• 13 كانون الثاني 2026
  • مقابلة خاصة

 

 

 

يُقدم الدكتور علي قليبو في هذه القراءة نقداً فكرياً ومعمارياً عميقاً لمبنى المكتبة الوطنية الاسرائيلية في القدس، حيث يفكك العلاقة الجدلية بين "الحجر" كأداة سيطرة و"الكلمة" كوعاء للذاكرة، موضحاً كيف يتم تطويع التراث البصري للمدينة لخدمة رواية استحواذ حديثة، وهكذا يجب ان ننظر الى هذا الصرح بدل الانبهار به كمبني وكمكتبة قسم من موجوداتها  اخذت بالقوة من اصحابها . 

 

 بقلم : د. عَلِي قَلِيبُو  

 فِي قَلْبِ الْقُدْسِ، يَنْهَضُ مَبْنَى الْمَكْتَبَةِ الْوَطَنِيَّةِ الاسرائيلية بِوَصْفِهِ نَصّاً مِعْمَارِيّاً مُرَكَّباً، كُتِبَ بِالْحَجَرِ الْجَيْرِيِّ الْمَصْقُولِ وَالزُّجَاجِ، وَاسْتُلْهِمَتْ مُفْرَدَاتُهُ مِنْ مَهَابَةِ أَسْوَارِ الْمَدِينَةِ الْعَتِيقَةِ. فَالثَّغَرَاتُ فِي جُدْرَانِ الْقُدْسِ، وَالَّتِي كَانَتْ فِي الْمَاضِي تُسْتَعْمَلُ لِلْحِرَاسَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَالْإِضَاءَةِ، أُعِيدَ تَوْظِيفُهَا هُنَا كَفَتَحَاتِ إِضَاءَةٍ، يَتَدَفَّقُ مِنْهَا الضَّوْءُ الطَّبِيعِيُّ فِي اسْتِعَادَةٍ جَمَالِيَّةٍ مُعَاصِرَةٍ لِوَظِيفَةٍ دِفَاعِيَّةٍ قَدِيمَةٍ. أَمَّا الْأَقْوَاسُ وَالْقَنَاطِرُ، فَلَا تَظْهَرُ بِوَصْفِهَا عَنَاصِرَ مُبَاشِرَةً، بَلْ تَتَوَارَى فِي هَيْئَةٍ تَجْرِيدِيَّةٍ لَا يَكْتَمِلُ إِدْرَاكُهَا إِلَّا مِنْ مَسَافَةٍ، فَتَتَجَلَّى كَهَمْسٍ بَصَرِيٍّ يَسْتَدْعِي الْعِمَارَةَ الْمَقْدِسِيَّةَ دُونَ أَنْ يُكَرِّرَهَا، وَيُحَوِّلُ الذَّاكِرَةَ الْحَجَرِيَّةَ إِلَى مَنْظُومَةٍ اسْتِشْرَاقِيَّةِ الطَّابَعِ. 

لَقَدْ تَمَّ تَصْمِيمُ «الْمَكْتَبَةِ» بِأُسْلُوبٍ مِعْمَارِيٍّ يَدْمُجُ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالْجَمَالِ، يَجْعَلُهَا تَبْدُو كَقَلْعَةٍ مَنِيعَةٍ تَحْرُسُ إِرْثَهَا وَمُحْتَوَاهَا؛ وَهُوَ إِرْثٌ مُحَدَّدٌ بِدِقَّةٍ: مُفْرَدَاتُ الْمَنْظُومَةِ الصِّهْيُونِيَّةِ الَّتِي تُعِيدُ إِنْتَاجَ سَرْدِيَّةِ الْهَيْمَنَةِ عَلَى الْكَلِمَةِ وَالْحَضَارَةِ، فِيمَا تُطْمَسُ الْجُذُورُ الْكَنْعَانِيَّةُ وَالْفِلَسْطِينِيَّةُ.وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَتَحَوَّلُ الثَّغَرَاتُ الْمَحْفُورَةُ فِي الْجُدْرَانِ — الَّتِي كَانَتْ يَوْمًا أَدَوَاتِ رَقَابَةٍ وَحِرَاسَةٍ — إِلَى نَوَافِذِ إِضَاءَةٍ تَفِيضُ بِالنُّورِ، فَتُوَازِنُ بَيْنَ الصَّلَابَةِ وَالشَّفَافِيَّةِ، وَبَيْنَ الْحِرَاسَةِ وَالِاحْتِفَاءِ بِالْمَعْرِفَةِ، فِيمَا تَتَوَارَى خَلْفَهَا الْأَقْوَاسُ وَالْقَنَاطِرُ التَّجْرِيدِيَّةُ الَّتِي تَتَكَشَّفُ كَهَمْسٍ بَصَرِيٍّ لِلزَّائِرِ الْبَعِيدِ، رَابِطَةً بَيْنَ التُّرَاثِ الْمَقْدِسِيِّ وَالْحَدَاثَةِ، وَبَيْنَ الذَّاكِرَةِ وَفَنِّ الْعِمَارَةِ الْمُعَاصِرِ وَالسُّلْطَةِ.

