• 31 كانون أول 2025
  • مقابلة خاصة

بقلم : الدكتور علي قليبو 

 

وَصَلْتُ مُبَكِّرًا عَنْ مَوْعِدِي مَعَ صَدِيقِي، فَجَلَسْتُ عَلَى دَرَجَاتِ السُّلَّمِ المُؤَدِّي إِلَى «بَابِ العَامُودِ» أَرْقُبُ جُمُوعَ النَّاسِ فِي تَدَفُّقٍ لَا يَنْقَطِعُ. يَحُفُّ التُّجَّارُ المُتَجَوِّلُونَ بِجَانِبَيِ الدَّرَجِ، وَفِي السَّاحَةِ بِالأَسْفَلِ، وَعَلَى امْتِدَادِ الجِسْرِ المُعَلَّقِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى دَاخِلِ القُدْسِ العَتِيقَةِ، يَتَبَارَوْنَ فِي الإِعْلَانِ عَنْ بَضَائِعِهِمْ، يَنْسُجُونَ بِإِيقَاعِ أَصْوَاتِهِمُ الأَزِقَّةَ وَالشَّوَارِعَ المُمْتَدَّةَ صَوْبَ عَتَبَاتِ الحَرَمِ وَقَدَاسَةِ القِيَامَةِ.

اخْتَرَقَ مَسْمَعِي صَوْتُ رَجُلٍ مُسِنٍّ يَرْتَدِي عَبَاءَةً سَوْدَاءَ، قَالَ: 

"فِي عَمَّانَ، النَّاسُ بِيحْلَمُوا يَكُونُوا مَحَلَّك."

 تَلَاشَتْ قَامَتُهُ فِي الزِّحَامِ كَمَا يَتَلَاشَى الصَّدَى، لَكِنَّ كَلِمَاتِهِ بَقِيَتْ تَتَرَدَّدُ كَلَحْنٍ مُوسِيقِيٍّ أَثَارَ شُجُونِي. اخْتَفَى الرَّجُلُ بَيْنَ الجُمُوعِ، وَبَقِيتُ أَتَأَمَّلُ بَابَ العَامُودِ وَالبُيُوتَ المُتَرَاصَّةَ خَلْفَ السُورِ العَظِيمِ ، مِنْ مَوْقِعِي المُرْتَفِعِ تَبْدُو القُدْسُ صَامِتَةً كَأَنَّهَا نَحْتٌ حَجَرِيٌّ لِقِبَابٍ مِنْ مُخْتَلِفِ الأَحْجَامِ وَالأَشْكَالِ فَوْقَ مُكَعَّبَاتٍ تَتَصَدَّرُهَا قُبَّةُ الصَّخْرَةِ الذَّهَبِيَّةُ وَعَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهَا قُبَّةُ المَسْجِدِ الأَقْصَى الرَّصَاصِيَّةُ  (المسجد القبلي) وَفِي مُنْتَصَفِ المَدِينَةِ تَشْمَخُ قُبَّةُ كَنِيسَةِ القِيَامَةِ الفضية.

"يَتَجَلَّى طَيْفُ القُدْسِ فِي خَاطِرِي فَيُضْرِمُ فَيْضًا مِنَ الأَحَاسِيسِ الجَيَّاشَةِ، حَيْثُ يَخْتَلِطُ الحَنِينُ بِلَوْعَةِ الفِرَاقِ فِي سِلْسِلَةٍ مِنَ الرُّؤَى تَعْكِسُ هَوَاجِسِي؛ فَالقُدْسُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَشْكِيلاتٍ عُمْرَانِيَّةٍ جَمِيلَةٍ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ سِلْسِلَةٌ مِنَ التَّجَلِّيَاتِ الَّتِي لَا تَنْتَهِي. شَذَرَاتُ نُورٍ يُومِضُ مِنْ خَلْفِ الغَمَامِ، يُقَابِلُهُ نَهْرُ حُزْنٍ أَزْرَقُ يَتَدَفَّقُ لَوْنُهُ الدَّاكِنُ لِيَغْمُرَ أَزِقَّتَهَا المَسْقُوفَةَ، وَيَحْتَضِنَ جِرَاحَنَا وَمُعَانَاتَنَا تَحْتَ وَطْأَةِ الاِحْتِلَالِ البَغِيضِ…

 القُدْسُ تَسْكُنُنِي.

تَكْتَنِفُ القُدْسَ هَالَةٌ مِنَ الحُزْنِ الدَّفِينِ، تَعْكِسُ لَوْعَةَ المَقْدِسِيِّ وَكَمَدَهُ؛ جُرْحٌ لَا يَهْدَأُ نَزِيفُهُ إِلَّا دَاخِلَ سُورِهَا، وَفِي الغِيَابِ، تَخْتَصِرُ مَلَامِحُ أَيٍّ مِنْ تَفَاصِيلِهَا طَرِيقَهَا إِلَى القَلْبِ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ صُورَةً لِوَاجِهَةِ صَرْحٍ، أَوْ عَبَقَ قَنْطَرَةٍ، أَوْعِطْرَ طِيبٍ، أَوْ لَوْنَ السَّمَاءِ الزَّهْرِيَّ بِالشَّفَقِ. 

تُؤْنِسُ القُدْسُ وَحْشَةَ الرُّوحِ وَتُبَدِّدُ الشُّعُورَ بِالوَحْدَةِ؛ فَتُشْجِي النَّفْسَ وَتَشْفِيهَا وَتَظْهَرُ المُفَارَقَةُ حِينَ يَنْشَرِحُ الصَّدْرُ بِرَغْمِ البُعْدِ وَجَوَى الاِغْتِرَابِ، تَمَامًا كَمَا يَغْمُرُنَا صَوْتُ «فَيْرُوز» وَهِيَ تُغَنِّي  شوارعِ القدس  العَتِيقَةِ؛ فَيُصْبِحُ لَحْنُهَا صَلَاةً تُجَدِّدُ الأَمَلَ وَتَطْرُدُ الأَحْزَانَ.

 وَحِينَ أَسِيرُ فِي أَزِقَّتِهَا، أَفْتَحُ نَفْسِي لِأَتَّصِلَ بِرُوحِهَا المُتَجَذِّرَةِ فِي كِيَانِي، وَأَغِيبُ فِي حَالَةٍ مِنَ الوَجْدِ؛ أَتَجَاوَزُ فِيهَا حُدُودَ الجَسَدِ لِأَذُوبَ فِي نَفَحَاتِ الرِّحَابِ الرُّوحَانِيَّةِ.

