• 20 كانون الثاني 2026
  • مقابلة خاصة

 

بقلم : الدكتور علي قليبو


تَجَلَّتْ قُدْسِيَّةُ المَسْجِدِ الأَقْصَى المُبَارَكِ فِي لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ؛ بِوَصْفِهَا التَّتِمَّةَ الرُّوحِيَّةَ لِمَكَانَتِهِ كَأُولَى القِبْلَتَيْنِ وَمُسْتَقَرِّ الرِّحَالِ، وَالحَدَثَ الَّذِي احْتَوَى فِيهِ الإِسْلَامُ الرِّسَالَاتِ السَّابِقَةَ. فَفِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، بَارَكَ اللهُ القُدْسَ وَاسْتَفَاضَتْ بَرَكَتُهُ؛ لِتُرَسِّخَ مَكَانَةَ المَسْجِدِ الأَقْصَى كَثَالِثِ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَعَلَى قَدَمِ المُسَاوَاةِ مَعَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ؛ لِبَيَانِ وَحْدَةِ القُدْسِيَّةِ فِي العَقِيدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ. فَفِي هَذَا الحَيِّزِ، لَمْ يَعُدْ المَعْلَمُ الجُغْرَافِيُّ مُجَرَّدَ حِجَارَةٍ صَامِتَةٍ، بَلْ غَدَا رَمْزاً حَيّاً يُكَثِّفُ التَّارِيخَ، وَتُضْفِي عَلَيْهِ ذِكْرَى المِعْرَاجِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ هَالَةً صُوفِيَّةً شَكَّلَتْ هُوِيَّةَ القُدْسِ وَعِمَارَتَهَا؛ بَدْءاً مِنَ الفَتْحِ العُمَرِيِّ وَالعَصْرِ الأُمَوِيِّ وَالفَاطِمِيِّ، مُرُوراً بِالبِنَاءِ الأَيُّوبِيِّ وَالمَمْلُوكِيِّ وَالعُثْمَانِيِّ؛ حَيْثُ تَتَمَاهَى الجُغْرَافِيَا بِالسَّرْدِيَّةِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي يُعَزِّزُهَا "خِطَابُ فَضَائِلِ القُدْسِ" الأَدَبِيُّ.

إِنَّ تَمَازُجَ المَعْلَمِ العُمْرَانِيِّ بِأَحْدَاثِ لَيْلَةِ المِعْرَاجِ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى المُبَارَكِ يَبْعَثُ فِي الوِجْدَانِ هَيْبَةَ "الحُضُورِ القُدْسِيِّ"؛ إِذْ تَكْتَسِبُ القُدْسُ فِي الوِجْدَانِ الإِسْلَامِيِّ عَامَّةً، وَفِي الفِكْرِ الصُّوفِيِّ خَاصَّةً، صَدَارَتَهَا بِوَصْفِهَا مَدِينَةَ المِعْرَاجِ الأُولَى، وَقِبْلَةَ الأَرْوَاحِ، وَمَهْوَى القُلُوبِ. وَهُنَا، يَتَجَلَّى التَّصْمِيمُ الهَنْدَسِيُّ البَدِيعُ فِي جَلَالِ الخُشُوعِ؛ لِتُصْبِحَ زِيَارَةُ الحَرَمِ القُدْسِيِّ ارْتِقَاءً رُوحِيّاً يَتَجَاوَزُ حُدُودَ المَادَّةِ، وَيَدْمُجُ مَحَبَّةَ اللهِ بِمَحَبَّةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ فِي وَحْدَةٍ إِيمَانِيَّةٍ تُمَثِّلُ جَوْهَرَ التَّوْحِيدِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ".