يَمْتَدُّ الصَّرْحُ الْمِعْمَارِيُّ عَبْرَ سَبْعِ طَبَقَاتٍ، حَيْثُ لَا تُؤَدِّي الْمَكْتَبَةُ دَوْرَهَا التَّقْلِيدِيَّ كَمَخْزَنٍ لِلْكُتُبِ فَحَسْبُ، بَلْ تَتَشَكَّلُ، بِاعْتِبَارِهَا، مُتْحَفًا لِلْكَلِمَةِ أَيْضًا، يُعِيدُ تَأْوِيلَ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْحَرْفِ وَالسُّلْطَةِ وَالذَّاكِرَةِ. تَبْدَأُ السَّرْدِيَّةُ مِنْ أَقْدَمِ تَجَلِّيَاتِ الْإِيمَانِ بِقُوَّةِ الْكِتَابَةِ؛ مِنْ طَاسَاتِ التَّعَاوِيذِ الْآرَامِيَّةِ، الَّتِي دُفِنَتْ تَحْتَ عَتَبَاتِ الْبُيُوتِ قَبْلَ أَرْبَعَةِ آلَافِ عَامٍ لِدَرْءِ الشَّرِّ بِقُوَّةِ الْحَرْفِ الْمَنْقُوشِ، وُصُولاً إِلَى الْمَخْطُوطَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالتَّوْرَاتِيَّةِ الْمُذَهَّبَةِ، حَيْثُ تَتَجَسَّدُ الْكَلِمَةُ كَكَائِنٍ حَيٍّ، لَا بِوَصْفِهَا وَسِيلَةً لِلتَّدْوِينِ فَقَطْ، بَلْ كَأَدَاةٍ لِلْحِمَايَةِ، وَالتَّقْدِيسِ، وَصَوْنِ الذَّاكِرَةِ الْجَمَاعِيَّةِ. هُنَا، لَا تُعْرَضُ النُّصُوصُ بِمَعْزِلٍ عَنْ سِيَاقَاتِهَا الْأَنْثْرُوبُولُوجِيَّةِ، بَلْ تُقَدَّمُ كَجُزْءٍ مِنْ تَارِيخٍ طَوِيلٍ مِنَ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْكَلِمَةَ الْمَكْتُوبَةَ قَادِرَةٌ عَلَى تَنْظِيمِ الْعَالَمِ، وَرَدِّ الْفَوْضَى، وَحِرَاسَةِ الْمُقَدَّسِ.

 يَظْهَرُ السَّطْحُ الرَّئِيسِيُّ لِلْمَبْنَى، عِنْدَ النَّظَرِ إِلَيْهِ عَنْ بُعْدٍ، كَمَا لَوْ كَانَ صَفْحَةً مِنْ كِتَابٍ مَفْتُوحٍ؛ تَتَقَاطَعُ فِيهَا الْحِجَارَةُ وَالزُّجَاجُ كَمَخْطُوطَةٍ عَصْرِيَّةٍ تَحْرُسُ الْمَعْرِفَةَ وَالتَّارِيخَ، وَكَأَنَّ الْبِنَاءَ يُجَسِّدُ مَنْظُومَةً عَقَائِدِيَّةً صِهْيُونِيَّةً. هَذَا الْكِتَابُ الْمِعْمَارِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ الْإِرْثِ الْيَهُودِيِّ وَالْمُسَاهَمَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْكُبْرَى عَبْرَ التَّارِيخِ، لَكِنَّهُ يُعَادُ تَقْدِيمُهُ وَفْقَ رُؤْيَةٍ صِهْيُونِيَّةٍ أُحَادِيَّةٍ، تَحْجُبُ الْجُذُورَ الْكَنْعَانِيَّةَ وَتُعِيدُ إِنْتَاجَ التَّارِيخِ الثَّقَافِيِّ وَالْفِكْرِيِّ ضِمْنَ سَرْدِيَّةِ الْهَيْمَنَةِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ. وَيَتَوَسَّطُ الْغِلَافَ الْخَارِجِيَّ الشَّمَالِيَّ وُجُودُ فَتْحَةٍ دَائِرِيَّةٍ عَظِيمَةِ الِاتِّسَاعِ، صُمِّمَتْ لِتَكُونَ مَنْوَراً طَبِيعِيّاً وَظِيفَتُهُ الْأَسَاسِيَّةُ هِيَ إِغْرَاقُ قَاعَةِ الْمُطَالَعَةِ الْمُسْتَدِيرَةِ، الْقَابِعَةِ أَسْفَلَهَا، بِالنُّورِ السَّاقِطِ مِنَ الْأَعْلَى. تُرَدِّدُ هَذِهِ النَّافِذَةُ شَكْلَ فَتْحَةِ الْبِئْرِ الْفِلَسْطِينِيِّ التَّلِيدِ، أَلَا وَهُوَ «الْبِئْرُ الْإِيجَاصِيُّ»، الَّذِي يَرْبِطُ الْمَبْنَى مُبَاشَرَةً بِالذَّاكِرَةِ الْمَكَانِيَّةِ لِلْقُدْسِ، وَيُضْفِي بُعْداً تَوْظِيفِيّاً مُرَاوِغاً يَخْلِطُ بَيْنَ الْأَسْرَلَةِ وَالتُّرَاثِ الْفِلَسْطِينِيِّ، وَبَيْنَ الِاسْتِحْوَاذِ وَالتَّغْيِيبِ، فِي ثَوْبِ الْحَدَاثَةِ وَالْمُعَاصَرَةِ الْعَالَمِيَّةِ. فَالْبِئْرُ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ فَرَاغٍ مِعْمَارِيٍّ، بَلْ عُنْصُرٌ حَيٌّ فِي نَصِّ الصَّرْحِ الْمِعْمَارِيِّ، يَرْوِي الْحِكَايَةَ الْفِلَسْطِينِيَّةَ الْمَكْبُوتَةَ، وَيُصْبِحُ جُزْءاً مِنَ الْكِتَابِ الْمَفْتُوحِ الَّذِي يَحْرُسُهُ الْمَبْنَى، حَيْثُ السُّلْطَةُ وَالْمَعْرِفَةُ وَالْكَلِمَةُ تَتَشَابَكُ فِي تَجْرِبَةٍ بَصَرِيَّةٍ وَفِكْرِيَّةٍ فَرِيدَةٍ؛ بَيْنَ الْمِعْمَارِ وَالذَّاكِرَةِ وَالرَّمْزِيَّةِ.

