- 12 تشرين الثاني 2025
- مقابلة خاصة
القدس - أخبار البلد - كتب المحرر الثقافي :
لقد خاض الدكتور علي قليبو مغامرة فريدة من نوعها في رحلته الاخيرة الى تلك البلدان التي كانت تعرف ببلدان ما وراء الستار الحديدي في الفترة السوفياتية وكانت تعرف بانها بلاد العلماء والحضارة فمنها خرج الكثير من اشهر العلماء والذين ساهموا بشكل كبير في نشر الحضارة الاسلامية . هذه المغامرة للدكتور علي قليبو الذي يعشق سبر غور الحضارات المختلفة من اليابانية الى الاوروبية وصولا الى بلدان اسيا الوسطى . وبعد ان امضى الفترة في البحث والتمحيص كتب لنا رؤيته في السياحة كسيف ذو حدين يحول المعالم التراثية والعمرانية الى سلعة تجارية تفقد المدن حرارة اصالتها .
من هنا فان هذه المقالة الممتعة ليست نوعا من ادب الرحلات فقط بل هي نوع من البحث عن الهوية الاسلامية والبحث عن الهوية التي فقدت عبر الزمان عندنا وعندهم .
فقراءة ممتعة لقراء ” أخبار البلد“ التي خصها الصديق الدكتور الفنان علي قليبو بهذه المقالة :
- البحث عن الأصالة
يتوقف الزمن في أزقة مدينة بخارى وخيوة وسمرقند، فلقد تمت إعادة تأهيلها بإتقان وبراعة محكمة لتبدو وكأنها قد بُنيت في الأمس القريب. ووفقاً لذلك أُزيلت أعمدة الكهرباء وأُخفيت الأسلاك الكهربائية واللافتات التجارية الحديثة في هذه المدن القديمة، حين تبوأ العجم أعظم مكانة علمية، فمن بخارى برز الإمام البخاري والزمخشري وبهاء الدين النقشبندي، ومن خيوة اشتهر الخوارزمي، ومن سمرقند أشرقت شمس الفارابي وابن سينا والبيروني.
جبت احياء أزقة مدينة بخارى وخيوة وسمرقند غير المطروقة مستكشفاً باحثاً عن الأصالة بلا جدوى، فحيثما أَجلتُ بنظري قابلتني المآذن الشاهقة تعانق السماء، وتومض قبابها الزرقاء نوراً يتلألأ تحت أشعة الشمس، وفي كل مكان انتشرت الزخارف الهندسية والخطوط العربية تزين واجهات المباني، لتشكل لوحة فنية متكاملة تأسر الألباب. لكن يا للأسف لم يبق أي حي شعبي او حتى معالم بيت قديم فلقد أُفرغت معظم الأحياء السكنية التي تحيط بالصروح الإسلامية التاريخية واندثرت انقاضها تحت أحواض الورد الجوري وأشجار الزينة.
-"أين تلك المدينة التي كانت موجودة في القرن التاسع الميلادي ونبغ فيها الخوارزمي؟"
سؤال ملح راودني طيلة إقامتي في مدن الحرير فجبت الأزقة الخلفية والدروب غير المطروقة لعلّيّ ألمح أثراً منسياً من العصر الأموي أو العباسي حين كانت أوزباكستان جزءا من ولاية خراسان وافرزت العديد من العلماء الذين ساهموا في اثراء الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الذهبي.
لقد أصبحت التجارة السياحية العالمية من أبرز مظاهر القرن الواحد والعشرين ويظهر هذا التأثير، بشكل واضح في أوزبكستان التي غدت وجهة سياحية متميزة، إذ يرافق هذا الانفتاح السياحي انتشار كثيف لشبكة فنادق ومطاعم ومقاهي ومتاجر في داخل المنشآت الإسلامية وساحاتها، تشمل الجوامع، والزوايا الصوفية، والمدارس والخانات والترب والمساكن حتى أمسى المشروع السياحي يشكل تهديداً للتراث الشعبي غير الملموس من المنتجات التراثية الذي أمسى سلعة فقدت أصالتها، كما يرافقه مبالغة وتزييف لمعالم أوزبكستان المعمارية القديمة بهدف اجتذاب السياحة العالمية.