 إِنَّهَا مَنْبَعُ إِلْهَامِي؛ وَحِينَ يَفِيضُ الوَجْدُ بِقَلْبِي، تَحْتَارُ يَدِي: أأَكْتُبُ أَمْ أَرْسُمُ؟ هَوَاجِسُ تُرَاوِدُنِي.

 القُدْسُ تَسْكُنُنِي .

أَتَفَقَّدُ مَدِينَتِي عَنْ كَثَبٍ؛ أَتَأَمَّلُهَا لِأَتَبَيَّنَ مَلَامِحَهَا، وَأَقْرَأَ تَفَاصِيلَهَا، وَأَتَّبِعَ تَدَاخُلَ ظِلَالِهَا وَانْعِكَاسَ طَيْفِ أَلْوَانِهَا عَلَى حِجَارَتِهَا.

 عَلَاقَتِي بِالقُدْسِ عَلَاقَةٌ شَخْصِيَّةٌ حَمِيمَةٌ؛ فَأَتُوقُ إِلَى عَبَقِهَا، وَأَتَلَهَّفُ لِلسَّيْرِ فِي أَزِقَّتِهَا المُتَعَرِّجَةِ، وَأَبْتَهِجُ بِمَلْمَسِ حِجَارَتِهَا، وَأَنْتَشِي بِرُؤْيَتِهَا مِنْ مُخْتَلِفِ الزَّوَايَا، أَسْتَنْطِقُهَا لِتَبُوحَ بِمَكْنُونِهَا بِعَيْنِ الفَنَّانِ بَحْثًا عَنِ الإِلْهَامِ.

لِكُلِّ مَقْدِسِيٍّ بَوَّابَتُهُ الأَثِيرَةُ الَّتِي يَفِدُ عَبْرَهَا إِلَى دَاخِلِ القُدْسِ العَتِيقَةِ، وَلِكُلِّ بَابٍ شَخْصِيَّتُهُ المُمَيَّزَةُ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا؛ فَلِلْقُدْسِ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، فَلَا يَتَنَفَّسُ المَقْدِسِيُّونَ الصُّعَدَاءَ، وَلَا يَشْعُرُونَ بِوَطْأَةِ الوُجُودِ وَحَقِيقَةِ الاِنْتِمَاءِ، إِلَّا حِينَ تَحْتَضِنُهُمْ أَزِقَّتُهَا الضَّارِبَةُ فِي القِدَمِ.

 نَسْتَشْعِرُ فِي «بَابِ السَّاهِرَةِ» أُلْفَةً وَوَدَاعَةً تُحَاكِي دِفْءَ المَنَازِلِ؛ فَهُوَ المَمَرُّ اليَوْمِيُّ لِسُكَّانِ الأَحْيَاءِ الشَّرْقِيَّةِ، وَالمَوْئِلُ الَّذِي تَتَدَفَّقُ مِنْهُ حُشُودُ المُصَلِّينَ فِي أَيَّامِ الجُمُعِ.

 بَيْنَمَا يَنْفَرِدُ «البَابُ الجَدِيدُ» بِخِدْمَةِ سُكَّانِ الحَيِّ الشَّمَالِيِّ الغَرْبِيِّ الَّذِي يَقُودُ إِلَى حَيِّ النَّصَارَى.

 فِي حِينِ يَظَلُّ «بَابُ المَغَارِبَةِ» مُلْتَقًى لِمَزِيجٍ مِنَ العَابِرِينَ، وَجِسْرًا يَرْبِطُ أَهْلَ «سِلْوَانَ» بِقَلْبِ مَدِينَتِهِمْ.

 وَعَلَى النَّقِيضِ، يَبْدُو «بَابُ الخَلِيلِ» وَ «بَابُ النَّبِيِّ دَاوُدَ» كَمَسَارَيْنِ نَادِرًا مَا نَطَأُ عَتَبَاتِهِمَا فِي مَسِيرِنَا المُعْتَادِ.

أَمَّا «بَابُ الأَسْبَاطِ» فَهُوَ بَوَّابَةُ الطُّقُوسِ وَالمَوَاكِبِ الدِّينِيَّةِ؛ مِنْهُ تَنْسَابُ زَفَّةُ «أَحَدِ الشَّعَانِينِ» بِبَهَائِهَا، وَمِنْهُ تَخْرُجُ مَسِيرَةُ «النَّبِيِّ مُوسَى» فِي طَرِيقِهَا إِلَى المَقَامِ المُهِيبِ قُرْبَ أَرِيحَا. وَعَلَى أَعْتَابِهِ تُلْقَى نَظْرَةُ الوَدَاعِ الأَخِيرَةِ، حَيْثُ تُشَيَّعُ الجَنَائِزُ مِنَ المَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى ثَرَى المَقْبَرَةِ المُلَاصِقَةِ لِلسُّورِ الشَّرْقِيِّ. وَهُوَ كَذَلِكَ المَقْصِدُ الأَوَّلُ لِمُرْتَادِي صَلَاةِ الفَجْرِ، لِمَا يُوَفِّرُهُ مِنْ سَعَةٍ لِاصْطِفَافِ مَرْكَبَاتِهِمْ.

يُعْتَبَرُ «بَابُ العَامُودِ» المَدْخَلَ الأَجْمَلَ وَالأَبْهَى، وَالبُوصَلَةَ الأَحَبَّ إِلَى قُلُوبِ النَّاسِ؛ فَإِلَيْهِ وَمِنْهُ يَتَقَاطَرُ التُّجَّارُ وَالحُجَّاجُ وَالمَقْدِسِيُّونَ فِي سَيْلٍ بَشَرِيٍّ لَا يَنْقَطِعُ. يَحُفُّ بِكَ عَلَى جَانِبَيِ الشَّارِعِ المُبَلَّطِ بِالحِجَارَةِ التُّجَّارُ المُتَجَوِّلُونَ يُدَلِّلُونَ عَلَى سِلَعِهِمْ، وَتَبْرُزُ مِنْ بَيْنِهِمُ الفَلَّاحَاتُ بِمَلَابِسِهِنَّ المُطَرَّزَةِ الزَّاهِيَةِ، يَفْتَرِشْنَ الأَرْضَ أَمَامَ سِلَالِ «الفَقُّوسِ السَّاحُورِيِّ»، وَالعِنَبِ وَالتِّينِ وَالزَّعْتَرِ الأَخْضَرِ، وَالسُّمَّاقِ وَزُجَاجَاتِ دِبْسِ العِنَبِ، وَزَيْتِ الزَّيْتُونِ؛ أَتَيْنَ مِنَ القُرَى الفِلَسْطِينِيَّةِ المُجَاوِرَةِ يَحْمِلْنَ مَوَاسِمَ الأَرْضِ وَثِمَارَهَا.

