- 7 تموز 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة :
في أحد صباحات القدس، وبين حجارتها العتيقة التي تختزن ذاكرة قرون طويلة، يتجدد في داخلي سؤال يبدو بسيطا في ألفاظه، لكنه عميق في معناه، ما الذي يجعلك فخورا بهذه المدينة؟
قد يجيب كثيرون بالحديث عن قبة الصخرة، وكنيسة القيامة، وأسوارها وأبوابها التاريخية، وكأن قيمتها تختصر في معالمها التي تزين الكتب والصور.
أما من عاش بين أحيائها، ولامس تفاصيلها، وتقاسم معها أفراح الأيام وتحدياتها، فيدرك أن الاعتزاز الحقيقي لا تصنعه المشاهد الشهيرة ولا العناوين الكبيرة، بل تلك اللحظات اليومية التي لا ينتبه إليها إلا أبناء المكان. إنه شعور ينمو مع السنين، ويتجذر في الوجدان، حتى تغدو القدس جزءا من الهوية قبل أن تكون موقعا على الخريطة.
ليس الاعتزاز أن تمتلك منزلا في القدس، بل أن تشعر بأن بيتك امتداد لذاكرة عائلتك، وأن المفتاح الذي تدير به الباب كل صباح يحمل بين أصابعه حكايات أجيال تعاقبت على المكان. وما إن ينساب صرير الباب القديم حتى تستيقظ الذكريات، وكأن الوجوه التي غابت ما زالت تملأ أركان البيت حضورا ومحبة. الجدران هنا ليست حجارة صامتة، بل صفحات تحفظ ضحكات الأطفال، وهمسات الأمهات، ودعوات الآباء، ولحظات الفرح والفراق، فيشعر الإنسان أنه لا يسكن البيت وحده، بل يسكن تاريخا متصلا لا ينقطع.
وللصباح في القدس نكهة لا تشبه سواها. تستيقظ الأزقة على رائحة الخبز الساخن والكعك بالسمسم، وتمتزج بروائح الزعتر والميرمية والقهوة العربية. وما إن تمضي في البلدة القديمة حتى تستقبلك روائح العطارة والبهارات والصابون النابلسي، فتشعر وكأن المكان يفتح ذراعيه مرحبا بك دون كلمة واحدة. وتبقى هذه الروائح عالقة في الذاكرة، ترافق أبناء القدس أينما ارتحلوا، لتعيدهم في لحظة خاطفة إلى طفولتهم ودفء البيوت التي نشأوا فيها.
وللقدس موسيقاها الخاصة التي يصعب أن تتكرر في أي مكان آخر. فمن يقف على سطح أحد بيوتها يرى القباب والمآذن والأجراس تتجاور في مشهد يختصر تاريخا طويلا من التلاقي. وما إن يعلو الأذان حتى تتبعه دقات الأجراس في انسجام يألفه الوجدان قبل السمع. ومع مرور السنوات يصبح هذا الإيقاع جزءا من الذاكرة، يبعث الطمأنينة كلما عاد الإنسان إلى مدينته، ويوقظ الحنين كلما ابتعد عنها.
ولا يقتصر سحر القدس على عمرانها العريق، بل يمتد إلى أهلها الذين يمنحونها روحها الحقيقية. ففي البلدة القديمة لا تكون الجيرة مجرد تقارب بين البيوت، وإنما علاقة إنسانية متينة تقوم على المودة والتكافل. يعرف الجيران بعضهم بعضا، ويتشاركون الأفراح والأحزان، وتتنقل أطباق الطعام بين البيوت في المناسبات، بينما يستقبل أصحاب المتاجر زائريهم بابتسامة صادقة، ويسألون عن الأحوال قبل الحديث عن البيع والشراء. هذه الروابط الإنسانية هي التي تحفظ دفء المكان، مهما تبدلت الظروف.
ولا تعيش القدس على أمجاد الماضي وحدها، بل تجدد الحياة في كل صباح. يتجلى ذلك في الأطفال المتجهين إلى مدارسهم، وفي الطلبة الذين يحملون أحلامهم بين الأزقة، وفي الحرفيين الذين يفتحون محالهم بإصرار، وفي النساء اللواتي يزين الشرفات بالورد والريحان. هنا تتحول الحياة اليومية إلى رسالة أمل، ويصبح التمسك بالمكان تعبيرا صادقا عن الوفاء والانتماء.
ولكل فصل من فصول السنة وجه مختلف يضفي على المدينة جمالا خاصا. ففي الربيع تزدان الأزقة بالأزهار، وفي الصيف تمتلئ الساحات بالحركة ولقاءات العائلات، أما الخريف فيكسو الحجارة دفئا يبعث الحنين، بينما يمنحها الشتاء صفاء استثنائيا حين تغسل الأمطار أسوارها وقبابها، ويملأ صوت المطر البيوت دفئا وسكينة. وهكذا تبقى العلاقة بالمكان متجددة، لا يبهتها تعاقب الأيام.
كما أن الاعتزاز بالقدس يتجسد في أبسط تفاصيل الحياة. في جلسة هادئة أمام باب المنزل، أو في نبتة نعناع تتمايل على الشرفة، أو في تحية صادقة بين الجيران، أو في فنجان قهوة يحتسى على مهل، أو في جولة بين الأسواق القديمة دون استعجال. مثل هذه اللحظات تمنح الإنسان شعورا عميقا بالطمأنينة، وتجعله يدرك أن الانتماء يبنى من التفاصيل الصغيرة قبل المناسبات الكبرى.
وفي النهاية، يبقى حب القدس أعمق من أن تعبر عنه الشعارات أو الكلمات. إنه إحساس تصنعه المعايشة، وتغذيه الذكريات، ويزداد رسوخا مع مرور الزمن. أن تستقبل يومك على ضوء الشمس وهو يلامس حجارتها الذهبية، وأن يرافقك صوت الأذان ودقات الأجراس في تناغم مألوف، وأن ترى الحياة تتجدد رغم كل التحديات، فذلك كفيل بأن يمنحك يقينا بأن هذه المدينة ليست مجرد مكان نعيش فيه، بل وطن يسكن وجداننا، ويعلمنا أن أجمل معاني الانتماء تولد من أبسط التفاصيل، وتبقى نابضة في النفس مهما ابتعدت المسافات وتعاقبت الأزمنة.