يمتزج بهاء الماضي بضجيج الحاضر، وتتعالى همهمات الزوار وصيحات الباعة وتصبح المدينة راسخة القدم مرفقا سياحياً حديثا. ويتفاقم المشهد سوءاً بكثافة الزوار. فتزدحم الوفود فرادى وجماعات من كل صوب وحدب في ساحات سمرقند وبخارى وخيوة، تارة يتناولون الطعام الأوزبكي في خاناتها ومدارسها وتارة اخرى يشاركون بالرقص التقليدي في شوارعها وساحاتها حتى باتت الصروح التاريخية جزءًا من المنظومة السياحية.
قادني شغفي بالأصالة والعراقة واعتزازي بجذور هويتي العربية الإسلامية وانتشارها العظيم إلى داخل خان قديم في قلعة خيوة الحصينة في خوارزم. ولجت من مدخل الخان الخارجي إلى ساحة رحبة وإذا بي وجهاً بوجه مع امرأة أوزبكية تغرف الماء من قدرٍ نحاسي قديم، أكل الدهر عليه وشرب، وترشقها على الأرض الترابية لترطب وتخفف من لسعة الحر وجفاف الجو. فهنئت نفسي،
- "أخيراً وجدت ضالتي وعثرت على بيتٍ عائلي أصيل".
خجلت بادئ ذي بدء من تطفلي واقتحامي خلوة بيتها وترددت في أخذ صور الخان الأثري، حيث إنّ الخانات والزوايا والمدارس الإسلامية الأيوبية والمملوكية بالقدس مساكن عائلية خاصة. حبست أنفاسي، وقفت أتأمل تفاصيل المشهد، وراقت بنظري سقيفة البوص التي تحمي ساحة الخان الخارجية من أشعة الشمس الحارقة. وأجلت النظر أدرسُ تفاصيل عمارة الموقع، فإذا بمجموعة منضدات متلاصقة انتشرت أمام أبواب غرف المدرسة العتيدة، وقد انتشرت فوقها المنتجات الأوزبكية السياحية المعهودة، فلم أعرها انتباهي. بدأت بأخذ الصور باستحياء ولم تبال السيدة، بل استمرت برش الأرض الترابية بالماء غير مكترثة بوجودي.
تخيّل خيبة أملي فلم يكن الخان بيتاً، بل متجراً تعمل به السيدة موظفة مبيعات.
- التراث والهوية وثمر التوت
عانى الأوزبكيون من القمع الديني تحت الاحتلال الروسي وأصبحت مدنهم ذائعة الصيت خراباً رميماً مثلها مثل ضروس رجل مسن تلفت وتكسرت واهترأت تيجان أسنانه مع الزمن، ولم يبق منها سوى الجذور السوداء، فأعادوا بنائها إثر تفكك الحكم السوفييتي بأجمل وأبهى صورة بهدف جعلها محطات سياحية جذابة، وتم تحوير صروحها حتى غدت وكأنها كواليس مسرحية تُعرض فيها الفنون التقليدية والصناعات اليدوية من ملابس حريرية أوزبكية وسجاد وسوزان مطرزة ومنحوتات خشبية والقيشاني لبيع خواتم وأساور وقلادات فضية مرصعة بالأحجار الكريمة، مثل: حجر عين النمر وحجر الدم وحجر اللازَوَرْد، حجر الأرجوان ذوات الدلالة الصوفية.