تَدْخُلُ بَابَ العَامُودِ وَكَأَنَّكَ تَدْخُلُ غَارًا سِحْرِيًّا وَتَسِيرُ عَلَى شَارِعٍ تُدْرِكُ كُلِّيًّا أَنَّ تَحْتَهُ شَارِعًا آخَرَ يَعُودُ إِلَى فَتْرَةٍ تَارِيخِيَّةٍ أُخْرَى، فَتَشْعُرُ بِالدُّوَارِ: فَجُذُورُ بُيُوتِ المَقْدِسِ مُتَأَصِّلَةٌ بِالتَّارِيخِ العربي الفِلَسْطِينِيِّ عَبْرَ العُصُورِ. 

بَابُ العَامُودِ بَابَانِ: عُلْوِيٌّ وَسُفْلِيٌّ؛ البَابُ السُّفْلِيُّ يَقْتَصِرُ اسْتِعْمَالُهُ كَمَعْلَمٍ سِيَاحِيٍّ يَدُلُّ عَلَى الحَضَارَةِ الرُّومَانِيَّةِ الَّتِي سَبَقَتِ الفَتْحَ الإِسْلَامِيَّ وَيَقُودُ إِلَى سَاحَةٍ رُومَانِيَّةٍ قَدِيمَةٍ وَيَقْبَعُ مُبَاشَرَةً أَسْفَلَ بَابِ العَامُودِ العُثْمَانِيِّ، الَّذِي بَنَاهُ سُلَيْمَانُ القَانُونِيُّ وَصَمَّمَ هَنْدَسَتَهُ، كَمَا يَدَّعِي البَعْضُ الفَنَّانُ المِعْمَارِيُّ الشَّهِيرُ سِنَانُ. وَيَبْقَى البَابُ الرُّومَانِيُّ شَاهِدًا صَامِتًا عَلَى التَّارِيخِ وَشِرْيَانِهَا النَّابِضِ.

يُفْضِي المَدْخَلُ الرُّومَانِيُّ إِلَى سَاحَةٍ بِيـزَنْطِيَّةٍ أَثَرِيَّةٍ، تَمْتَدُّ بِجُذُورِهَا تَحْتَ الشَّارِعِ العُثْمَانِيِّ، لِتَصِلَ عُرُوقَ المَدِينَةِ بِبَعْضِهَا عِنْدَ مُلْتَقَى «سُوقِ خَانِ الزَّيْتِ» وَطَرِيقِ «الوَادِ». لَمْ يَنْفَصِلْ يَوْمًا المُخَطَّطُ العِمْرَانِيُّ لِلْقُدْسِ فِي إِطَارِهَا الإِسْلَامِيِّ عَنِ الشَّبَكَةِ الرُّومَانِيَّةِ الأَصِيلَةِ، تِلْكَ الَّتِي تَرْتَكِزُ بِدَوْرِهَا فَوْقَ المِيرَاثِ العِمْرَانِيِّ اليَبُوسِيِّ المَطْمُورِ. فَهَذِهِ الهَيْكَلِيَّةُ الثَّاوِيَةُ تَحْتَ أَقْدَامِنَا، وَالَّتِي تَقْبَعُ أَسْفَلَ وَخَلْفَ تِلْكَ الوَاجِهَاتِ تَنْطِقُ بِتَرَاكُمِ المُسَاهَمَاتِ التَّارِيخِيَّةِ لِمُخْتَلِفِ العُصُورِ؛ حَيْثُ أَرْسَى الأُمَوِيُّونَ شَخْصِيَّتَهَا الإِسْلَامِيَّةَ، وَتَرَكَ الصَّلِيبِيُّونَ بَصَمَاتِ عِمَارَتِهِمْ، بَيْنَمَا أَعَادَ الأَيُّوبِيُّونَ بَهَاءَهَا الإِسْلَامِيَّ، لِيَتْلُوهُمُ المَمَالِيكُ بِتَفَاصِيلِ مَدَارِسِهِمُ المُزَخْرَفَةِ، وُصُولًا إِلَى العُثْمَانِيِّينَ الَّذِينَ طَوَّقُوا القُدْسَ بِسُورِهَا الحَالِيِّ. لَقَدِ اتَّخَذَ هَؤُلَاءِ المِعْمَارِيُّونَ جَمِيعًا الأَسَاسَاتِ اليَبُوسِيَّةَ الأُولَى كَنُقْطَةِ انْطِلَاقٍ لِإِعَادَةِ تَشْكِيلِ المَدِينَةِ المُقَدَّسَةِ، بِهُوِيَّتِهَا الإِسْلَامِيَّةِ عَبْرَ التَّارِيخِ.

 بِالرَّغْمِ مِنْ تَغَيُّرِ وَاجِهَاتِ أَبْوَابِ سُورِ القُدْسِ عَبْرَ العُصُورِ المُخْتَلِفَةِ، وَبِالرَّغْمِ مِنْ عَمَلِيَّاتِ الهَدْمِ وَالطَّمْسِ وَالبِنَاءِ، فَمَا زَالَتْ ذِكْرَى العَامُودِ مُنْتَصِبًا وَسَطَ السَّاحَةِ النِّصْفِ مُسْتَدِيرَةِ عَالِقَةً بِذِهْنِ الفِلَسْطِينِيِّينَ: فَتَرَى أَبْنَاءَ البَلَدِ يُمَيِّزُونَ هَذَا البَابَ عَنْ بَقِيَّةِ أَبْوَابِ سُورِ القُدْسِ مُطْلِقِينَ عَلَيْهِ اسْمَ بَابِ العَامُودِ، أَيِ اسْمٍ يَدُلُّ عَلَى مُسَمًّى كَانَ مُسْتَتِرًا لِعِدَّةِ قُرُونٍ مِنَ الزَّمَنِ حَتَّى أَظْهَرَتْهُ لِلْعَيَانِ عَمَلِيَّاتُ الحَفْرِ الأَثَرِيِّ.