َمِنْ خِلَالِ النور المنسكب، عبر زجاج يرشح من وهج الشمس،  تَتَجَسَّدُ "فَلْسَفَةُ الْإِحْلَالِ الْمَعْرِفِيِّ" لِلْمَنْظُومَةِ الصِّهْيُونِيَّة ِلُيصْبِحَ الِاسْتِحْوَاذُ عَلَى التَّارِيخِ وَالتُّرَاثِ الْفِلَسْطِينِيِّ، وَإِحْلَالُ الرِّوَايَةِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ مَكَانَهُ أَمْراً مَأْلُوفاً وَطَبِيعِيّاً، بَلْ يَتَحَوَّلُ في هذا الضوء إِلَى "أَمْرٍ وَاقِعٍ" وَحَقِيقَةٍ مُثْبَتَةٍ فِي قَاعَةِ الْمُطَالَعَةِ الْمُسْتَدِيرَةِ.هُنَا، تَتَلَاشَى صُورَةُ الْمَكْتَبَةِ كَصَرْحٍ مُتَعَالٍ، لِيَحِلَّ مَحَلَهَا فَضَاءٌ مُؤَنْسَنٌ يَحْجُبُ السَّرْدِيَّةَ الْفِلَسْطِينِيَّةَ خَلْفَ وَدَاعَتِهِ الظَّاهِرَةِ. فَرُفُوفُ الْكُتُبِ لَا تَعْلُو أَكْثَرَ مِنْ مِتْرَيْنِ، فِي إِشَارَةٍ مَقْصُودَةٍ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ (الْمُصَادَرَةَ) بَاتَتْ فِي مُتَنَاوَلِ الْيَدِ، وَأَنَّ الْقَارِئَ يَقِفُ مَعَهَا فِي عَلَاقَةٍ أ تُلْغِي بِأُنْسَنَتِهَا الْمَصْنُوعَةَ وَجَعَ الْغِيَابِ.

.َمِنْ مُسْتَوْدَعِ الْكُتُبِ بِالْأَسْفَلِ، حَيْثُ تَقْبَعُ الْأُصُولُ الْمُغَيَّبَةُ، يَرْتَفِعُ دَرَجٌ لَوْلَبِيٌّ نَحْوَ الْأَعْلَى، كَأَنَّهُ يَرْسُمُ خُطُوطَ صُعُودٍ فِي مَتْنِ الْفِكْرِ، وَهَذَا الصُّعُودُ لَا يَعْنِي الْارْتِقَاءَ بِمَعْنَاهُ الْمَادِّيّ، بَلْ هُوَ تَعْمِيقُ الاسْتِحْوَاذِ الإِسْرَائِيلِيِّ عَلَى الْكَلِمَةِ وَالثَّقَافَةِ، حَتَّى يُصْبِحَ الدَّرَجُ وَالنُّورُ مَعًا أَدَوَاتٍ لِتَغْيِيبِ الذَّاكِرَةِ الْحَيَّةِ وَإِحْلَالِ نَصٍّ مِعْمَارِيٍّ يَحْرُسُ الْهَيْمَنَةَ وَيُطْمِسُ الْهُوِيَّةَ الْأَصِيلَةَ، فَالنُّورُ يَنْسَكِبُ عَلَى قَاعَةِ الْمُطَالَعَةِ، مُرَشَّحًا بِزُجَاجٍ عَازِلٍ يَتَحَكَّمُ فِي وُهُوجِ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ وَكَمِّيَّةِ الضَّوْءِ، 

وَمِنْ مُسْتَوْدَعِ الْكُتُبِ بِالْأَسْفَلِ، حَيْثُ تَقْبَعُ الْأُصُولُ الْمُغَيَّبَةُ، يَرْتَفِعُ دَرَجٌ لَوْلَبِيٌّ نَحْوَ الْأَعْلَى، كَأَنَّهُ يَرْسُمُ خُطُوطَ صُعُودٍ فِي مَتْنِ الْفِكْرِ. هَذَا الصُّعُودُ لَا يَعْنِي الْارْتِقَاءَ بِمَعْنَاهُ الْمَادِّيّ، بَلْ هُوَ تَعْمِيقُ الاسْتِحْوَاذِ الإِسْرَائِيلِيِّ عَلَى الْمَكَانِ، حَتَّى يُصْبِحَ الدَّرَجُ وَالنُّورُ مَعًا أَدَوَاتٍ لِتَغْيِيبِ الذَّاكِرَةِ الْحَيَّةِ وَإِحْلَالِ نَصٍّ مِعْمَارِيٍّ يَحْرُسُ الْهَيْمَنَةَ وَيُطْمِسُ الْهُوِيَّةَ الْأَصِيلَةَ .يَتَلَامَسُ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ الدَّرَجُ وَالنُّورُ، كَأَدَوَاتٍ مُرَكَّبَةٍ تُشَكِّلُ فَصْلًا بَيْنَ الْأُصُولِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّصُوصِ الْمَعْمَارِيَّةِ الْمُفْرَغَةِ مِن ذَاكِرَتِهَا. هذا التباين بَيْنَ الْحَجَرِ وَالزُّجَاجِ ينْشُئُ صَرْحًا يَسْتَحْوِذُ عَلَى الْوَعْيِ، مُحَوِّلًا الْمَكَانَ مِنْ فَضَاءٍ تَارِيخِيٍّ حَيٍّ إِلَى مُنْظُومَةٍ ثَقَافِيَّةٍ تُقَوِّضُ الْهُوِيَّةَ وَتُحَكِّمُ السَّلْطَةَ الإِسْرَائِيلِيَّةَ عَلَى السِّيرُورَةِ الْفِكْرِيَّةِ فِي هذا السياق الفلسفي، يُدْرِكُ النَّاظِرُ أَنَّ الصُّعُودَ فِي هَذَا الْعَالَمِ لَا يَعْنِي رُقِيًّا بَلْ هُوَ مَرَحَلَةٌ مِنَ التَّطْوِيعِ وَالِاسْتِحْوَاذِ عَلَى الذَّاكِرَةِ، حَتَّى يتصْبِحَ الْمَكتبة مَسْرَحًا لِلتَّحَكُّمِ فِي الْوَعْيِ، وَمُنَظَّمَةً تُخْفِي الْأَصُولَ وَتُشَكِّلُ نَصًّا مِعْمَارِيًّا يُسْتَخْدَمُ لِتَثْبِيتِ الْهَيْمَنَةِ وَطمس الْهُوِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ.