يروعنا أن ندرك معاناة الأوزبكيين التاريخية تحت نير الاستعمار الروسي القمعي والإرهاب السوفيتي حين تم تفريع السكان وتهجير سكان المدن الأصليين، والكثير من سكان القرى وتشريدهم بهدف القضاء على ذاكرة المكان وإزالة الشعور بالانتماء. نرتجف فرقاً، إذ تذكرنا الأهوال التي تعرضوا لها بالخطر الذي يهدد قدسنا الحبيبة إذا ما تم تفريغ المقدسيين وتهجيرهم وتحويل مدينتنا إلى متحف تاريخي. تخيل شعورك لو أن عملية التهجير وتفريغ القدس وطمس معالمها وتهويدها طالت الزوايا والخانقات والمدارس المملوكية بالقدس، واستحالت صروح القدس الأموية والأيوبية والمملوكية والعثمانية شبكة متاحف ومتاجر ومطاعم ومراقص وفنادق ومقاهي، وأُسقط تاريخها الاجتماعي التاريخي العريق وأمست منظومة سياحية خدماتية! يا له من كابوس مروع!
تتشابه محنة الأوزباكستانيين تحت نير الاحتلال الروسي في القرن التاسع عشر وما رافقه من تدمير وطمس للمعالم الإسلامية، ومن اضطهاد وقمع ومذابح وتهجير وتشريد مع محنة أهلنا في غزة وتثير بنا الشجون. فلقد توالت المصائب واشتد البلاء في الحقبة السوفييتية حين تعرضت أوزبكستان لعملية تهجير واسعة للسكان المسلمين من مدنهم وقراهم إلى قرى ومدن تبعد جغرافياً عن موطنهم لمحي تواصل الذاكرة الجماعية المرتبطة بالمكان، كما عانوا الأمرين جراء حملة منظمة من قبل السوفييت لقمع الدين الإسلامي والفكر والثقافة والهوية الأوزبكية. إذ دُمّرت المساجد والزوايا والمقابر، وأُغلقت المدارس الدينية، كما تمت مصادرة الكثير من الوقفيات الإسلامية، وأُعيد توظيف بعضها كمخازن أو متاحف أو مؤسسات حكومية بهدف طمس الهوية الإسلامية للأمة الأوزبكية وقطع صلتها بماضيها العربي والإسلامي.
كان يجب أن أزور أوزبكستان قبل الانفتاح السياحي قبل تزييف معالمها وترميمها توافقاً مع المتطلبات السياحية الحديثة وقبل عمليات القمع والتهجير السوفييتي، وحتى قبل الاحتلال الروسي في القرن التاسع عشر حين كانت بخارى أهلة بسكانها وبأهل العلم وتجار طريق الحرير. لربما كان القرن الثامن الميلادي أفضلها حين كانت مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا رئيسيًا للخلافة في القرن الثامن أي في عصرها الذهبي حين عززت أكاديمية المأمون الأبحاث والمساهمات العلمية في الجغرافيا والفلك، والرياضيات، والطب، والكيمياء. حين أفرزت جمهرة من العلماء الذين أثروا الحضارة الإسلامية: من أبرزهم البخارى، الزمخشري، علاء الدين البخاري، ابن سينا البلخى، أبو زكرياء البخارى، بهاء الدين النقشبند، أبو علي البلعمى، محمد عوفى، صدر الدين عينى، محمد أحمد البخاري وذاع صيت العلماء خيوة مثل محمد بن موسى الخوارزمي، وأبو الريحان البيروني.
وصلتُ إلى بخارى في مطلع القرن الواحد والعشرين لأجد أن مدن الأحلام قد نفضت عن بكرة أبيها وأصبحت منتجعاً ترفيهياً مبهراً أفرغ من جوهره الروحاني! وتذهلك أينما أجلت بنظرك تقنيتهم الحرفية بحفر الخشب أبواباً وشبابيك وعمداناً، ولكنها يا للأسف لا تخرج عن كونها واجهات جذابة لمنظومة تجارية تعتمد على السياحة العالمية كدعامة اقتصادية! نتجول في المدينة عبر أزقة ضيقة وأسواق مقببه مكتظة بالسياح مروراً بساحات وجوامع وخانات ومدارس إسلامية، وقد أصبحت متاجر تبيع السلع السياحية الأوزبكية المعهودة، حتى تصل إلى مجمع "ليابي خوز" حيث يتقاطر الزوار. اتخذ الموقع اسمه نسبةً إلى خزان المياه الذي يتوسط الميدان الذي يضم عدة معالم رئيسية تشمل خانقاه ومدرسة ومسجد. تحيط بحوض الماء أشجار التوت وأرفة الظل وتحت ظل أشجار تنتشر المطاعم والمقاهي الشعبية.