مَا إِنْ تَتَوَغَّلَ دَاخِلَ المَدِينَةِ حَتَّى يَغْمُرَكَ إِحْسَاسٌ بِأَنَّ قِمَمَ الجِبَالِ تَحْتَضِنُهَا وَتُطَوِّقُهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وَفِي الحَقِيقَةِ، تَتَوَسَّدُ القُدْسُ مَجْمُوعَةً مِنَ التِّلَالِ الَّتِي تَحْرُسُ فِي ثَنَايَاهَا «شَارِعَ الوَادِ» وَ «سُوقَ خَانِ الزَّيْتِ» وَ «طَرِيقَ بَابِ السِّلْسِلَةِ». وَلَا مَفَرَّ لِلْمَرْءِ فِي تَجْوَالِهِ بَيْنَ أَحْيَاءِ البَلْدَةِ القَدِيمَةِ مِنِ ارْتِقَاءِ الدَّرَجِ وَهُبُوطِهِ؛ هَذَا النَّمَطُ المِعْمَارِيُّ الَّذِي يَرْبِطُ أَحْيَاءَ المَدِينَةِ بِبَعْضِهَا البَعْضِ يُعْرَفُ بِـ «العَقَبَةِ»، وَهِيَ التَّسْمِيَةُ الَّتِي تَرْمُزُ لُغَوِيًّا إِلَى المَسْلَكِ الصَّعْبِ. وَتَتَعَدَّدُ العَقَبَاتُ مَا بَيْنَ عَقَبَةِ دَرْوِيشَ، عَقَبَةِ المَيْلَاوِيَّةِ، وَعَقَبَةِ الشَّيْخِ لُولُو، عَقَبَةِ الشَّيْخِ رَيْحَانَ، عَقَبَةِ المُفْتِي، عَقَبَةِ رَصَاصٍ، عَقَبَةِ البِطِّيخِ، عَقَبَةِ الشَّيْخِ لُولُو، عَقَبَةِ القَرْمِيِّ، عَقَبَةِ الخَالِدِيِّ، عَقَبَةِ التَّكِيَّةِ، وَعَقَبَةِ السَّرَايَا... كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ دَرَجٍ حَجَرِيٍّ مَرْصُوفٍ، بَلْ هِيَ حِكَايَةُ صُمُودٍ مَنْقُوشَةٌ فِي قَلْبِ القُدْسِ.

أَمُرُّ بِمَقَامِ القَرْمِيِّ، فَأَرَى امْرَأَةً تَقِفُ بِخُشُوعٍ أَمَامَ النَّافِذَةِ؛ تَقْرَأُ الفَاتِحَةَ وَتَمْسَحُ وَجْهَهَا، ثُمَّ تُشْعِلُ شَمْعَةً وَتَضَعُهَا بِحِرْصٍ وَتَأَنٍّ بَيْنَ القُضْبَانِ. فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، أُحَاوِلُ اسْتِحْضَارَ القُدْسِ بِرُوحِهَا الصُّوفِيَّةِ؛ بِخَانْقَاهَاتِهَا، وَزَوَايَا أَوْلِيَائِهَا، وَجَوَامِعِهَا الَّتِي تَعِجُّ بِالزُّوَّارِ وَالدَّرَاوِيشِ المُتَزَهِّدِينَ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ وَحَدَبٍ. أُرْهِفُ السَّمْعَ لَعَلِّي أَلْتَقِطُ صَدَاهَا البَعِيدَ؛ هَلْ كَانَ الدَّرْبُ مَرْصُوفًا آنَذَاكَ؟ وَهَلْ كَانَتِ الشَّوَارِعُ مُضَاءَةً بِالقَنَادِيلِ؟!

أَرَى فِي مُخَيَّلَتِي جَدِّي الأَكْبَرَ، الشَّيْخَ مُحَمَّدَ الخَلِيلِيَّ، أَحَدَ أَعْظَمِ عُلَمَاءِ القَرْنِ الثَّامِنَ عَشَرَ؛ يَرْتَدِي جُبَّةً وَعِمَامَةً خَضْرَاءَ، وَيَمْضِي بِسَكِينَةِ اللَّيْلِ نَحْوَ المَسْجِدِ الأَقْصَى لِأَدَاءِ صَلَاةِ الفَجْرِ قَبْلَ انْتِقَالِهِ إِلَى مَسْكَنِهِ فِي مَدْرَسَةِ البَلَدِيَّةِ فِي بَابِ السِّلْسِلَةِ... أُطِلُّ عَبْرَ قَنْطَرَةِ الخَالِدِي مِنْ قِمَّةِ «عَقَبَةِ القَرْمِيِّ»، حَيْثُ يَنْحَدِرُ السُّلَّمُ الحَجَرِيُّ إِلَى شَارِعِ الوَادِ؛ هُنَاكَ فِي الأَسْفَلِ، أَلْمَحُ الشُّرُوقَ الوَرْدِيَّ فَوْقَ قِبَابِ سُوقِ القَطَّانِينَ، تُحِيطُ بِهَا كُتَلٌ مِنَ الظِّلَالِ الكُحْلِيَّةِ الدَّاكِنَةِ الزَّرَاقِ تَجْثُمُ فَوْقَ الأَسْطُحِ بِصَمْتٍ مَهِيبٍ. وَفِي الأُفُقِ البَعِيدِ، تَبْرُزُ قُبَّةُ الصَّخْرَةِ الذَّهَبِيَّةُ تُلَامِسُ سَمَاءَ القُدْسِ اللَّازَوَرْدِيَّةَ، يُرَافِقُهَا صَدَى أَذَانِ الفَجْرِ مِنْ مَآذِنِ المَسْجِدِ الأَقْصَى وَبَقِيَّةِ مَآذِنِ القُدْسِ؛ لِيُبَدِّدَ سُكُونَ اللَّيْلِ مُبَشِّرًا بِيَوْمٍ جَدِيدٍ.

فِي شَارِعِ الوَادِ يَخْفِقُ قَلْبُ القُدْسِ النَّابِضُ بِالحَيَاةِ. فِي أَيَّامِ الجُمُعِ، يَضِيقُ شَارِعُ الوَادِ بِالبَسْطَاتِ، وَالتُّجَّارِ، وَالزُّوَّارِ المُتَدَفِّقِينَ إِلَى الصَّلَاةِ. هُنَا، يَتَعَالَى صَوْتُ المُتَسَوِّلِينَ «مِنْ خَيْرِ اللهِ»، وَتَمْتَزِجُ أَدْعِيَتُهُمْ بِنِدَاءَاتِ البَاعَةِ المُرْتَفِعَةِ؛ فَكُلٌّ يُرَوِّجُ لِبِضَاعَتِهِ، يَنْسُجُونَ مَعًا إِيقَاعَ المَدِينَةِ المُمْتَدِّ مِنْ بَابِ العَامُودِ جَنُوبًا صَوْبَ عَتَبَاتِ الحَرَمِ القُدْسِيِّ الشَّرِيفِ.