.إِنَّ هَذِهِ السَّرْدِيَّةَ لَا تَنْغَلِقُ عَلَى نَفْسِهَا فِي غُبَارِ الْمَخْطُوطَاتِ فحسب، بَلْ تَتَجَسَّدُ كَظَاهِرَةٍ بَصَرِيَّةٍ فِي الْمَعَارِضِ الْمُتَنَقِّلَةِ الَّتِي تَسْتَجْوِبُ الطَّبِيعَةَ لِإِعَادَةِ صِيَاغَةِ الْوَعْيِ بِالْمَكَانِ؛ وَهُنَا تَتَجَلَّى «الْأَسْرَلَةُ الثَّقَافِيَّةُ» فِي أَبْهَى صُوَرِهَا الْمُخَادِعَةِ عَبْرَ مَا يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِـ «سِيَاسَاتِ الْجَمَالِ»، حَيْثُ تُعَادُ هَنْدَسَةُ الْمَشْهَدِ الطَّبِيعِيِّ الْفِلَسْطِينِيِّ لِيَكُونَ أَدَاةً فِي صِرَاعِ الذَّاكِرَةِ. فَفِي الْمَعْرِضِ الْمُصَوَّرِ الْمُتَعَلِّقِ بِـ «زُهُورِ فِلَسْطِينَ»، تَتَحَوَّلُ النَّبْتَةُ مِنْ كَيْنُونَتِهَا الْبِيُولُوجِيَّةِ إِلَى «عَلَامَةٍ سِيمْيَائِيَّةٍ» مُصَنَّعَةٍ؛ حَيْثُ يَتِمُّ تَحْوِيرُ دَلَالَاتِ شَقَائِقِ النُّعْمَانِ وَالْمَيْرَمِيَّةِ عَبْرَ نَزْعِهَا مِنْ سِيَاقِهَا الْخَاصِّ بِالدَّوْرَةِ الزِّرَاعِيَّةِ وَالْمَنْظُومَةِ الْمَعِيشِيَّةِ لِلْفَلَّاحِ الْفِلَسْطِينِيِّ الَّتِي ارْتَبَطَتْ تَارِيخِيّاً بِالْأَرْضِ كَفِعْلِ حِرَاثَةٍ وَبَقَاءٍ، لِيَتِمَّ إِقْحَامُهَا فِي سِيَاقِ الرِّوَايَةِ الْأُسْطُورِيَّةِ؛ أَيِ اقْتِلَاعُهَا مِنْ إِطَارِهَا الثَّقَافِيِّ وَالِاقْتِصَادِيِّ الْفِلَسْطِينِيِّ الْمَعَاشِ، وَتَحْوِيلُهَا إِلَى مُفْرَدَاتٍ عَقَائِدِيَّةٍ صِهْيُونِيَّةٍ تُزْرَعُ فِي رَوْعِ الزَّائِرِ بِاعْتِبَارِهَا عَلَاقَةً أَزَلِيَّةً غَيْبِيَّةً

هَذَا الْمَزْجُ الْمَاكِرُ بَيْنَ «النَّبَاتِ» وَ«الْأَيْدِيُولُوجْيَا» يُمَثِّلُ ذِرْوَةَ «الْقُوَّةِ النَّاعِمَةِ» الَّتِي تُمَارِسُ مَحْواً نَاعِماً لِلْجُغْرَافِيَا؛ حَيْثُ تُحْجَبُ «الْعَبْقَرِيَّةُ الْحَضَارِيَّةُ» الْكَامِنَةُ فِي عَلَاقَةِ الْفِلَسْطِينِيِّ الْعُضْوِيَّةِ بِتُرَابِهِ تَحْتَ رِدَاءٍ جَمَالِيٍّ مُلَغَّمٍ بِدَلَالَاتٍ إِقْصَائِيَّةٍ. إِنَّهَا اسْتْرَاتِيجِيَّةُ «التَّبْيِيضِ بِالْجَمَالِ»، حَيْثُ يُسْتَبْدَلُ التَّارِيخُ الْمَلْمُوسُ لِلشَّجَرِ وَالْبَشَرِ بِذَاكِرَةٍ مُتَخَيَّلَةٍ، وَيَتَحَوَّلُ الْوَطَنُ الْمَعَاشُ إِلَى مُجَرَّدِ «خَلْفِيَّةٍ مَشْهَدِيَّةٍ» لِسَرْدِيَّةِ الْمُحْتَلِّ، وَأَدَوَاتٍ لِـ «هَنْدَسَةِ النِّسْيَانِ» تَهْدِفُ إِلَى تَغْيِيبِ صَاحِبِ الْأَرْضِ الْحَقِيقِيِّ وَدَفْنِ صَوْتِهِ تَحْتَ رُكَامِ الأسطورة.

 وَبِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ «مَعْرِضَ الْحَجِّ إِلَى مَكَّةَ» يَسْتَعِيرُ وُجُوهاً وَأَصْوَاتاً لِأَشْخَاصٍ مُسْلِمِينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ أَحَاسِيسِهِمْ أَمَامَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الِاسْتِحْضَارَ الْبَشَرِيَّ يَبْقَى فِي جَوْهَرِهِ «مُمَارَسَةً أَنْثُرُوبُولُوجِيَّةً فَوْقِيَّةً»؛ تَتَعَامَلُ مَعَ الْفِلَسْطِينِيِّينَ وَالْإِسْلَامِ لَا كَأَصْحَابِ سِيَادَةٍ حَضَارِيَّةٍ، بَلْ كَـ «مَوْضُوعَاتٍ دِرَاسِيَّةٍ» مَعْزُولَةٍ عَنْ سِيَاقِهَا النِّضَالِيِّ. إِنَّ حَشْرَ شَهَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ ضِمْنَ هَذَا الْإِطَارِ لَيْسَ اعْتِرَافاً بِكَيْنُونَتِهِمْ، بَلْ هُوَ عَمَلِيَّةُ «تَدْجِينٍ بَصَرِيٍّ» تَهْدِفُ إِلَى تَحْوِيلِ الْوُجُودِ الْإِسْلَامِيِّ وَالْعَرَبِيِّ الْأَصِيلِ إِلَى مُجَرَّدِ «فُولْكُلُورٍ بَائِدٍ» أَوْ دِيكُورٍ يُضْفِي شَرْعِيَّةً زَائِفَةً عَلَى مَشْهَدِ الِاحْتِلَالِ.