يتناهى إلى سمعي صوت أحد الباعة المتجولين يدلل على بضاعته على "طبلية" يحملها على رأسه فأتابعه بنظري كي أهرب من الواقع الأليم الذي يذكرنا بمغبات السياحة في القدس وخطر التهجير والتهويد الذي تتعرض له مدينة المعراج. نظرت فإذا بالنساء والأطفال يتجمهرن حوله والسعادة تغمر وجوههم، أسند الطبلية على منضدة خشبية متنقلة هي ثمار التوت في أول الموسم، وتعالى صوت النساء والرجال متجمهرين مبتهجين يشترون التوت بسعادة وبشر.
للتوت وشجرة التوت مكانة جمالية مميزة في مدن الحرير فتجدهم يزرعون صنفاً مقزماً متدلي الغصون يستخدم كشجرة زينة في أحواض الورد الجوري، وتجد في حديقة المنازل شجر التوت الضخم يستظلون بأوراقه الكثيفة ويستلذون بمذاق فاكهته ومن أجمل ما رأيت شجرة التوت المعمرة تتوسط ساحة جامع "كاليان" وهو أحد أهم وأقدم جوامع بخارى. يقع الجامع في المجمع الديني والذي يعرف باسم "بوي كاليان" حيث تتقابل واجهته الخزفية مع واجهة مدرسة "مير عرب" بمحاذاة قاعدة مئذنة كاليان، وهو أجمل المواقع السياحية في المدينة على بعد أمتار من السوق التجاري المقبب.
3. تيمور والهوية الثقافية
السياحة سيف ذو حدين، فمقابل الفائدة الاقتصادية فقدت مدن طريق الحرير أصالتها لتصبح منظومة تجارية لمجموعة سلع مستساغة سياحياً، وتم تطوير وتحوير وتزييف المعالم التاريخية والحرف التراثية والهوية الحضارية لتصبح لائحة عناصر استهلاكية لتستحيل ساحات وردهات المساجد والمدارس والخانات والترب الإسلامية التاريخية إلى منصات تجارية. وأسقط تاريخ المدن الاجتماعي لتغدو متحف بدون نبض وليصبح التراث والتاريخ جيفة ومصدر رزق زهيد.
لقد أخفى الترميم المبالغ به إشارات القِدم والذي ألفناه في روما وكيوتو، في القدس واستنبول، في براغ والقاهرة أو كيوتو فلقد زيفت معالمها وبالغوا في ترميم ونفض معالمها وفقاً لأيديولوجيتهم الثقافية السياسية وأزالوا إشارات القِدم حتى أصبحت وكأنها بنيت بالأمس القريب. رافقت إعادة إحياء المدن إعادة صياغة التاريخ بحيث انحصر اهتمامهم بإظهار المنشآت التيمورية ما تلاها من عصور رغماً من أن كلا من بخارى وخيوة كانتا منارة العلوم الإسلامية في العصر العباسي والاموي!