ينْبَهِرُ الزَّائِرُ حِيَالَ مَشْهَدِ "قُبَّةِ الصَّخْرَةِ" الذَّهَبِيَّةِ وَهِيَ تَوْمِضُ عَلَى المَصْطَبَةِ العُلْيَا، تَتَرَاءَى لِلْعَيْنِ مِنْ ثُغْرَةِ البَابِ الأَخْضَرِ المُشْرَعِ وَمِنْ خَلْفِ أَشْجَارِ الصَّنَوْبَرِ وَالسَّرْوِ؛ فَيَتَوَقَّفُ مُنْدَهِشاً، مُتَأَمِّلاً بِخُشُوعٍ، مُتَضَرِّعاً عَلَى عَتَبَةِ "بَابِ القَطَّانِينَ"؛ حَيْثُ يَغْمُرُهُ شُعُورٌ عَارِمٌ مِنَ البَهْجَةِ وَالنَّشْوَةِ الرُّوحَانِيَّةِيَتَحَوَّلُ هُنَا الوُقُوفُ إِلَى مَوْقِفٍ تَأَمُّلِيٍّ تَعَبُّدِيٍّ؛ فَالرِّبَاطُ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ لَيْسَ مُجَرَّدَ ثَبَاتٍ جُغْرَافِيٍّ، بَلْ هُوَ طَقْسٌ إِيمَانِيٌّ يَرْفَعُ "فِعْلَ الوُجُودِ" إِلَى مَرْتَبَةِ العِبَادَةِ، وَيَجْعَلُ مِنَ المَدِينَةِ "دَاراً لِلإِسْلَامِ" فِي جَوْهَرِهَا الرُّوحِيِّ وَمَرْكَزِيَّتِهَا الجُغْرَافِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ. إِنَّهَا الحَالَةُ الَّتِي يَتَدَاخَلُ فِيهَا المَأْثُورُ الغَيْبِيُّ بِالوَاقِعِ المَعِيشِ، مُعْلِنَةً تَجَلِّيَ الحُضُورِ القُدْسِيِّ فِي سَاحَاتِ مَكَانٍ تَكْتَسِبُ فِيهِ الجُغْرَافِيَا السِّيَاسِيَّةُ قُدْسِيَّتَهَا مِنْ بَرَكَةِ الوَحْيِ وَثَبَاتِ المُرَابِطِينَ.