 

فَالْمَعْرِضُ الديني يَعْمَدُ إِلَى «تَسْلِيعِ الثَّقَافَةِ» عَبْرَ وَضْعِ الْفِلَسْطِينِيِّ فِي «قَفَصٍ مَتْحَفِيٍّ» يُشْرِفُ عَلَيْهِ الْمُسْتَعْمِرُ؛ لِيَبْدُوَ فِعْلُ الْحَجِّ كَطَقْسٍ رُوحِيٍّ مَنْزُوعِ الدَّسَمِ، مَفْصُولٍ عَنْ حَقِيقَةِ الْأَرْضِ الْمَسْلُوبَةِ. إِنَّهَا مَحَاوَلَةٌ لِإِظْهَارِ الْمُحْتَلِّ بِمَظْهَرِ «الرَّاعِي الْأَمِينِ» للتعددية، بَيْنَمَا هُوَ فِي الْعُمْقِ يُمَارِسُ «إِزَاحَةً مَعْرِفِيَّةً» تُغَيِّبُ الصِّرَاعَ الْحَقِيقِيَّ، وَتُحَوِّلُ صَاحِبَ الْأَرْضِ مِنْ فَاعِلٍ تَارِيخِيٍّ إِلَى مُجَرَّدِ صَدًى خَافِتٍ فِي سِرْدِيَّةِ الْآخَرِ الَّذِي يَحْتَكِرُ تَعْرِيفَ الْمُقَدَّسِ وَالْمَكَانِ.

وَبِذَلِكَ، لَمْ تَعُدْ هَذِهِ الْمَعَارِضُ مَسَاحَاتٍ لِلِاحْتِفَاءِ بِالطَّبِيعَةِ، بَلْ صَارَتْ «مَخَابِرَ أَيْدِيُولُوجِيَّةً» تَعْمَلُ عَلَى إِعَادَةِ تَعْرِيفِ الْهُوِيَّةِ الْبَصَرِيَّةِ لِلْمَكَانِ؛ حَيْثُ يُسْلَبُ الشَّجَرُ لِسَانَهُ الْعَرَبِيَّ، وَتُجْبَرُ التَّضَارِيسُ عَلَى النُّطْقِ بِلُغَةٍ هَجِينَةٍ تُنْكِرُ أَصْحَابَهَا. إِنَّ هَذَا «الِاسْتِحْوَاذَ الْجَمَالِيَّ» يَسْعَى إِلَى تَحْوِيلِ فِلَسْطِينَ مِنْ حَقِيقَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ نَابِضَةٍ بِالْفِعْلِ الْبَشَرِيِّ إِلَى «مُجَسَّمٍ مِيثُولُوجِيٍّ» صَامِتٍ، يُلْغِي حُضُورَ الْإِنْسَانِ الْفِلَسْطِينِيِّ وَيَحْشُرُهُ فِي زَاوِيَةِ «الْغَائِبِ التَّارِيخِيِّ». فَالْجَمَالُ هُنَا لَيْسَ غَايَةً فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ سِتَارٌ كَثِيفٌ يُسْدَلُ عَلَى جَرِيمَةِ الِاقْتِلَاعِ، لِيَبْدُوَ الْمَشْهَدُ النِّهَائِيُّ وَكَأَنَّهُ طَبِيعَةٌ بِكْرٌ تَنْتَظِرُ مَنْ يَكْتَشِفُهَا، لَا أَرْضاً مَسْلُوبَةً تَنْتَظِرُ مَنْ يُحَرِّرُهَا.

وَلِأَنَّ السَّيْطَرَةَ عَلَى «الْمَكَانِ» لَا تَكْتَمِلُ إِلَّا بِالسَّيْطَرَةِ عَلَى «الزَّمَانِ» الْمَخْزُونِ فِي الْوَرَقِ، تَنْحَدِرُ السَّرْدِيَّةُ نَحْوَ الْأَعْمَاقِ؛ حَيْثُ تَتَجَلَّى الْحَدَاثَةُ التِّقْنِيَّةُ فِي الْأَدْوارِ الْأَرْبَعَةِ الْقَابِعَةِ تَحْتَ سَطْحِ الْأَرْضِ كَوَجْهٍ آخَرَ لِلسُّلْطَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ الْهَجِينَةِ. هُنَاكَ، فِي تِلْكَ الْأَقْبِيَةِ الْمُحَصَّنَةِ، تُدَارُ الذَّاكِرَةُ بِوَسَاطَةِ «الرُّوبُوتَاتِ» فِي بِيئَةٍ مُنْخَفِضَةِ الْأُكْسُجِينِ؛ وَكَأَنَّ حِمَايَةَ الْوَرَقِ مِنَ التَّلَفِ تَتَطَلَّبُ عَزْلَهُ عَنِ الْهَوَاءِ الَّذِي يَتَنَفَّسُهُ الْبَشَرُ. حَيْثُ تَتَحَرَّكُ الْأَذْرُعُ الذَّكِيَّةُ بِصَمْتٍ لِتَسْتَخْرِجَ الْكُتُبَ مِنْ صَنَادِيقِهَا الْفُولَاذِيَّةِ، وَتَرْفَعَهَا إِلَى الضَّوْءِ وَفْقاً لِأَنْظِمَةٍ رَقْمِيَّةٍ صَارِمَةٍ. هَذَا الْمَشْهَدُ يُعِيدُ إِنْتَاجَ ثُنَائِيَّةِ «الْإِنْسَانِ وَالْآلَةِ»؛ فَبَيْنَمَا يَنْعَمُ الْفَضَاءُ الْعُلْوِيُّ بِتَرَانِيمِ التَّأَمُّلِ، تَقُومُ الْخَزَائِنُ التِّكْنُولُوجِيَّةُ فِي الْأَسْفَلِ بِحِرَاسَةِ الذَّاكِرَةِ بِعُيُونٍ آلِيَّةٍ بَارِدَةٍ. إِنَّهُ انْتِقَالٌ لِلْكَلِمَةِ مِنَ «الْقَدَاسَةِ الْيَدَوِيَّةِ» إِلَى «الْحِرَاسَةِ الرَّقْمِيَّةِ»؛ مِمَّا يُمَكِّنُ السُّلْطَةَ مِنَ السَّيْطَرَةِ عَلَى الْأَرْشِيفِ وَضَبْطِ فِعْلِ الْقِرَاءَةِ نَفْسِهِ.