تطاردنا شخصية تيمور وتماثيله وصروحه الإسلامية الطابع في كل مكان فهو القائد الرمز وهو الأيقونة الوطنية الأوزبكية التي يفتخرون بها. فلقد هبّ تيمور بعد الدمار الشامل الذي خلّفه القائد المغولي جنكيز خان، لإعادة إعمار سمرقند وبنى فيها صروحًا إسلامية مهيبة جعلت منها جوهرة آسيا الوسطى تتمثل العمارة التيمورية في المآذن المزخرفة والأقواس الهندسية: وتزدان واجهات وجدران المساجد والمدارس والمآذن والترب وجدرانها الداخلية بالقيشاني الأزرق تومض نوراً لتخلق تجربة حسية للزائر، حيث يمتزج الجمال البصري مع الإحساس الروحي، لتصبح مدن الحرير لوحة فنية متكاملة تنقل عبق التاريخ الأوزبكي وروح الحضارة الإسلامية. تجمع العمارة الأوزبكية بين عناصر الفن السلجوقي والفارسي والمغولي والهندي في توليفة فنية فريدة. وتظهر هذه الخصائص في المآذن أسطوانية الشكل شاهقة الارتفاع ما أشبهها بالمنارات المكسوة ببلاط القيشاني الأزرق المزدان بالزخارف الهندسية والنباتية والخط العربي على واجهات وجدران الترب والمدارس والجوامع، مما يضفي على سمرقند وبخارى وخيوة طابعًا بصريًا مدهشًا يميزها عن سائر حواضر العالم الإسلامي العربي مستمداً من فن العمارة الفارسية الشائع في خراسان.
لا نغفل في هذا السياق أن التأريخ هي عملية انتقائية لشخصيات ولأحداث ولعصور محددة أيديولوجياً، وإغفال وغض النظر عن أخرى بهدف بناء سردية الهوية الوطنية. تبعاً لذلك نجد أن تيمور يتمتع بمكانة مركزية في الذاكرة الجماعية الأوزبكية: ان اختيار الأوزبكيين لشخص وعصر تيمور بالتحديد هو انتقاء تاريخي مقصود يعكس أيديولوجية تُعبّر عن امتدادهم وارتباطهم بالإسلام من ناحية وبأثنيتهم المغولية التركية من ناحية أخرى في منظومة سياسية واقتصادية وثقافية مستقلة عن النظام الروسي السوفييتي، كان من أهم إنجازاتها فتح أوزبكستان سوقاً للسياحة العالمية رافقه إعادة إعمار مدن طريق الحرير والريف والطبيعة الأوزبكية. وبهذا فأن شخصية تيمورلنك تهيمن بصورة مميزة على سمرقند، حيث عاش ودفن، كما تنتشر تماثيله في معظم ساحات وميادين أوزبكستان، باعتباره راعي ومؤسس النهضة الثقافية والفنية والمعمارية في القرن الرابع عشر.
ولشدة ولعهم بشخصه كأحد أهم رموز الهوية الثقافية الأوزبكية الحديثة فلقد قام علماء الأنثروبولوجيا في أربعينيات القرن العشرين، بنبش رفاته. ففُتح قبر تيمورلنك في عام 1941 تحت إشراف عالم الأنثروبولوجيا "ميخائيل ميخائيلوفيتش جيراسيموف" الذي أعاد بناء ملامح وجه تيمورلنك من جمجمته، وتم التأكيد أيضًا على أن طوله كان يبلغ مئة واثنان وسبعين سنتمترا، وإنّه كان يمشي بعرجٍ واضح. على ضوء هذه المعلومات تم تجسيد صورة القائد الرمز فنُحتت التماثيل ورُسمت اللوحات الزيتية التي تمثله والتي نجدها منتشرة في معظم ساحات وميادين أوزبكستان.
- سمرقند: معزوفة اللون الأزرق
يتسمر الزائر واقفاً متأملاً التحف المعمارية التيمورية التي تروي آيات الجمال والإيمان، مأخوذًا بجلالها الذي يشير إلى تمازج الفن بالدين والعقل والذي يبلغ ذروة تألقه في واجهة مدخل "تربة تيمور"، وهي معزوفة اللون الأزرق أو قل وشاحاً مرصعاً بالجواهر، حيث تتقابل الأشكال النباتية والتكوينات الهندسية والخط العربي ولآلئ المقرنصات المتدلية في أنصاف القبة التي تعلو مدخل "تربة تيمور" لتصبح الواجهة لوحة فنيه تُجسّد روعة فن القشاني ودقة تصميم العمارة التيمورية وصولاً الى أصغر التفاصيل.
