- 14 تشرين الثاني 2025
- مقابلة خاصة
القدس - أخبار البلد - كتب خليل العسلي
لم نستفيق بعد من صدمة فقدان الأستاذ الصديق الأكاديمي الدكتور "مهدي عبد الهادي" عضو مجلس الأوقاف ومؤسس الجمعية الفلسطينية الاكاديمية للشؤون الدولية " باسيا" وأحد أبرز شخصيات القدس، حتى فجعنا بغياب رجل من أهل الرأي والحكمة هو مرجع لكل مقدسي غيور على المدينة ببصماته في كل مكان مدافعا عن الأوقاف الإسلامية ناشرا للخير في أرجاء المدينة.
اته سماحة الشيخ الفاضل الجليل "عبد العظيم سلهب " " ابو حسين" والذي تركنا ايتاما في معركة القدس والحفاظ على الحرم الشريف / المسجد الأقصى الذي خدمه بأمانة وإخلاص وتفاني، وعشقه اكثر من نفسه، يعرف حكاية كل حجر وكل ورقة وكل شجرة وكل كتاب داخله، وكل وجه فيه.
لقد كان الشيخ "عبد العظيم" بالنسبة لي الأب والحكيم الذي استمع الى نصيحته بدون حرج فهو لم يبخل بها في أي زمان وفي أي مكان ، نظراته كانت تقول ما لا يقوله لسانه، ويكفي أن تنظر إليه لتعرف ماذا يريد ، ولتفهم المقصود ، نظراته دائما ترافقها ابتسامة هادئة فيها الكثير من المعاني.
لقد كانت سعادتي لا توصف اول مرة عندما تقدم جاهة خطبة ابني احمد ، شعرت عندها بعظمة هذا الإنسان كبير القلب ، واسعدني مرة اخرى عندما وجدت هذه القامة العلمية الدينية الشامخة تجلس في الصف الأول عند اطلاق اول كتاب لي ولدار النشر التي أسستها في القدس ، لقد قدرت هذا الجليل "أبا حسين" كثيرا فالتواضع من شيمه الكثيرة التي لا تحصى .
إنا على فراقك يا شيخنا "عبد العظيم سلهب" لمحزونون
لقد منحه الله العلم والحلم وقوة في إيمانه ودينه ، فلقد كان شيخنا كما قال الصديق العزيز القاضي محمد سرندح عضو مجلس الأوقاف: .. يتابع العلم وأهله وينشرح لانجازاتهم..ولا يتكبر عن السؤال والمعرفة..ويعرف حقيقة كيف تمشي الأمور.. لا يثير الخلاف..و يبحث عن المخارج للامور بالتوافق رافضا الصدام..حاضر الذهن ..تسعفه الفكره..ويسوقه الإلهام.. ويقبل النصيحة..ويمشي بالمشورة..يقوم بالواجبات رغم ضعف الجسد..ولا ينسى المعروف..بمجلسه له حضور..شجاع بالمواقف..ويرافق الاتقياء..ينصح ولا يجرح..يعاتب ولا يحقد...... أجمعت القدس على تزكيته..
إنا على فراقك يا "ابا حسين" مكلومون
لقد كنت حريصا على الاقصى اكثرمن حرصك على صحتك ونفسك، لقد خدمت الحرم الشريف عشرات السنين بإخلاص وتشهد على ذلك محارب الاقصى وكل زاوية فيه ، وكل شيئ في بيت المقدس ، لقد عملت كل ما باستطاعتك من أجل الرعاية والحفاظ على ممتلكات الأوقاف الإسلامية تحت الرعاية الهاشمية مصونة من أي تدخل كان .
إن القدس يا شيخنا ستفتقد علما من علماء بيت المقدس، و قاضيا عادلا، ومحاربا قويا لا يقبل التخاذل والتهاون من أجل القدس وأقصاها، كان بحرا عميقا في تاريخ المدينة ومسجدها.
فذات يوم سالته عن كتاب قديم للغاية في الأحكام الاسلامية فقال لي بدون تردد تفاصيل اذهلتني عن هذا الكتاب وعدد أجزائه واين يوجد واي جزء خرج من الأقصى ولم يعد وعلى يد من خرج ، بل واخذ بيدي وتوجهنا الى المكان الموجود فيه هذه الكتاب من بين الالاف الكتب في الاقصى التي تحتاج الى ذاكرة كذاكرة الشيخ " عبد العظيم سلهب " لحفظها وحمايتها من الضياع ..
ان بصماتك واضحة وجلية لكل عين وكل متابع في الحرم الشريف ، وفي التعليم الشرعي وفي القضاء الذي أفنيت فيه عمرك خادما للقضاء والاقصى في آن واحد .
في كل مرة كنا نجتمع ونلتقي كنت اعيد واكرر طلبي منك ان تحكي حكاية القدس التي هي حكايتك وحكاية الاقصى ، فكنت تقول لي رحمة الله عليك : ليس وقتها… وانا لست الحكاية بل شاهدا عليها، فليس المهم من انا المهم الاقصى والعمل من اجله والحفاظ عليه.
ولكن في الحوار الهاتفي الأخير بيننا ، قلت لي الكثير الكثير مما في ذاكرتك وبعضا يسيرا مما عشت وتعرف وقليلا من أوراق الماضي ، كم كنت سعيدا بهذا الحوار فكنت بمثابة التلميذ المؤدب الصامت الذي يستمع إلى أستاذ عملاق يتحدث ولا يقاطعه ، كم تمنيت أن يستمر هذا الحوار ، ولكنك قلت لي خلص بكفيك هذا يا خليل، كنت امل ان نعاود الحديث ……. ولكن كان للقدر رأي آخر
والله إنا على فراقك يا شيخ عبدالعظيم سلهب لمحزونون
نودع رئيس مجلسنا الموقر ورمز الوقار، أحد أعمدة الصمود في الأقصى والقدس والأوقاف . نعزي انفسنا واهل الفقيد ونعزي أهل القدس وفلسطين والأردن بهذا الفقد .
يا شيخنا لدينا معك ذكريات طيبة وعلم ينتفع به ونقاشات لن تموت وتبقى القدوة الحسنة بإذن الله.