تَتناغم أَجْرَاسُ الكَنَائِسِ، وَمَآذِنُ المَسَاجِدِ، وَالمُوسِيقَى المُتَسَرِّبَةُ مِنَ المَقَاهِي وَالدَّكَاكِينِ، وَالأَصْوَاتُ الصَّاخِبَةُ المُتَدَاخِلَةُ فِي المُسَاوَمَةِ وَالبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، لِتُشَكِّلَ مَعًا جَوْقَةً مُوسِيقِيَّةً سَاحرَةً. وَفِي خِضَمِّ هَذَا المَشْهَدِ الصَّاخِبِ، يَتَصَاعَدُ دُخَانُ الشِّوَاءِ مِنْ مَنَاقِلِ بَاعَةِ الكَبَابِ، وَمِنْ خِلَالِهِ تَنْبَعِثُ مِنَ القُدْسِ نَفْحَةٌ شَرْقِيَّةٌ أَصِيلَةٌ لَا تُخْطِئُهَا الحَوَاسُّ. هُنَا، يَتَحَوَّلُ المُصَلُّونَ وَالبَاعَةُ وَالمُشْتَرُونَ وَالشَّحَّاذُونَ وَالزَّائِرُونَ جَمِيعًا إِلَى شُخُوصٍ فِي لَوْحَةٍ حَيَّةٍ، تَسْتَعِيدُ سِحْرَ القَاهِرَةِ وَسَمَرْقَنْدَ وَبَغْدَادَ وَإِسْطَنْبُولَ كَمَا صُوِّرَتْ فِي رِوَايَةِ «أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ».

يُعَدُّ «سُوقُ القَطَّانِينَ» المُتَفَرِّعُ مِنْ شَارِعِ الوَادِ أَحَدَ أَرْوَعِ المَدَاخِلِ المُؤَدِّيَةِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى؛ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ نَفَقٍ مُقَبَّبٍ طَوِيلٍ، يُفْضِي بِكَ نَحْوَ دَرَجٍ حَجَرِيٍّ يَقُودُ إِلَى الرِّحَابِ المُقَدَّسَةِ. مَا إِنْ تَصِلَ إِلَى عَتَبَةِ تِلْكَ العَتَمَةِ، حَتَّى يُبَاغِتَكَ ذَهَبُ القُبَّةِ وَهُوَ يُومِضُ نُورًا تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ. تَصْعَدُ الدَّرَجَ المُعْتِمَ، فَيَجْتَاحُكَ وَهَجُ الخَارِجِ، وَرُوَيْدًا رُوَيْدًا تَأْنَسُ العَيْنُ بِالضَّوْءِ. وَمِنْ خِلَالِ البَوَّابَةِ الخَضْرَاءِ الضَّخْمَةِ الَّتِي تَقُودُ إِلَى السَّاحَةِ السُّفْلَى، تَتَدَاخُلُ خُضْرَةُ الصَّنَوْبَرِ الدَّاكِنَةُ مَعَ فِضَّةِ النَّخِيلِ، وَالزُّرْقَةِ الخَزَفِيَّةِ الَّتِي تُغَلِّفُ جُدْرَانَ «قُبَّةِ الصَّخْرَةِ»؛ فِي سِيمْفُونِيَّةٍ بَصَرِيَّةٍ مُقَدَّسَةٍ تَتَمَاوَجُ فِيهَا أَصْبِغَةُ الزُّمُرُّدِ، وَالفَيْرُوزِيِّ، وَاللَّازَوَرْدِيِّ، وَالأَصْفَرِ المَغْرِيِّ؛ لِتَرْسُمَ مَشْهَدًا يَتَجَاوَزُ حُدُودَ البَصَرِ إِلَى رِحَابِ البَصِيرَةِ.

بِالإِمْكَانِ النَّظَرُ إِلَى سَاحَةِ الحَرَمِ القُدْسِيِّ وَكَأَنَّهَا سَاحَتَانِ: سَاحَةٌ عُلْيَا وَثَانِيَةٌ سُفْلَى. تَتَوَسَّدُ السَّاحَةَ العُلْيَا قُبَّةُ الصَّخْرَةِ الذَّهَبِيَّةُ تُحِيطُ بِهَا قُبَّةُ السِّلْسِلَةِ مِنَ النَّاحِيَةِ الشَّرْقِيَّةِ وَقُبَّةُ المِعْرَاجِ وَقُبَّةُ الأَنْبِيَاءِ وَقُبَّةُ الشَّيْخِ الخَلِيلِيِّ مِنَ النَّاحِيَةِ الغَرْبِيَّةِ. وَفِي جَنُوبِ غَرْبِ الصَّخْرَةِ تَقَعُ بِجَلَالٍ القُدْسُ تَسْكُنُنِي: بَيْنَ هَوَاجِسِ الاِغْتِرَابِ وَتَبَاشِيرِ الإِيَابِ

بِالإِمْكَانِ النَّظَرُ إِلَى سَاحَةِ الحَرَمِ القُدْسِيِّ وَكَأَنَّهَا سَاحَتَانِ: سَاحَةٌ عُلْيَا وَثَانِيَةٌ سُفْلَى. تَتَوَسَّطُ السَّاحَةَ العُلْيَا «قُبَّةُ الصَّخْرَةِ» الذَّهَبِيَّةُ، تُحِيطُ بِهَا «قُبَّةُ السِّلْسِلَةِ» مِنَ النَّاحِيَةِ الشَّرْقِيَّةِ، وَ«قُبَّةُ المِعْرَاجِ»، وَ«قُبَّةُ الأَنْبِيَاءِ»، وَ«قُبَّةُ الشَّيْخِ الخَلِيلِيِّ» مِنَ النَّاحِيَةِ الغَرْبِيَّةِ. وَفِي جَنُوبِ غَرْبِ الصَّخْرَةِ، تَقَعُ بِجَلَالٍ «القُبَّةُ النَّحْوِيَّةُ»، وَ«قُبَّةُ يُوسُفَ»، وَ«مِنْبَرُ بُرْهَانِ الدِّينِ» الحَجَرِيُّ.

وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ تَصْمِيمَ وَزَخْرَفَةَ «قُبَّةِ الصَّخْرَةِ» تُحْفَةٌ لِلْعَيْنِ لَا يَكِلُّ القَلَمُ عَنْ وَصْفِهَا، إِلَّا أَنَّ الرَّوْعَةَ الفَنِّيَّةَ تَضْمَحِلُّ أَمَامَ شُعُورِكَ العَمِيقِ بِأَنَّكَ فِي ذَاتِ المَكَانِ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ؛ لِيَؤُمَّ الأَنْبِيَاءَ قَبْلَ مِعْرَاجِهِ إِلَى السَّمَاءِ فِي لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ؛ تِلْكَ اللَّيْلَةِ المِفْصَلِيَّةِ الَّتِي شُرِعَتْ فِيهَا الأَحْكَامُ المُتَعَلِّقَةُ بِالصَّلَاةِ. فَإِلَى الصَّخْرَةِ المُشَرَّفَةِ فِي القُدْسِ، تَوَجَّهَ المُسْلِمُونَ أَوَّلًا فِي صَلَاتِهِمْ، وَمِنْهَا اسْتَمَدَّ المَسْجِدُ الأَقْصَى مَكَانَتَهُ الخَالِدَةَ، لِيَغْدُوَ «أُولَى القِبْلَتَيْنِ» وَ«ثَالِثَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ».

القدس تسكنني.

تَغْمُرُ سِيمْفُونِيَّةُ الحَوَاسِّ أَزِقَّةَ التَّارِيخِ، وَتَتَضَافَرُ الأَلْوَانُ وَالأَصْوَاتُ وَالنَّكْهَاتُ لِتَصْبِغَ عَلَى قُدْسِنَا شَخْصِيَّتَهَا المُتَفَرِّدَةَ؛ فَلِكُلِّ حَيٍّ عَبَقُهُ المُمَيَّزُ، وَفِي كُلِّ حَارَةٍ حِكَايَةٌ يَرْوِيهَا شَذَاهَا. فَمَا تَكَادُ تَقْتَرِبُ مِنْ «حَلْوِيَّاتِ زَلَاطِيمُو» حَتَّى تُبَاغِتَكَ رَائِحَةُ «المُطَبَّقِ»؛ حَيْثُ يَتَعَانَقُ أَرِيجُ السَّمْنِ البَلَدِيِّ العَتِيقِ بِحَرَارَةِ القَطْرِ المَغْلِيِّ، مُخْتَرِقَةً حَشْدَ «سُوقِ خَانِ الزَّيْتِ» المُزْدَحِمِ؛ لِتُعْلِنَ عَنْ هُوِيَّةِ المَكَانِ العَرِيقَةِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ العَيْنُ عَلَيْهِ.

إِنَّ أَوَّلَ عِطْرٍ يَسْتَقْبِلُكَ حَالَ دُخُولِ «بَابِ العَامُودِ» هُوَ أَرِيجُ البُنِّ المُحَمَّصِ؛ هُنَاكَ تَتَهَادَى رَائِحَةُ القَهْوَةِ لِتَتَعَانَقَ مَعَ دِفْءِ الخُبْزِ المَقْدِسِيِّ فِي سَحَابَةٍ تَحْمِلُ أَرِيجَ بَخُورِ حَطَبِ الزَّيْتُونِ، الَّذِي يُسْتَعْمَلُ وَقُودًا فِي أَفْرَانِ القُدْسِ؛ حَيْثُ يُخْبَزُ كُلَّ صَبَاحٍ كَعْكُ القُدْسِ؛ مُقَرْمِشًا مِنَ الخَارِجِ، لَدْنًا مِنَ الدَّاخِلِ؛ تُضِيفُ طَبَقَةُ السِّمْسِمِ المُحَمَّصِ بُعْدًا جَمَالِيًّا وَمَذَاقًا مُمَيَّزًا انْفَرَدَتْ بِهِ أَفْرَانُ المَدِينَةِ.

شَيْئًا فَشَيْئًا، تُفْسِحُ تِلْكَ الرَّوَائِحُ المَجَالَ لِأَرِيجِ مَاءِ الوَرْدِ؛ وَفِي عُمْقِ «سُوقِ خَانِ الزَّيْتِ» يَغْمُرُنَا «سُوقُ العَطَّارِينَ» بِعِطْرِ القُدْسِ المُرَكَّبِ مِنَ الهَيْلِ وَالقَرَنْفُلِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْكُرْكُمِ. بَيْنَمَا تَفُوحُ «حَارَةُ النَّصَارَى» بِزُيُوتِ المِسْكِ وَطِيبِ المُرِّ وَاللُّبَانِ الصَّاعِدِ مِنَ الكَنَائِسِ وَالأَدْيِرَةِ، تَلْتَقِي جَمِيعُهَا لِتَرْتَفِعَ فَوْقَ المَدِينَةِ فِي ضَبَابٍ مُعَطَّرٍ؛ يَبْدُو لِلْمُطِلِّ مِنْ قِمَّةِ «جَبَلِ الزَّيْتُونِ» عِنْدَ الشُّرُوقِ كَسَحَابَةٍ بَنَفْسَجِيَّةٍ، سَرْعَانَ مَا تُبَدِّدُهَا الشَّمْسُ الصَّاعِدَةُ لِيَسْتَحِيلَ ذَاكَ الضَّبَابُ الأُرْجُوانِيُّ إِلَى زُرْقَةٍ عَمِيقَةٍ تَصْفُو مَعَ سَاعَاتِ الصَّبَاحِ الأُولَى.

لَا يَخْلُو بَيْتٌ فِلَسْطِينِيٌّ مِنْ صُورَةٍ فُوتُوغْرَافِيَّةٍ الْتُقِطَتْ لِمَدِينَةِ القُدْسِ مِنْ مَطَلِّ «جَبَلِ الزَّيْتُونِ» لِتُعَلَّقَ فِي صَدْرِ الدِّيوَانِ؛ تُجَاوِرُهَا عَلَى الحَائِطِ المُقَابِلِ آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ. وَتَتَعَدَّدُ الرَّمْزِيَّةُ فِي مَنَازِلَ أُخْرَى، حَيْثُ نَجِدُ أَيْقُونَاتٍ لِمَرْيَمَ العَذْرَاءَ، أَوْ لِـ «سَيِّدِنَا الخَضِرِ» وَهُوَ يَطْعَنُ التِّنِّينَ بِحَرْبَتِهِ، أَوْ صَلِيبًا يَتَصَدَّرُ المَشْهَدَ بِجَانِبِ صُورَةِ القُدْسِ.