نقف مذهولين نتأمل جلال العمارة التيمورية في المنصة الشرقية المطلة على ساحة ريجستان في سمرقند حيث تتقابل واجهات ثلاثة مدارس دينية ومآذن جوامعها الاسطوانية وما اشبهها بمنارات ترتفع لتعانق السماء. يمثل المشهد ذروة الفن المعماري التيموري والذي كان مركز الحياة التجارية والسياسية والدينية في القرون الماضية ويتكون من ساحة رحبة تتكونان من ثلاثة مدارس تتآلفان فنيا علما بانه تم بنائهم على فترات زمنية متباعدة. تتوسط المجمع مدرسة "تيلا كاري" المطلية واجهتها بالذهب في الناحية الغربية. وعلى يسارها ويمينها تتقابل مدرسة "أولوغ بيك" ومدرسة "شيردور". يعتبر المجمع والساحة الرحبة تحفة معمارية تخلب لبناً بزخارفها البديعة والتي تجمع بين فن الخط العربي والتشكيلات الهندسية والنباتية التجريدية الطابع يتوجها رسم الأسدين يتصدر واجهة مدرسة شيردور -أي الأسد بالاوزبكي. نتروى متسمرين في موقعنا منبهرين بانعكاس بريق القيشاني الفيروزي والتركوازي وانكسارهما على المنارات والقباب وانسيابها على واجهات الجوامع والمدارس والترب تارة ومعجبين بدقة تصميم مقرنصاتها, التي تتكون عناصرها من وحدات من المحاريب والحنايا الصغيرة المتراكبة والمترابطة بانسجامٍ وترابطٍ، تارة أخرى، وكأنها خلايا نحل متدلية في نسق متناسق من اللون الأزرق، الذي تتفاوت درجات انعكاسه بين اللون الفيروزي والأزرق السماوي الفاتح واللون النيلي والياقوتي تذكرنا بعظمة مدينة سمرقند وروعة العمارة التيمورية وإبداع التصميم الإسلامي.
سطع نجم سمرقند عبر التاريخ واعتبرت لؤلؤة آسيا الوسطى، اتخذها الملوك والعظماء عاصمة لهم، وتعاقب عليها عشرات الحضارات والممالك، الفرس واليونانيين والصينيين والعرب والمغول والأتراك والروس السوفيات، كما كانت مقصد العلماء وطلبة العلم، فاستحقت أن تكون شمس العلم التي لا تغيب. وصف المؤرخ ياقوت الحموي مدينة سمرقند في عصرها الذهبي في العصر العباسي في كتابه "معجم البلدان" قُبيل تدمير جنكيز خان لها عام 1220 م، فكتب "وقالوا ليس في الأرض مدينة أنزه ولا أطيب ولا أحسن مُستشرَفاً من سمرقند"، بينما شبهها حصين بن المنذر الرقاشي "كأنها السماء للخضرة، وقصورها الكواكب للإشراق، ونهرها المجرة للاعتراض، وسورها الشمس للإطباق". وزارها في القرن الرابع عشر الرحالة الشهير ابن بطوطة أي في عصر تيمورلنك فقال "إنها من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالًا، مبنية على شاطئ وادٍ يعرف بوادي القصَّارين، وكانت على شاطئه قصور عظيمة، وعمارة تُنْبِئ عن هِمَم أهلها. وخارج سمرقند قبر قثم بن العباس بن عبد المطلب، الذي استشهد حين فتحها".
تومض سمرقند خلف غلالة أسطورية الجمال والبهاء فهي جنة الدنيا وفيروزة الأرض ومدينة القباب الزرقاء، وهي إحدى مدن الأحلام ومسرح ألف ليلة وليلة. في العاصمة التيمورية نتبين تنوع العمارة الإسلامية والتي تشمل الترب والمقامات بالإضافة الى الجوامع والمدارس والزوايا والخانات فتنفرد "تربة شاه زنده" كمثال لهذا الفن المعماري نتبينها من خلال مجموعة هائلة من الترب تحف بجانبي الزقاق الذي يقود الى تربة قثم بن العباس ابن عم النبي ﷺ، الذي جاء إلى سمرقند داعيًا إلى الإسلام واستشهد فيها.
