- 30 أيلول 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة:
خرجت من ذلك الصباح بشعور ثقيل لم يفارقني. فما سمعته من تهاليل عن محبة الله وسمو النفس من سفر نشيد الانشاد ظل يتردد في داخلي، لكن صورة الحواجز الشرطية التي احاطت بالمكان كانت اقوى حضورا، وهي تمنع المؤمنين المسلمين من الدخول للصلاة في الحرم القدسي الشريف. وعندما اقتربت من مقعد عام بالقرب من طريق الالام وجلست لالتقط انفاسي، جاءت احدى الشرطيات وطلبت مني مغادرة المقعد والمكان بسبب وجود مسيرة لليهود المتدينين بمناسبة عيد العرش. في تلك اللحظة، لم اشعر انني مجرد شخص طلب منه تغيير مكانه، بل شعرت ان مساحة صغيرة من حياتي اليومية في مدينتي قد اغلقت امامي.
انا لا ارى القدس من نافذة بعيدة، ولا اعيشها في صورة او خبر. اخرج من باب بيتي، امشي في ازقتها، اتوقف عند حجارتها، واتعب في طرقها، واعرف تفاصيلها كما يعرف الانسان تفاصيل بيته. لذلك كان لمنعي من الجلوس على ذلك المقعد وقع خاص في نفسي، خصوصا ان المنع جاء في طريق الالام، في مكان يحمل ذاكرة دينية وروحية مسيحية عميقة، بينما كانت التهاليل ترتفع في الخلفية باسم محبة الله وسمو الانسان.
في ذلك الصباح، شعرت ان القدس كانت تحدثني بطريقتها الخاصة. كان نشيد الانشاد يرتفع في الهواء، وفي المقابل كانت التعليمات الامنية ترسم حدود الحركة، فتحدد لمن يسمح بالمرور، ومن يستطيع التوقف، ومن يحق له ان يجلس. وبين الترتيل والمنع، بدا لي ان ابسط تفاصيل الحياة اليومية، كالمشي والراحة والتوقف للحظات، لم تعد امورا عفوية كما ينبغي لها ان تكون. شعرت بثقل هذا التناقض في داخلي، وكأن الكلمات التي تتحدث عن المحبة والسمو كانت تصطدم امام عيني بواقع مختلف.
هذا هو وجع القدس كما اعيشه، لا كما يروى من بعيد. فالقيود حين تدخل تفاصيل الحياة اليومية لا تبقى مجرد اجراءات في الشارع، بل تترك اثرا في النفس، وتدفع الانسان الى الشعور بان حركته في مدينته ليست دائما امرا طبيعيا وبسيطا. بالنسبة لي، لم يكن ذلك المقعد أكثر من مكان اتوقف فيه لالتقاط انفاسي، لكن منعي منه جعلني اشعر للحظة بغربة مؤلمة في شارع من شوارع مدينتي. لم أكن اطلب شيئا استثنائيا، بل كنت ابحث عن لحظة راحة بعد السير والتعب.
وربما كان هذا هو الاثر الاكثر قسوة في ذلك المشهد، ان يعيش المقدسي في مدينته، بين بيوتها وازقتها ومقدساتها، ثم يجد ان تفاصيل صغيرة من يومه يمكن ان تصبح فجأة خاضعة للمنع والقيود. عندها لا يعود الامر مجرد موقف عابر، بل يتحول الى تجربة انسانية تمس احساسه بالانتماء والطمأنينة والكرامة.
فالقدس بالنسبة لي ليست فقط الحرم القدسي الشريف وكنيسة القيامة وطريق الالام، وليست فقط الكتب والتراتيل والطقوس. القدس هي ايضا بيتي، وحارتي، وطريقي، ومقعد استراحة اتوقف عليه عندما يتعب جسدي. وحين تصبح هذه التفاصيل جزءا من حسابات الحواجز والتعليمات، اشعر ان شيئا من الحياة الطبيعية التي اتوق اليها يبتعد عني.
ولهذا بقي مشهد ذلك الصباح في داخلي، صوت الترتيل يتحدث عن محبة الله وسمو الانسان، وصورة الحواجز تذكرني بثقل القيود التي تحاصر تفاصيل الحياة. وبين الصوت والصمت، وبين المحبة والمنع، بقي احساس مؤلم يرافقني، احساس بان القدس، بما تحمله من معان روحية وانسانية عميقة، تحتاج الى مساحة أكبر لأبنائها كي يعيشوا فيها بهدوء وكرامة وطمأنينة.

