- 31 كانون أول 2025
- مقابلة خاصة
القدس - أخبار البلد - كتب المحرر الثقافي:
نشر الملحق الثقافي لجريدة العربي الجديد والمعروف باسم ضفة ثالثة تقريرا موسعا الكاتب "هاني الحوراني" عن المصور المجهول "مندل دينيس" اليهودي المتدين الذي تحول للمسيحية باعتباره أول مصور محترف في القدس ، رغم ان هذا المصطلح قد لا يكون دقيقا ولكن التقرير بالغ الاهمية رغم بعض الملاحظات عليه، لا يعرفها الا من يعيش في القدس .
فعلى سبيل المثال لا الحصر لا توجد على جبل الزيتون ابراج بل توجد اديره وكنائس مطلة على البلدة القديمة ! كما ان الفترة التي وصل فيها دنيس وغيره من الأجانب المسيحيين بالذات لم يكن الحج الديني هدفهم الأول ولا حتى الاخير، وهذا تبسيط للواقع، بل ان هذه الرحلات الخبيثة كانت لأهداف توراتية بحته مما مهد للاستعمار البريطاني والإسرائيلي لاحقا ، فكل ما كتب ونشر وصور في ذلك الوقت لم يكن مهنيا بريئا على الإطلاق وعلى هذا الأساس يجب قراءة كل ما كتب وصور في ذلك الوقت ويعاد نشره في أيامنا هذه .
ونحن في "اخبار البلد" المقدسية ان نعيد نشر التقرير كاملا كما جاء في ضفة ثالثة لأهميته وللتأكيد على وجهة النظر القائلة ان القدس كانت مستهدفة من هؤلاء البشر الذي جاؤا بثياب البراءة والبياض ولكنهم يخفون ذئابا سوداء القلوب متوحشة انتهكت الأرض والتاريخ ….
في عام 1989، عثر المصور الفوتوغرافي الأميركي جون بارنيه/ John Barnies في مزاد أحد الكراجات/ Garage Sale، التي تباع فيها عادة الأغراض المستعملة، على ثمانية صناديق خشبية تحتوي على 134 صورة سليبة زجاجية، إضافة إلى ثمانين صورة مطبوعة، وأخرى تحتوي على صور مزدوجة/ Stereoscopic Images، ودفاتر ملاحظات، ومواد فوتوغرافية أخرى. كانت تلك المسودات الزجاجية والصور تعود إلى أحد رواد التصوير الفوتوغرافي في مدينة القدس، وهو مندل دينيس/ M. J. Diness (1827 ــ 1900)، مما وضع هذا المصور تحت الضوء ثانية باعتباره "أول مصور فوتوغرافي محترف عرفته القدس" في القرن التاسع عشر(1).
بعد أشهر قليلة، اكتشف المصور جون بارنيه أن ما وقع عليه من صور زجاجية، في مزاد الكراج في ضاحية سانت بول، بولاية مينسوتا، والمركونة في ركن مهمل من الكراج، تتضمن صورًا لمدينة القدس، ولأحياء وبلدات وأماكن أخرى من فلسطين. وللتعرف أكثر على طبيعة الصور المكتشفة لجأ جون بارنيه إلى متحف جامعة هارفرد للساميات/ Harvard Semitle Museum، الذي يضم مجموعة كبيرة من الصور الفوتوغرافية المبكرة لفلسطين والشرق الأوسط عامة. وبمساعدة أمينة أرشيف الصور في المتحف المذكور، ماري إيلين تيلور/Mary Ellen Taylor جرى التخمين بأن الصور المكتشفة، والتي تحمل الأحرف الأولى لصاحبها (MJD)، ربما تعود إلى مندل جون دينيس(2).
كانت تصاوير مندل دينيس لمدينة القدس بالكاد معروفة، وكان اسمه شبه مجهول قبل عثور جون بارنيه على صناديق النسخ الزجاجية السالبة لصوره في عام 1989، حيث أن دينيس كان قد عرف من خلال بعض صوره المنشورة في كتاب "استكشاف القدس" لأرميتي بيروتي/ Ermete Pierotti، المنشور في لندن عام 1864.
بل إن نيسان ن. بيريز/ Nissan N.perez، صاحب كتاب "التركيز على الشرق، التصوير الفوتوغرافي المبكر في الشرق الأدنى/Focus Easts Early, Photography in the Near East (1839-1885)"، الصادر عام 1988 (أي قبل عام واحد من اكتشاف بارنيه لمسودات م. دينيس) كتب يقول: "... باستثناء ألبوم في مجموعة متحف إسرائيل، اختفت جميع صور دينيس وسلبياتها، ولا يوجد ما يشير إلى مدى اتساع نطاق عمله. ومع ذلك، فإن جودة الصور الموجودة، وكذلك المطبوعات الحجرية في ألبوم بيروتي، تشهد على حساسيته واشتغاله الدقيق على صوره"(3).
فمن هو مندل دينيس، الذي وصف باعتباره "أول مصور فوتوغرافي محترف" في مدينة القدس، رغم تواجد مصورين فوتوغرافيين آخرين في المدينة قبل ممارسته للتصوير الفوتوغرافي فيها؟ ولماذا غادرها في عام 1860 إلى الولايات المتحدة مع أعماله، من دون أن يلفت الأنظار إليه في حينها؟ وما هي أهمية صوره السالبة التي اكتشفت في نهاية ثمانينيات القرن العشرين عن القدس وفلسطين، والتي لم تلبث أن عرضت في أماكن عدة من الولايات المتحدة والعالم، ومنها العاصمة الأردنية عمان؟!(4
سيرة مضطربة
ارتبطت سيرة مندل دينيس بعدد من الأحداث والمواقف التي أضفت على حياته سلسلة من الاضطرابات، لعل أبرزها تحوله عن اليهودية إلى المسيحية بعد انتقاله إلى القدس، والذي أثار كثيرًا من الجدل والخلافات مع أبويه وزوجته وعائلتها اليهودية المتدينة(5).