تحيط بالطريق إلى الضريح مجموعة من القباب والترب محكمة البناء لعدد كبير من الأمراء والمقربين للعائلات التيمورية تبرق واجهاتها وجدرانها وقبابها تحت غلاف من القيشاني اللازوردي اللون والنقوش الأنيقة التي تجمع ما بين فن الخط العربي والزخارف النباتية والهندسية بألوان داكنة مستمدة من الإرث الحضاري الأوزباكستاني حيث تتقابل معالم الثقافة الصينية، والمغولية، والسلجوقية، والفارسية في إطار القالب المعماري الاسلامي. الجدير بالذكر أن جميع الصلوات تقام في جامع "شاه زنده" حين تحتشد المقبرة التاريخية بالزوار المسلمين من إيران، الهند، باكستان، ماليزيا وإندونيسيا والأوزبكيين للتبرك بالصلاة في هذا الصرح المقدس.
ذاع صيت عظمة سمرقند بين القاصي والداني فأصبحت مدينة الأحلام ومسرح رواية "ألف ليله وليلة": فكان الملك "شهريار" ملك سمرقند، وكانت "شهرزاد" ابنة الوزير "جعفر" الذي يعود ليقيم سمرقند بعد ان وقع شهريار بحبها في ختام ألف ليلة وليلة. كذلك نجد أن "دنيا زاد" شقيقة شهرزاد الصغرى تتزوج شقيق شهريار الأصغر "شاه زمان" الذي يتبوأ مركز "سلطان سمرقند". إنّ الكثير من قصص ألف ليلة وليلة قد جرت أحداثها في سمرقند نذكر منها قصة "علي شار" و"زمرد" وقصة "الأمير أحمد".
سمرقند ليست مجرد مدينة تاريخية، بل تجربة حسّية وروحية متكاملة، فتتجول في حديقة أثرية غنّاء مترامية الأطراف لمدينة كانت حاضرة عظيمة الشأن سادت ثم بادت، وهنا وهناك تم إعادة بناء وترميم جذري انتقائي للصروح الإسلامية التيمورية. فأهملت وطمست معالم الأحياء السكنية التاريخية وزرعت بموقعها الحدائق الغنّاء تحيط بالطريق الممتدة شرقاً بين "تربة تيمور" و"ميدان ريجستان" و"مسجد بيبي خانم" وهي زوجة تيمور، وبين سوق سمرقند التجاري و"جامع الخضر" على طرف المدينة جنوب "شاه زنده" الذي أُعيد بنائه مراراً وتكراراً عبر العصور نظراً لأهمية الخضر رفيق سيدنا موسى في القران الكريم وفي الفكر الصوفي.
تذهلنا واجهة "مسجد بيبي خانم" شاهقة الارتفاع وتستحضر صور مشاهد ألف ليلة وليلة في السينما الإيطالية. بني مسجد بيبي خانم هدية من تيمورلنك إلى زوجته بيبي خانم وأراده أن يكون أكبر جامع من نوعه في القرن الخامس عشر، إذ كان أكبر مسجدٍ في آسيا الوسطى لعقودٍ طويلة، بحيث يتسع لعشرة آلاف مصلٍّ، كما أنه احتوى على أضخم قبة في ذلك الوقت. أخذ المسجد عند تصميمه شكلاً مستطيلاً، وكان يبلغ طوله مئة وستة وسبعون متراً وعرضه مئة وتسعة أمتار، ويتوسط المسجد صحن مكشوف بطول ستة وسبعون متراً، تحيط به الأروقة من جميع الجهات. وعلى امتداد المحور الطولي للمبنى يقع المدخل الرئيسي للمسجد، وثمة أربعة منائر دائرية عالية ورشيقة موزعة في أركان المسجد الأربعة.
تُعدّ قبة المسجد هائلة الحجم شاهقة الارتفاع من أكبر وأجمل القباب في تاريخ العالم الإسلامي، إذ يبلغ ارتفاعها أربعون متراً، ومزخرفةً بالخزف اللازوردي اللون، وإلى جانبها قبتان أخريان واقعتان على امتداد المحور العرضي للمسجد، كما يضمّ المسجد أيضاً، مسجدين صغيرين متقابلين في الجهة الجنوبية والشمالية يتصلان بباقي الأبنية برواق يرتفع على أربعمئة عمود رخامي وتعلوه القباب.