يَفِيضُ المَشْهَدُ البَانُورَامِيُّ لِلْقُدْسِ بِالدَّلَالَاتِ الرَّمْزِيَّةِ الدِّينِيَّةِ؛ حَيْثُ تَتَرَاكَمُ البُيُوتُ خَلْفَ السُّورِ العَظِيمِ الَّذِي يُطَوِّقُ المَدِينَةَ، لِتَغْدُوَ القُدْسُ «طَبِيعَةً صَامِتَةً»، أَوْ قُلْ مَنْحُوتَةً حَجَرِيَّةً مِنَ القِبَابِ المُوَشَّاةِ بِالمَآذِنِ وَالأَبْرَاجِ؛ حَيْثُ يَتَعَانَقُ الصَّلِيبُ وَالهِلَالُ. تَتَصَدَّرُ المَشْهَدَ قُبَّةُ الصَّخْرَةِ الذَّهَبِيَّةُ، وَتَشْمَخُ قُبَّةُ المَسْجِدِ الأَقْصَى الرَّصَاصِيَّةُ، وَتَنْتَصِبُ قُبَّةُ «كَنِيسَةِ القِيَامَةِ» الرَّمَادِيَّةُ الَّتِي تُظَلِّلُ القَبْرَ المُقدَّسَ. وَعَلَى إِيقَاعِ أَجْرَاسِهَا وَأَذَانِ الصَّلَاةِ، نَسْتَشْعِرُ نَبْضَ القُدْسِ يَفِيضُ حَيَوِيَّةً.

تُعَدُّ «كَنِيسَةُ القِيَامَةِ» صَرْحًا مِعْمَارِيًّا مُعَقَّدًا يَضُمُّ فِي حَنَايَاهُ عِدَّةَ كَنَائِسَ؛ حَيْثُ تَتَقَاسَمُ طَائِفَةُ «الرُّومِ الأُرْثُوذُكْسِ»، وَ«اللَّاتِينِ الكَاثُولِيكِ»، وَ«الأَرْمَنِ»، مَعَ «الأَقْبَاطِ» وَ«السُّرْيَانِ»، حَقَّ اسْتِخْدَامِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ لِمُمَارَسَةِ الشَّعَائِرِ الدِّينِيَّةِ وَفْقَ تَقَالِيدِ كُلٍّ مِنْهُمْ، بَدْءًا مِنَ الفِنَاءِ الخَارِجِيِّ وُصُولًا إِلَى أَدَقِّ تَفَاصِيلِ الدَّاخِلِ.

يَظَلُّ «سَبْتُ النُّورِ» أَكْثَرَ المُنَاسَبَاتِ بَهْجَةً؛ فَفِي هَذِهِ المُنَاسَبَةِ الَّتِي يُحْتَفَلُ فِيهَا بِذِكْرَى قِيَامَةِ المَسِيحِ، يَحْتَشِدُ مَسِيحِيُّو الكَنَائِسِ الشَّرْقِيَّةِ دَاخِلَ أَرْوِقَةِ «القِيَامَةِ»، حَيْثُ تَقِفُ كُلُّ طَائِفَةٍ ضِمْنَ حُدُودِ حَيِّزِهَا التَّارِيخِيِّ. يَقْضِي النَّاسُ سَاعَاتٍ طِوَالًا فِي تَرَقُّبٍ لِانْدِلَاعِ «النَّارِ المُقَدَّسَةِ» مِنَ النَّافِذَةِ الصَّغِيرَةِ فِي القَبْرِ المُقَدَّسِ. عِنْدَ الظَّهِيرَةِ، تُخَفَّتُ الأَنْوَارُ الكَهْرَبَائِيَّةُ، فَتَمْتَلِئُ الكَنِيسَةُ ظِلَالًا وَيَسُودُ الهُدُوءُ، بَيْنَمَا يَغْمُرُ أَرِيجُ البُخُورِ فَضَاءَ القُبَّةِ الوَاسِعَةِ.

فَجْأَةً، تَبْدُأُ الأَجْرَاسُ بِتَرْدِيدِ إِيقَاعَاتٍ كَنَسِيَّةٍ فِي مُنْتَهَى الرَّوْعَةِ، وَبِرَمْشَةِ عَيْنٍ يَنْتَقِلُ اللَّهَبُ المُقَدَّسُ مِنْ شَمْعَةٍ إِلَى أُخْرَى عَبْرَ الكَنِيسَةِ؛ فَيَتَحَوَّلُ المُصَلُّونَ إِلَى مَوْكِبِ نُورٍ، تَفِيضُ مِنْهُ رَائِحَةُ شَمْعِ العَسَلِ المُحْتَرِقِ. تَتَرَدَّدُ فِي جُدْرَانِ الكَنِيسَةِ التَّرَاتِيلُ الدِّينِيَّةُ الشَّرْقِيَّةُ، وَالأَجْرَاسُ لَا تَكُفُّ عَنِ الرَّنِينِ؛ شُبَّانٌ مَرْفُوعُونَ عَلَى الأَكْتَافِ يُمَرِّرُونَ النَّارَ بَيْنَ الحُشُودِ المَدْهُوشَةِ، وَبَيْنَ الزَّغَارِيدِ وَالتَّرَاتِيلُ، تَتَدَلَّى النَّارُ المُقَدَّسَةُ فِي الشُّمُوعِ وَالفَوَانِيسِ فَوْقَ الرُّؤُوسِ، لِتُحْمَلَ إِلَى أَصْقَاعِ الأَرْضِ قَاطِبَةً.

صُورَةُ القُدْسِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَشْكِيلاتٍ عُمْرَانِيَّةٍ لِمَعَالِمَ جَمِيلَةٍ فَحَسْبُ، لَكِنَّهَا رَمْزٌ يَخْتَزِلُ جَوْهَرَ كَيْنُونَتِنَا وَمَنْبَعَ هُوِيَّتِنَا. إِنَّ حُضُورَ القُدْسِ فِي الوِجْدَانِ الفِلَسْطِينِيِّ هُوَ النَّبْضُ الَّذِي يَمْنَحُ جُدْرَانَ البَيْتِ دِفْأَهَا، وَهِيَ فِي آنٍ وَاحِدٍ: جُرْحُنَا المَفْتُوحُ، وَتِرْيَاقُنَا الشَّافِي مِنْ لَوْعَةِ الاغْتِرَابِ.

تَزُجُّنا القُدْسُ فِي حَالَةٍ سَدِيمِيَّةٍ مِنَ الوَجْدِ، تَصِلُنَا بِطَاقَةٍ غَيْبِيَّةٍ تَمْنَحُنَا السَّكِينَةَ وَتَرْقَى بِنَا إِلَى مَصَافِّ الحُلُولِ فِي الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ. بِالنِّسْبَةِ لِلْفِلَسْطِينِيِّ المُقْتَلَعِ، تَغْدُو «الصُّورَةُ الأَيْقُونَةُ» البَلْسَمَ وَالمَلَاذَ، رَيْثَمَا تَكْتَمِلُ دَائِرَةُ العَوْدَةِ. القُدْسُ صَدَى صَوْتِ الأُمِّ فِي أُذُنِ طِفْلِهَا.. هِيَ رَحِمُ الإِنْسَانِيَّةِ.