ولد دينيس عام 1872 لأسرة يهودية أوكرانية. ومع أن المعتقد أن مكان ولادته هو مدينة أوديسة على البحر الأسود، إلا أن دينيس نفسه يدعي في رواية متأخرة عن سيرته أنه ولد في كورنال/ Cornwall، في إنكلترا، وأن والده نقله وعائلته، حين كان في سن الثالثة من عمره، إلى أوديسة، حيث ترعرع هناك. وعندما بلغ سن السابعة عشرة أرسله والده للدراسة في هايدلبرغ في ألمانيا لتعلم مهنة صناعة الساعات. وللتغلب على لوثة "العقلانية الألمانية" التي أصابته هناك، أرسل إلى مدرسة حاخامية في القدس، حيث التقى بعد عامين بمبشر إنكليزي، ووقع تحت تأثيره، واعتنق المسيحية على يده، مما أثار غضب عائلته في أوديسة ومعلميه في القدس. وكان تأثير تحوله عن اليهودية على أسرته فاجعًا، من ذلك تأثيره على الجهاز العصبي لوالده، كما ماتت أخته الصغرى حزنًا بسبب ذلك(6).
منذ وصوله إلى القدس، عمل دينيس ساعاتيًا/ Watchmaker، وهناك انجذب إلى مهنة التصوير الفوتوغرافي. كان ذلك في وقت تحوّلت فيه القدس إلى محط أنظار الأوروبيين الذين قصدوها للحج، أو الإقامة، خاصة وأن السلطات العثمانية واصلت منح الدول الأوروبية الكبرى الامتيازات التي سبق لحاكم مصر أن منحها لها، ولرعاياها، إبان احتلاله لبلاد الشام، ومنها فلسطين في السنوات (1831 ــ 1840)(7).
أدت عملية الانفتاح الواسعة التي أقدمت عليها الدولة العثمانية تجاه القوى الأوروبية إلى تنافس هذه القوى على بناء قواعد نفوذ لها في فلسطين، وقد زاد هذا التزاحم الأوروبي مع تحسن وسائل الاتصال، مثل انتشار خدمات البريد المنتظمة، ونشوء خطوط بحرية دائمة ما بين الموانىء الأوروبية وموانىء بلاد الشام وجنوب البحر المتوسط. كما أدى ازدياد أعداد الحجاج المسيحيين إلى الأراضي المقدسة إلى توسع عملية بناء الفنادق الحديثة في القدس، ونشوء الصناعات السياحية، ورواج التصوير الفوتوغرافي، الذي تحول من ممارسة نخبوية حتى أواسط القرن التاسع عشر، إلى "موضة عالمية"(8).
في شباط/ فبراير 1851، تعرف د. جيمس ت باركلاي/ Dr. James T. Barday (1804 ــ 1875)، وهو طبيب ومبشر أرسله المجمع التبشيري المسيحي الأميركي إلى القدس، على الشاب مندل دينيس، الذي كان قد اعتنق المسيحية على يد الأنجليكان، وكان حينها يعمل ساعاتيًا. وقد أعاد باركلاي تعميد دينيس وضمه إلى حركة ستون كامبيل الدينية، كما أجرى مراسم زواجه الثاني. وقد أدت علاقة دينيس مع باركلاي، عضو الكنيسة المعمدانية الألفية، إلى خسارة دعم الأسقفية الأنجليكانية، والتي كانت ترفده ماليًا، وتوفر له السكن(9)
جيمس غراهام في القدس
لكن التطور الأهم في حياة مندل دينيس، أثناء إقامته في القدس، هو تعرفه على جيمس غراهام/ James Graham (1806 ــ 1869)، سكرتير جمعية لندن لنشر المسيحية بين اليهود، الذي وصل إلى القدس في أيلول / سبتمبر 1853، ومكث فيها لمدة عامين ونصف العام. كان غراهام، فضلًا عن صفته كمبشر وموظف في الجمعية المذكورة، قد تعلم أساسيات التصوير الفوتوغرافي قبل مجيئه إلى القدس، ومن ثم مارس التصوير في المدينة المقدسة، واتخذ له في أحد الأبراج على جبل الزيتون، استوديو لأعماله كمصور(10). وقد طلبت زوجة القنصل الإنكليزي في القدس، إليزابيث آن فن/ Ellzabeth Anne Finn، من غراهام تعليم دينيس التصوير الفوتوغرافي، حيث قام الأخير بتدريبه على مبادئ التصوير، ومن ثم عملا معًا طيلة مدة تواجد غراهام في القدس على تصوير المواقع الدينية وما حولها. وهكذا دخل دينيس عالم التصوير الفوتوغرافي الاحترافي(11).
ويذكر هنا أن جيمس غراهام ظل ينظر إليه باعتباره الممثل الرئيسي للتصوير الفوتوغرافي في القدس، برغم أن ممارسته للتصوير كان عملًا جانبيًا، إلى جانب ممارسته لرسالته التبشيرية. وقد تتوج نشاطه التصويري بإقامة معرض خاص لصوره الفوتوغرافية في قصر الكريستال بلندن، كما صدر له كتاب بعنوان "القدس... بعثاتها ومدارسها" عام 1858(12).
يتبع