إِنَّ تَحَرُّكَ الْأَذْرُعِ الذَّكِيَّةِ بِصَمْتٍ لِاسْتِخْرَاجِ الْكُتُبِ مِنْ صَنَادِيقِهَا، اسْتِجَابَةً لِلْأَنْظِمَةِ الرَّقْمِيَّةِ، يُجَسِّدُ انْتِقَالَ الْكَلِمَةِ مِنْ «قَدَاسَةِ الْمَلْمُوسِ» إِلَى «حِرَاسَةِ الْخَوَارِزْمِيَّاتِ». هُنَا، يُعَادُ إِنْتَاجُ ثُنَائِيَّةٍ حَادَّةٍ بَيْنَ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ؛ فَبَيْنَمَا يَغْرَقُ الْفَضَاءُ الْعُلْوِيُّ فِي تَرَانِيمِ الْقِرَاءَةِ وَالتَّأَمُّلِ، تَنْهَمِكُ الْمَاكِنَاتُ فِي الْأَسْفَلِ فِي صِيَاغَةِ «ذَاكِرَةٍ مُمَيْكَنَةٍ». هَذَا الْمَشْهَدُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَقَدُّمٍ تَقْنِيٍّ، بَلْ هُوَ فِعْلُ «أَرْشَفَةٍ سِيَادِيَّةٍ» تُعِيدُ إِنْتَاجَ التَّارِيخِ وَفْقَ سَرْدِيَّةِ الهَيْمَنَةِ؛ حَيْثُ تُحْبَسُ التَّجْرِبَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ الْحَيَّةُ فِي صَنَادِيقَ مُصْمَتَةٍ، وَتُصْبِحُ الذَّاكِرَةُ خَاضِعَةً لِسَيْطَرَةِ «الرُّؤْيَةِ الْآلِيَّةِ» الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ الْبَاحِثِ وَبَيْنَ الْمَادَّةِ التَّارِيخِيَّةِ بِبُرُودٍ تِكْنُولُوجِيٍّ. إِنَّهَا الْحَدَاثَةُ حِينَ تَتَحَوَّلُ إِلَى حَارِسٍ عَلَى الْحِكَايَةِ، تَرْفَعُهَا إِلَى الضَّوْءِ مَتَى شَاءَتْ، وَتُبْقِيهَا فِي عَتَمَةِ الْأُكْسُجِينِ الْمُنْخَفِضِ مَتَى أَرَادَتْ، مِمَّا يُعَزِّزُ الْهَيْمَنَةَ عَلَى الرِّوَايَةِ التَّارِيخِيَّةِ عَبْرَ أَدَوَاتِ «الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ» الَّتِي تُعِيدُ تَعْرِيفَ صِلَتِنَا بِالْمَاضِي.

بِهَذَا التَّضَافُرِ بَيْنَ «جَمَالِيَّةِ الزَّهْرَةِ» وَ«سَطْوَةِ الرُّوبُوتِ»، تَنْغَلِقُ الدَّائِرَةُ عَلَى الْمَكَانِ الْمَسْلُوبِ. فَالزَّهْرَةُ فَوْقَ الْأَرْضِ تُزَيِّفُ الْهُوِيَّةَ بِالْأُسْطُورَةِ، وَالرُّوبُوتُ تَحْتَ الْأَرْضِ يَحْبِسُ التَّارِيخَ فِي صَنَادِيقَ مُفَرَّغَةٍ مِنَ الْأُكْسُجِينِ؛ وَكَأَنَّ الذَّاكِرَةَ لَا تَحْيَا إِلَّا حِينَ تُخْنَقُ أَنْفَاسُهَا الْوَاقِعِيَّةُ. إِنَّ هَذِهِ «الْهَنْدَسَةَ لِلنِّسْيَانِ» تَسْعَى لِتَغْيِيبِ صَاحِبِ الْأَرْضِ الْحَقِيقِيِّ، لَكِنَّ فِعْلَ الْمُقَاوَمَةِ الْأَنْثْرُوبُولُوجِيَّةِ يَبْقَى مَرْهُوناً بِتِلْكَ الْعَلَاقَةِ الْعُضْوِيَّةِ الَّتِي لَا تَعْرِفُهَا الْآلَاتُ، وَلَا تَصْنَعُهَا الْمَعَارِضُ؛ إِنَّهَا نَبْضُ الْحَيَاةِ فِي حَجَرِ الْبَيْتِ، وَجُذُورُ الزَّيْتُونِ الَّتِي تَرْفُضُ أَنْ تَصِيرَ مُجَرَّدَ رَقْمٍ فِي سِجِلٍّ آلِيّ.

بَيْدَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ النَّقْدِيَّةَ لِهَذَا الصَّرْحِ تَكْشِفُ طَبَقَةً أَعْمَقَ تَتَجَاوَزُ جَمَالِيَاتِ الْحَجَرِ وَالنُّورِ. فَالْمَكْتَبَةُ صُمِّمَتْ لِتَكُونَ مَكْتَبَةً عَامَّةً وَمَتْحَفاً فِي آنٍ وَاحِدٍ؛ إِلَّا أَنَّ هَذَا التَّمَرْكُزَ حَوْلَ الْكَلِمَةِ الْمَكْتُوبَةِ لَا يَأْتِي بَرِيئاً، بَلْ يُسَخَّرُ لِإِعَادَةِ إِنْتَاجِ سَرْدِيَّةٍ صِهْيُونِيَّةٍ تَسْتَحْوِذُ عَلَى التُّرَاثِ الْمِعْمَارِيِّ الْفِلَسْطِينِيِّ وَالْإِرْثِ الثَّقَافِيِّ الْعَرَبِيِّ، وَتُعِيدُ تَقْدِيمَهُ ضِمْنَ خِطَابِ «الْعِمَارَةِ الْعَالَمِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ». فَفِي هَذَا الْإِطَارِ، لَا تَغْدُو الْمَكْتَبَةُ مُجَرَّدَ صَرْحٍ مَعْرِفِيٍّ، بَلْ أَدَاةٌ رَمْزِيَّةٌ لِإِعَادَةِ صِيَاغَةِ التَّارِيخِ؛ حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ إِلَى سُلْطَةٍ، وَالْمَتْحَفُ إِلَى فَضَاءٍ اسْتِشْرَاقٍ عُمْرَانِيٍّ، يُعِيدُ تَمْوِيهَ وَطَمْسَ الْعَبْقَرِيَّةِ الْحَضَارِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ تَحْتَ غِطَاءِ الْعَوْلَمَةِ الثَّقَافِيَّةِ. وَفِي هَذَا التَّوَازِي بَيْنَ الْمَتْحَفِ وَالْكِتَابِ، بَيْنَ الْحَجَرِ وَالتِّقْنِيَّةِ، تَتَجَلَّى الْمَكْتَبَةُ كَكَائِنٍ حَيٍّ مُزْدَوِجٍ: يَحْتَفِي بِالْكَلِمَةِ، وَيُخْضِعُهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ لِمَنْطِقِ الْهَيْمَنَةِ السَّرْدِيَّةِ، لِتَبْقَى الْمَعْرَكَةُ —فِي جَوْهَرِهَا— مَعْرَكَةً عَلَى الْمَعْنَى، وَعَلَى مَنْ يَمْلِكُ حَقَّ كِتَابَةِ تَارِيخِ الْمَكَانِ.

فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ حَدِيقَةِ المُتْحَفِ، فِيمَا يُسَمَّى "حَدِيقَةَ الحُرُوفِ"، يَرْتَسِمُ مَشْهَدٌ بَصَرِيٌّ لَا يَكْتَفِي بِمُصَافَحَةِ الهَوَاءِ الطَّلْقِ، بَلْ يَفْرِضُ عَلَى الزَّائِرِ مُوَاجَهَةً مَعَ نُصُبٍ أَيْدِيُولُوجِيٍّ صَامِتٍ. هُنَا، يَتَجَلَّى "الحَجَرُ المِزِّيُّ المَقْدِسِيُّ" لَا كَعُنْصُرٍ مِعْمَارِيٍّ أَصِيلٍ، بَلْ كَأَدَاةٍ لِتَجْسِيدِ مَحْوِ الوُجُودِ الفِلَسْطِينِيِّ؛ حَيْثُ تُنْحَتُ الحُرُوفُ العِبْرِيَّةُ فِي خَاصِرَةِ الحَجَرِ الصَّلْبِ، لَا لِتَكُونَ مُجَرَّدَ زِينَةٍ مِعْمَارِيَّةٍ، بَلْ لِتُؤَدِّيَ دَوْرًا وَظِيفِيًّا فِي عَمَلِيَّةِ طَمْسِ الهُوِيَّةِ.

فَفِي تِلْكَ التَّشْكِيلَةِ الفَنِّيَّةِ، يَبْرُزُ الحَجَرُ المِزِّيُّ كَلَوْحَةٍ صَامِتَةٍ تَهْدِفُ إِلَى تَرْسِيخِ اللُّغَةِ العِبْرِيَّةِ وَأَسْبَقِيَّتِهَا؛ فِي مُحَاوَلَةٍ قَسْرِيَّةٍ لِإِيهَامِ الزَّائِرِ بِأَنَّ هَذِهِ الكَلِمَاتِ نَبَتَتْ مِنْ صَمِيمِ الأَرْضِ الفِلَسْطِينِيَّةِ، تَمَامًا كَمَا تَنْبُتُ صُخُورُهَا العَتِيقَةُ

إِنَّ هَذَا التَّوْظِيفَ لِلْحَجَرِ المَقْدِسِيِّ يُمَثِّلُ ذُرْوَةَ الِاسْتِحْوَاذِ الثَّقَافِيِّ؛ إِذْ يُسْتَلَبُ "الحَجَرُ المِزِّيُّ" مِنْ سِيَاقِهِ الفِلَسْطِينِيِّ لِيُصْبَحَ مَنَصَّةً لِـ "عَزْلِ العِبْرِيَّةِ" كَكِيَانٍ مُنْفَصِلٍ وَمُقَدَّسٍ. وَفِي هَذَا الفَضَاءِ، يَبْرُزُ تَغْيِيبُ الإِرْثِ الكَنْعَانِيِّ كَفِعْلٍ مُتَعَمَّدٍ؛ فَتُبْتَرُ الصِّلَةُ التَّارِيخِيَّةُ بِالأَبْجَدِيَّاتِ الفِينِيقِيَّةِ وَالكَنْعَانِيَّةِ، وَتُطْمَسُ جُذُورُ الكَلِمَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ عَمِيقًا فِي "بِيبْلُوسَ" وَ"أُوغَارِيتَ" قَبْلَ آلَافِ السِّنِينَ.

هَذَا الطَّمْسُ لِلِامْتِدَادِ التَّارِيخِيِّ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِهْمَالٍ، بَلْ هُوَ اسْتِرَاتِيجِيَّةٌ لِعَزْلِ اللُّغَةِ عَنْ مُحِيطِهَا الكَنْعَانِيِّ وَالآرَامِيِّ، وَتَقْدِيمِهَا كَمُعْجِزَةٍ لُغَوِيَّةٍ مَقْطُوعَةِ الصِّلَةِ عَنْ جِيرَانِهَا وَأَجْدَادِهَا

إِنَّ هَذَا النَّحْتَ يُمَثِّلُ ذُرْوَةَ الِاسْتِحْوَاذِ الثَّقَافِيِّ؛ حَيْثُ يُسْتَلَبُ "الحَجَرُ المِزِّيُّ" مِنْ سِيَاقِهِ الفِلَسْطِينِيِّ لِيُصْبَحَ مَنَصَّةً لِـ "عَزْلِ العِبْرِيَّةِ" كَكِيَانٍ مُنْفَصِلٍ وَمُقَدَّسٍ. وَفِي هَذَا الفَضَاءِ، يَبْرُزُ دَوْرُ الهَنْدَسَةِ المِعْمَارِيَّةِ وَهَنْدَسَةِ الحَدَائِقِ كَأَدَاةٍ لِلْهَيْمَنَةِ؛ فَتُبْتَرُ الصِّلَةُ التَّارِيخِيَّةُ بِالأَبْجَدِيَّاتِ الكَنْعَانِيَّةِ، وَتُطْمَسُ جُذُورُ الكَلِمَةِ الَّتِي تَجَلَّتْ فِي "بِيبْلُوسَ" وَ"أُوغَارِيتَ".

