيق قدر من الامان الاقتصادي، ليصبح فتح المحل كل يوم اشبه بمحاولة للصمود والتشبث بالحياة أكثر من كونه عملا يوفر الطمأنينة والاستقرار.

وفي المقابل، ينظر كثير من اصحاب المحلات الذين تحدثوا مع " أخبار البلد"  الى وجودهم في السوق باعتباره جزءا من الدفاع عن المكان والهوية. فالدكان بالنسبة لهم ليس مجرد مصدر دخل، بل مساحة مرتبطة بتاريخ العائلة وذكريات الاباء والاجداد. ولهذا يشعر بعضهم ان اغلاق المحل او ترك السوق يعني خسارة جزء من الذات والذاكرة، وليس فقط خسارة مادية. ومن هنا يتولد شعور عميق بالمسؤولية تجاه الحفاظ على الحضور العربي داخل البلدة القديمة، حتى في أصعب الظروف.

وتزداد هذه الضغوط مع ارتفاع تكاليف الحياة والعمل، حيث يعاني التجار من الغرامات وملاحقات البلدية وارتفاع تكاليف الترميم والصيانة، خاصة ان السوق القديم يحتاج باستمرار الى العناية للحفاظ على طابعه التاريخي. كما يشعر كثير من التجار بالقلق من عزوف الابناء عن العمل في السوق، بسبب صعوبة الظروف وضعف العائد المادي، الامر الذي يثير لديهم خوفا من انقطاع المهنة واختفاء الطابع التقليدي للسوق مع مرور الوقت.

ومن القضايا التي تؤرق التجار ايضا تغير طبيعة الزبائن والعلاقات الاجتماعية داخل السوق. ففي الماضي، كان السوق مساحة للتعارف والتواصل اليومي بين الناس، حيث كانت العلاقات بين التجار تقوم على التعاون والتضامن وتبادل الأحاديث والتفاصيل الصغيرة. اما اليوم، فقد تراجعت هذه الروابط بفعل الضغوط الاقتصادية وتسارع الحياة، مما خلق شعورا بالعزلة والوحدة لدى بعض اصحاب المحلات.

كذلك يشعر كثير من التجار بالخوف على الهوية الثقافية للسوق، فهم يعتبرون انهم لا يبيعون بضائع فقط، بل يحافظون على ذاكرة مدينة كاملة. فسوق القطانين بالنسبة لهم يمثل جزءا من تاريخ القدس العربي الاسلامي والمسيحي، وهناك خشية دائمة من ان يفقد السوق روحه المحلية ويتحول الى مجرد ممر سياحي عابر للصور والتذكارات.

ورغم كل هذه التحديات، ما زال السوق يحتفظ بمكانته الرمزية في الوعي المقدسي، بسبب ارتباطه التاريخي بباب القطانين المؤدي الى الحرم الشريف. ولذلك تبقى حياة التجار في هذا السوق صورة للعلاقة العميقة بين الانسان والمكان، حيث يمتزج التعب بالحنين، والخوف بالصمود، والقلق بالأمل في ان يبقى السوق حيا كما عرفه اهل القدس عبر الاجيال.