- رحلة في عمق التاريخ الأسلامي
إنّ السفر إلى أوزبكستان ليس مجرد رحلة في الجغرافيا، بل رحلة في عمق التاريخ الإسلامي، حيث يلتقي الجمال المعماري بالذاكرة الروحية، وهو عبور في الزمن إلى عصور ازدهار الحضارة الإسلامية حين اجتمع العلم والمال والقوة العسكرية تحت راية الإسلام. أينما تجولت في أوزباكستان، سواء في ريفها او في مدنها، تتجلى أمامك عظمة تاريخنا ومآثر اجدادنا تروي قصة حضارة خالدة فتشعر بالفخر والزهو.
تجمع العديد من القواسم الإنسانية والتاريخية المشتركة بينا وبين الشعب الاوزبكي والفلسطيني فتثير بنا الشجون وتستثير هواجسنا. تتراءى في قراءتنا لتاريخهم تحت الاحتلال الروسي والفاشية السوفييتية وما تمخض عنه من تهجير ومذابح وطمس وتزوير ونلمس في زيارتنا كيف تحولت مدنهم الى متاحف فيتبلور الخطر الذي يحيق بنا تحت الاحتلال الذي يهددنا ونتذكر فداحة مصابنا في ظل المذابح والهجمة الصهيونية المسعورة ضدنا تهدد بقاءنا بأرض الأجداد نطالع الواقع التاريخي المعاصر والازدهار السياحي والصناعي فنعود ونطمئن حيث إنهم نجحوا وبعد اغتراب ومعاناة دامت عشرات السنين في استعادة ذاكرة المكان والشعور بالانتماء مبتهجين بطبيعة بلادهم وباكورة ثمار بلادهم وسط طقوس تناقلوها أبّاً عن جد بصورة مماثلة لنا توجزها بهجتهم بباكورة الاثمار تشمل البهجة بانتهاء فصل الشتاء وتناول الكرز الأخضر الحامض والفرح ببداية موسم التوت.
طالعت كتباً عدة وقرأت العدد الوفير من المقالات ودرست تاريخ أوزبكستان وزرتها لألمس عن كثب الإطار الثقافي الاجتماعي الجغرافي الذي أفرز أشهر العلماء المسلمين، لأجد أنني كنت أبحث عن سراب. وصلتُ لأجد أن تقلبات الزمن لم تبقِ على آثار الماضي العربي، فلقد رحلت القبائل العربية التي رافقت الفتوحات الإسلامية بعد المجازر الدموية والدمار الذي أوقعه بها جنكيز خان وان أوزباكستان اليوم قد نهضت بعد استقلالها من الاحتلال الروسي واتخذت تيمور الذي ينحدر من قبيلة جنكيز خان كنقطة انطلاقها.
جميع الأبحاث وما رافقها من التمحيص والتنقيب والتأملات تضمحل وتتلاشى أمام مفاجئتنا ودهشتنا بحسنها ورونقها وبعذوبة انسياب اللون الفيروزي والتركواز على قيشاني قباب مدارسها وجوامعها ومآذنها. نبتهج ونرتشف فنطرب بروعة جمالها يغمرك مثل لحن موسيقي عذب فلا تحتاج إلى الإلمام بتاريخ الموسيقى ولا معرفة قراءة وتحليل النص الموسيقي كي تتمتع بها.
مدن الحرير لحن موسيقي ينبض بالحنين يثير الإحساس بالماضي ويهيج الذكريات الشخصية الخاصة بالمكان فتغفل وانت في خيوة وبخارى وسمرقند عن كل السرديات التاريخية والفنية لتعيش اللحظة لحظة بلحظة في رواية الف ليلة وليلة تستمع الى معزوفة كورساكوف "شهرزاد".

