• 9 تموز 2026
  • مقدسيات

 

 

القدس - أخبار البلد - كتب  نافذ عسيلة:

 

في القدس، حيث يسبقنا الزمن قبل أن نلتقط أنفاسنا، وتتبدل القوانين والسياسات بين ليلة وضحاها، لم تعد الحاجة إلى تقييمات خارجية مستقلة ترفا إداريا، بل أصبحت ضرورة ملحة تفرضها طبيعة الواقع الذي تعيشه مؤسساتنا. فالمؤسسات الأهلية والربحية، التي تحمل على عاتقها مسؤولية خدمة المدينة وسكانها، تواجه تحديات استثنائية تهدد استدامة عملها، الأمر الذي يستدعي وقفة تقويمية موضوعية ينفذها خبراء مستقلون من خارج المؤسسة، بعيدا عن تأثير العلاقات والمصالح الداخلية، لأن التأخير في مراجعة الأداء قد ينعكس سلبا على مستقبل المؤسسة وقدرتها على الاستمرار.

ومع كل قرار إسرائيلي جديد وما يرافقه من إغلاقات وقيود وإجراءات متغيرة، تصبح الحاجة إلى تقييم خارجي أكثر إلحاحا، لأنه يوفر رؤية موضوعية لقدرة المؤسسة على التكيف مع المتغيرات القانونية والإدارية، ويكشف مواطن القوة والفرص والضعف والتحديات والعقبات بعيدا عن الانطباعات الذاتية. فالتقييم الداخلي، مهما بلغت جودته، يبقى محدودا بوجهة نظر القائمين عليه، بينما يقدم التقييم الخارجي المستقل قراءة مهنية محايدة تساعد على تصويب المسار واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.

كما تواجه مؤسسات القدس تحديا متزايدا في تعزيز ثقة الجهات المانحة والمستثمرين، الذين يضعون معايير صارمة تتعلق بالشفافية والمساءلة والحوكمة. ويعد التقييم الخارجي المستقل من أهم الوسائل التي تعزز هذه الثقة، إذ يعكس التزام المؤسسة بالمراجعة الموضوعية والتحسين المستمر، ويؤكد استعدادها للمساءلة وتطوير أدائها، الأمر الذي يزيد فرصها في الحصول على التمويل والشراكات المستدامة.

وفي ظل المنافسة المتزايدة على الموارد المحدودة، تتمتع المؤسسات التي تجري تقييما خارجيا مستقلا بميزة تنافسية واضحة، لأنها تقدم دليلا عمليا على التزامها بالجودة والشفافية، ولا تخفي جوانب القصور، بل تعمل على معالجتها وفق أسس مهنية، مما يعزز مكانتها أمام الممولين والشركاء.

وتحت وطأة الاحتلال والضائقة الاقتصادية، تشهد القدس ارتفاعا كبيرا في الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية، من بطالة وفقر وضغوط نفسية واجتماعية، الأمر الذي يفرض على المؤسسات إعادة النظر في أولوياتها وبرامجها بصورة مستمرة. وفي هذا السياق، يمثل التقييم الخارجي المستقل أداة استراتيجية تساعد على قياس كفاءة استخدام الموارد، وفاعلية البرامج، ومدى استجابتها للاحتياجات المتغيرة، بما يسهم في تحسين الأداء وتعظيم الأثر التنموي.

وفي مدينة تتقارب فيها العلاقات الشخصية وتتداخل المصالح، تزداد أهمية الاستعانة بمقيمين مستقلين قادرين على تقديم تقييم محايد بعيد عن الاعتبارات الشخصية أو المؤسسية. فالمقيم الخارجي ينظر إلى المؤسسة بمنظور مهني موضوعي، ويكشف مواطن الخلل التي قد تصبح مع مرور الوقت جزءا من الممارسات المعتادة، مما يساعد على ترسيخ ثقافة المساءلة والتحسين المستمر، وحماية استقلالية المؤسسة ونزاهة قراراتها.

في المحصلة، تفرض خصوصية القدس وتحدياتها المتسارعة على مؤسساتها اعتماد نهج مؤسسي قائم على المراجعة المستمرة والتطوير المستند إلى المعطيات الموضوعية. ولم يعد التقييم الخارجي المستقل خيارا إداريا، بل أصبح أداة استراتيجية لتعزيز الحوكمة والشفافية، ورفع كفاءة الأداء، وتشخيص مواطن القوة والقصور، وتعزيز ثقة الشركاء والجهات المانحة. ومن ثم، فإن اعتماده كممارسة مؤسسية منتظمة يسهم في استدامة مؤسسات القدس، ويعزز قدرتها على التطور وتحقيق رسالتها الوطنية والتنموية بكفاءة وفاعلية.