تَبْقَى القُدْسُ سَرَابًا مُحَاطًا بِهَالَةٍ مِنَ الغُمُوضِ، وَحُلْمًا مَعْقُودًا عَلَى صَمْتٍ صُوفِيٍّ. رُؤْيَتِي لِلْقُدْسِ شَدِيدَةُ الخُصُوصِيَّةِ؛ حَيْثُ يَتَقَابَلُ الاغْتِرَابُ الوُجُودِيُّ مَعَ الانْتِمَاءِ الرُّوحَانِيِّ؛ فَالقُدْسُ تَسْكُنُنِي وَتُطَوِّقُنِي بِهَالَةٍ مِنَ الحُزْنِ الشَّفِيفِ ــ حُزْنٍ نَبِيلٍ؛ لَحْنٍ حَزِينٍ يَتَرَدَّدُ صَدَاهُ وَرَاءَ كُلِّ خُطْوَةٍ فِي الأَزِقَّةِ. غَرِيبٌ كَيْفَ يَهْتَزُّ الكِيَانُ كُلُّهُ بِطَاقَةٍ خَلَّاقَةٍ حَتَّى يُصْبِحَ المَرْءُ هُوَ نَفْسُهُ الحَقْلَ الإِبْدَاعِيَّ؛ يُصْبِحُ مِنَ اللَّازِمِ أَنْ نَتَجَدَّدَ، أَنْ تَغْمُرَنَا رُوحَانِيَّةُ القُدْسِ.

يَتَكَثَّفُ الإِحْسَاسُ إِلَى كَلِمَاتٍ، تَذُوبُ بِدَوْرِهَا فِي أَلْوَانِ الضَّوْءِ وَالظِّلِّ. الصُّورَةُ تَتَجَسَّدُ خُطُوطًا وَأَحْجَامًا وَأَلْوَانًا. المَشَاعِرُ تَتَحَوَّلُ إِلَى لَوْحَةٍ تَشْكِيلِيَّةٍ. القُدْسُ تَفِيضُ فَنًّا؛ هُنَا يَتَكَثَّفُ الإِحْسَاسُ إِلَى كَلِمَاتٍ، وَتَذُوبُ الكَلِمَاتُ فِي تَلَاعُبِ الضَّوْءِ وَالظِّلِّ، لِتَسْتَحِيلَ المَشَاعِرُ فِي النِّهَايَةِ لَوْحَةً حَيَّةً.

تُومِضُ القُدْسُ فِي كِيَانِي كَبَرِيقٍ ذَهَبِيٍّ تَتَنَاغَمُ فِيهِ تَدَرُّجَاتُ الأَصْفَرِ المَغْرِيِّ، وَالعَاجِيِّ، وَالزَّهْرِيِّ. أَصْفَرُ مَغْرِيٌّ، وَعَاجِيٌّ، وَرَمَادِيٌّ، وَزَهْرِيٌّ، وَأَحْمَرُ؛ أَلْوَانٌ تَنْكَسِرُ عَلَى وَاجِهَاتِهَا وَقِبَابِهَا مِنَ الحَجَرِ «المَلِكِيِّ» وَ«المِزِّيِّ»، لِتَمْنَحَ المَدِينَةَ المُقَدَّسَةَ شَفَافِيَّةً لَوْنِيَّةً سَاحِرَةً، لَا تدركها الأَبْصَارُ، بَلْ تَسْتَشْعِرُهَا البَصِيرَةُ. يَنْعَكِسُ الضَّوْءُ عَنْ وَاجِهَاتِ الصُّرُوحِ المَمْلُوكِيَّةِ وَالعُثْمَانِيَّةِ، وَيَنْكَسِرُ طَيْفُهُ لِيَغْمُرَ مَتَاهَاتِ أَزِقَّةِ القُدْسِ فِي ضَبَابٍ مِنْ عَنْبَرٍ شَفَّافٍ.

أُغْلِقُ عَيْنَيَّ فَيَتَوَاثَبُ طَيْفُ مَلَامِحِهَا فِي مُخَيَّلَتِي؛ نُورٌ وَظِلٌّ، نَهَارٌ وَلَيْلٌ، شَمْسٌ وَقَمَرٌ. وَتَتَجَلَّى هَذِهِ الوَمَضَاتُ الذِّهْنِيَّةُ تَفَاصِيلَ مُبْهِرَةً؛ فَهُنَا قِبَابٌ حَجَرِيَّةٌ تُغَطِّيهَا الطُّحَالِبُ، كَأَنَّهَا سَلَاحِفُ قَدِيمَةٌ تَسْتَرِيحُ فَوْقَ مُكَعَّبَاتٍ حَجَرِيَّةٍ. وَهُنَاكَ بَيْنَ تِلْكَ الأَزِقَّةِ المُتعرِّجَةِ، تَبْرُزُ الوَاجِهَاتُ العَتِيقَةُ وَهِيَ تَحْتَضِنُ قُبَّةُ الصَّخْرَةِ بِجَمَالِهَا المُهِيبِ.

غَرِيبٌ كَيْفَ يَهْتَزُّ الكِيَانُ كُلُّهُ بِطَاقَةٍ خَلَّاقَةٍ حَتَّى يُصْبِحَ المَرْءُ هُوَ نَفْسُهُ الحَقْلَ الإِبْدَاعِيَّ؛ يُصْبِحُ مِنَ اللَّازِمِ أَنْ نَتَجَدَّدَ، أَنْ نَعُودَ، أَنْ نَلْتَحِمَ مَعَ القُدْسِ الَّتِي تَسْكُنُنَا لِكَيْ نَغْدُوَ طَاقَةً خَلَّاقَةً مَرَّةً أُخْرَى. فِي القُدْسِ، الوَعْيُ خَارِجَ الزَّمَنِ يَحْتَاجُ إِلَى زَمَنٍ، وَالزَّمَنُ لَا يَزْدَهِرُ إِلَّا فِي ظِلِّ وَعْيٍ خَارِجَ الزَّمَنِ؛ أَمَّا البَدِيلُ - بَعِيدًا عَنِ القُدْسِ وَالاغْتِرَابً عَنْهَا -  فَهُوَ مُعَانَاةُ أَلَمِ لَوْعَةِ الفِرَاقِ وَنُدُوبِهِ، وَالسُّقُوطُ فِي هَاوِيَةِ الحُزْنِ.