• 10 كانون الثاني 2026
  • مقابلة خاصة

 

بقلم : د. نائلة الوعري*

 

لم تعد القضية الفلسطينية تحتمل الاكتفاء بمساحة التعاطف العاطفي، مهما كان صادقًا أو واسع الانتشار. فالقضايا العادلة، كلما طال أمدها وتكاثفت حولها محاولات الطمس والتزييف، تحتاج إلى ما هو أبعد من الانفعال الإنساني: تحتاج إلى وعي تاريخي، ومعرفة راسخة، ومسؤولية أخلاقية في الخوض الجاد في ميدان التدوين والتوثيق. فالتعاطف، حين ينفصل عن المعرفة، قد يريح الضمير، لكنه لا يحمي الحق، ولا يصون الذاكرة، ولا يواجه الروايات المصنَّعة.

من هنا، تغدو القضية الفلسطينية مسؤولية تاريخية جماعية، تقع على عاتق الباحثين وطلبة الجامعات والمؤرخين، كما تقع على عاتق الكتّاب والمفكرين وكل المهتمين بالدراسات الفلسطينية والمقدسية. فالتاريخ لا يُحفظ بالشعارات، ولا بالخطاب الانفعالي وحده، بل بالعمل العلمي المنهجي، وبالعودة إلى الوثيقة الأصلية، والمخطوط، والسجل، والخارطة، والشهادة الموثقة. هذه الأدوات وحدها القادرة على تفكيك السرديات الزائفة، وبناء معرفة تستند إلى الدليل لا إلى التكرار.

ومن المهم التأكيد على أنّ الكتّاب والمفكرين والباحثين المتخصصين في الشأن الفلسطيني لا ينطلقون من فراغ، بل يملكون مخزونًا واسعًا من أدوات البحث، والمراجع، والوثائق، والحقائق المتراكمة عبر عقود من العمل الأكاديمي والميداني. هذا المخزون المعرفي، المتاح والقابل للتكامل والتراكم، يسهّل الطريق أمام الباحثين الجدد، ويختصر عليهم الجهد، ويمنحهم أرضية صلبة للبحث الجاد والمنضبط، بعيدًا عن الارتجال أو التكرار.

وفي المقابل، لا يمكن فصل الرواية الفلسطينية، ولا القصة، ولا الشعر المقاوم — حتى في أكثر أشكاله عاطفية — عن التاريخ وسياقه. فالسرد، بكل أشكاله، هو أحد وجوه التدوين التاريخي، وحامل للذاكرة الجمعية، وشاهد على المرحلة. غير أنّ هذا الدور، بما يحمله من تأثير واسع، يضع على عاتق رواته مسؤولية تاريخية موازية: مسؤولية الوعي بما يُدوَّن، وكيف يُقدَّم، وما الذي يُرسَّخ في الذاكرة العامة. فالرواة، بمختلف فئاتهم، ليسوا خارج التاريخ، بل في قلبه.

وينطبق الأمر ذاته على الفنانين التشكيليين، وأصحاب الريشة، والمسرحيين، وكل من اختار الفن وسيلة للتعبير عن القضية. فاللوحة، والملصق، والمشهد المسرحي، ليست أعمالًا جمالية فحسب، بل وثائق بصرية وأدائية تحفظ الذاكرة، وتؤرّخ للحظة، وتنقل التجربة الإنسانية للمكان والإنسان والحدث. وقد ترك الفنانون الفلسطينيون، ومعهم فنانون عرب وأحرار في العالم، أعمالًا راسخة شكّلت سجلًا بصريًا ومسرحيًا للقضية، ما يجعلهم جزءًا أصيلًا من رواة التاريخ، لا على هامشه.

إنّ أهمية التاريخ المكتوب لا تكمن فقط في تسجيل ما جرى، بل في حماية المعنى من التآكل، والحق من المصادرة، والذاكرة من التشويه. والعودة إلى الوثيقة والمخطوط ليست نقيضًا للسرد أو للفن، بل رافعة لهما، تُغنيهما وتمنحهما عمقًا واستقامة. فهي فعل مقاومة معرفية، يُعيد للقضية سياقها الحقيقي، ويمنح الأجيال أدوات الفهم بدل الاكتفاء بردود الفعل.

وعليه، فإنّ الدعوة اليوم موجّهة بوضوح: إلى مزيد من البحث الجاد، وإلى دراسات معمّقة، وإلى جهد أكاديمي منضبط، وإلى سردٍ وفنٍّ واعيين ومسؤولين، يضعون فلسطين والقدس في مكانهما الطبيعي داخل التاريخ، لا على هامش العاطفة. فالقضية الفلسطينية لا تحتاج من يتعاطف معها فقط، بل من يعمل عليها، ويكتبها، ويرويها، ويجسّدها، لتبقى مسؤولية حيّة في الوعي والتاريخ معًا.

*باحثة في تاريخ القدس الحديث والمعاصر