إِنَّ هَذَا الطَّمْسَ لِلِامْتِدَادِ التَّارِيخِيِّ لَيْسَ وَلِيدَ الصُّدْفَةِ، بَلْ هُوَ اسْتِرَاتِيجِيَّةٌ لِعَزْلِ اللُّغَةِ عَنْ مُحِيطِهَا الكَنْعَانِيِّ وَالآرَامِيِّ، وَتَقْدِيمِهَا كَمُعْجِزَةٍ لُغَوِيَّةٍ مَقْطُوعَةِ الصِّلَةِ عَنْ أَجْدَادِهَا، مِمَّا يُعَزِّزُ حَالَةً مِنَ العَمَى التَّارِيخِيِّ تَهْدِفُ إِلَى تَغْيِيبِ الرِّوَايَةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ.

وَهَكَذَا، بَيْنَ الحَجَرِ وَالضَّوْءِ، وَبَيْنَ المِعْمَارِ وَالآلَةِ، وَبَيْنَ الزَّهْرَةِ وَالأُسْطُورَةِ، تَتَجَلَّى المَكْتَبَةُ الوَطَنِيَّةُ كَـ "اسْتِحْوَاذٍ" يَحْتَفِي بِالكَلِمَةِ وَيَحْرُسُهَا، لَكِنَّهُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ أَدَاةٌ لِإِعَادَةِ صِيَاغَةِ التَّارِيخِ وَفْقَ مَنْظُومَةِ هَيْمَنَةٍ بَصَرِيَّةٍ. هُنَا، الكَلِمَةُ هِيَ الجِسْرُ وَالسُّلْطَةُ، وَالحَجَرُ هُوَ الوَسِيطُ وَالرَّمْزُ، وَالمَكَانُ بِرُمَّتِهِ نَصٌّ حَيٌّ يَرْوِي قِصَّةَ صِرَاعِ الذَّاكِرَةِ، حَيْثُ تَتَدَاخَلُ العِمَارَةُ مَعَ الهُوِيَّةِ فِي صِرَاعٍ مَحْمُومٍ عَلَى السِّيَادَةِ.

هكذا، تتحول "حديقة الحروف" من مساحة للتأمل الجمالي إلى فضاء استيطاني رمزي بامتياز. تصبح الحديقة أداة لـ إعادة هندسة الذاكرة، حيث يُستقبل المهاجرون برموز بصرية تُعزز شعور "الأرض الموعودة"، بينما يُفرض على المكان حالة من العمى التاريخي تهدف إلى تغييب الرواية الفلسطينية تماماً. في هذا الركن، يتحالف الحجر مع الحرف لإلغاء التاريخ الحقيقي، وتحويل الذاكرة الجمعية إلى لوحة أحادية اللون، لا ترى في عراقة "المزي" إلا ظلاً للرواية الصهيونية، متجاهلةً الأيدي التي طوعت هذا الحجر لقرون قبل أن تُنصب فيه هذه الحروف الغريبة عن روحه الكنعانية.

وَهَكَذَا، بَيْنَ الحَجَرِ وَالضَّوْءِ، وَبَيْنَ المِعْمَارِ وَالآلَةِ، وَبَيْنَ الزَّهْرَةِ وَالأُسْطُورَةِ، وَبَيْنَ السَّقْفِ الخَارِجِيِّ المَمْدُودِ كَصَفْحَةِ كِتَابٍ وَالفَتْحَةِ الدَّائِرِيَّةِ لِلْبِئْرِ "الإِيجَاصِيِّ" الشَّكْلِ، تَتَجَلَّى عِمَارَةُ المَكْتَبَةِ الوَطَنِيَّةِ كَـ "اسْتِحْوَاذٍ" يَحْتَفِي بِالكَلِمَةِ وَيَحْرُسُهَا، لَكِنَّهُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ أَدَاةٌ لِإِعَادَةِ صِيَاغَةِ التَّارِيخِ وَفْقَ مَنْظُومَةِ هَيْمَنَةٍ بَصَرِيَّةٍ. فَفِي الأَعْلَى، قَاعَاتُ المُطَالَعَةِ الرَّحْبَةُ، وَفِي الأَعْمَاقِ، خَزَائِنُ آلِيَّةٌ تَتَنَفَّسُ بِصَمْتٍ؛ لِتَظَلَّ هَذِهِ العِمَارَةُ جِسْرًا أَبَدِيًّا بَيْنَ قَدَاسَةِ المَاضِي وَتَطَلُّعَاتِ المُسْتَقْبَلِ، بَيْنَ عَبْقَرِيَّةِ الحَضَارَةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ المَطْمُوسَةِ، وَسَرْدِيَّةِ العِمَارَةِ العَالَمِيَّةِ الحَدِيثَةِ. هُنَا، الكَلِمَةُ هِيَ الجِسْرُ وَالسُّلْطَةُ، وَالحَجَرُ هُوَ الوَسِيطُ وَالرَّمْزُ، وَالمَكَانُ بِرُمَّتِهِ نَصٌّ حَيٌّ يَرْوِي قِصَّةَ صِرَاعِ الذَّاكِرَةِ وَالهَيْمَنَةِ، حَيْثُ تَتَدَاخَلُ الأُسْطُورَةُ وَالرَّمْزُ وَالعِمَارَةُ فِي صِرَاعٍ مَحْمُومٍ حَوْلَ الهُوِيَّةِ وَعَلَى السِّيَادَةِ.