تَنْتَشِرُ وَتَتَآلَفُ فِي سَاحَاتِ الحَرَمِ المَدَارِسُ التَّارِيخِيَّةُ؛ كَالتَّنْكُزِيَّةِ، وَالأَشْرَفِيَّةِ، وَالنَّحْوِيَّةِ، وَالزَّوَايَا الصُّوفِيَّةُ، وَالأَرْوِقَةُ، وَالبَوَائِكُ (تِلْكَ القَنَاطِرُ المَهِيبَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِصَحْنِ الصَّخْرَةِ)، وَالسُّبُلُ الرَّخَامِيَّةُ كَسَبِيلِ «قَايْتِبَاي» وَسَبِيلِ السُّلْطَانِ «سُلَيْمَانَ القَانُونِيِّ»، وَمَوَاضِئُ المِيَاهِ الَّتِي يَتَصَدَّرُهَا «الكَأْسُ» بِشُمُوخِهِ بَيْنَ المَسْجِدِ القِبْلِيِّ وَقُبَّةِ الصَّخْرَةِ؛ حَيْثُ تَتَوَزَّعُ هَذِهِ الصُّرُوحُ الَّتِي أَرْسَى مَدَامِيكَهَا أُمَرَاءُ وَسَلَاطِينُ وَحُكَّامٌ وَعُلَمَاءُ تَعَاقَبُوا عَبْرَ العُصُورِ، لِيَتْرُكُوا فِيهَا بَصَمَاتِهِمْ بِتَنَاسُقٍ جَمَالِيٍّ مُبْهِرٍ رَغْمَ تَوْزِيعِهَا غَيْرِ المُتَنَاظِرِ فِي سَاحَاتِ المَسْجِدِ العُلْيَا وَالدُّنْيَا؛ فِيمَا تَتَرَبَّعُ القُبَّةُ الذَّهَبِيَّةُ فِي القَلْبِ تَحُفُّهَا القِبَابُ الصَّغِيرَةُ وَمُصَلَّيَاتُ الذِّكْرِ؛ مِثْلُ قُبَّةِ الخَلِيلِيِّ (وَتُعْرَفُ بِزَاوِيَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الخَلِيلِيِّ)، وَقُبَّةِ السَّلْسَلَةِ، وَقُبَّةِ المِعْرَاجِ، بِجَانِبِ خَلَوَاتِ صَحْنِ الصَّخْرَةِ المُقَبَّبَةِ الَّتِي تُطَوِّقُ الصَّحْنَ العُلْوِيَّ، وَكَذَلِكَ القُبَّةُ النَّحْوِيَّةُ، وَمَصَاطِبُ الصَّلَاةِ الحَجَرِيَّةُ كَمَصْطَبَةِ «الكَأْسِ» وَ«الظَّاهِرِ» وَ«سَبِيلِ قَايْتِبَاي»؛ لِتُكْمِلَ هَذِهِ التَّفَاصِيلُ لَوْحَةَ العِمَارَةِ فِي مَشْهَدِ التَّجَلِّي الَّذِي شَهِدَ عُرُوجَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ، حَيْثُ يَتَمَاهَى المَأْثُورُ الغَيْبِيُّ بِالوَاقِعِ الوِجْدَانِيِّ، فَيَتَبَدَّى مَرْأَى القُبَّةِ لِلْعَيْنِ كَرُؤْيَا كَشْفِيَّةٍ تَتَمَاهَى مَعَهَا الأَحَاسِيسُ انْبِهَاراً بِبَهَائِهَا السَّنِيِّ، مُبَدِّدَةً لَوَاعِجَ الِاغْتِرَابِ الوُجُودِيِّ، وَهُنَا، يُذْكِي فَيْضُ الِامْتِدَادِ الرُّوحِيِّ فِي الرِّحَابِ إِحْسَاساً بِـ «الجَلَالِ»؛ فَتَفِيضُ المَآقِي دَمْعاً مُمْتَزِجاً بِعَبَقِ العِمَارَةِ، لِيَذُوبَ الكِيَانُ فِي لَحْظَةٍ سَرْمَدِيَّةٍ مِنَ الوَجْدِ، وَيَفِيضَ اللِّسَانُ بِالذِّكْرِ، فَيَنْطَلِقَ نِدَاءُ «سُبْحَانَ اللهِ» بِشَكْلٍ لَا إِرَادِيٍّ؛ اسْتِجَابَةً لِرَوْعَةِ المَكَانِ وَجَلَالِ الحُضُور.

تَوْمِضُ بَيْتُ المَقْدِسِ فِي الوَعْيِ الإِسْلَامِيِّ بِوَصْفِهَا رُكْناً جَوْهَرِيّاً فِي بِنْيَةِ الإِيمَانِ؛ فَلَقَدْ سَنَّ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ شَدَّ الرِّحَالِ إِلَى الحَوَاضِرِ الثَّلَاثِ فِي حَلْقَةٍ مُتَّصِلَةٍ مُنْفَصِلَةٍ، تَجْعَلُ مِنْهَا مِرْآةً لِبَعْضِهَا البَعْضِ دُونَ تَنَافُسٍ أَوْ عَلَاقَةٍ هَرَمِيَّةٍ؛ فَكُلُّ مَدِينَةٍ تَمْنَحُ الأُخْرَى مَعْنَاهَا الرُّوحِيَّ. فَبَيْنَمَا تُمَثِّلُ مَكَّةُ "الأَصْلَ وَالبِدَايَةَ" وَالمَدِينَةُ "المُسْتَقَرَّ وَالدَّوْلَةَ"، تَبْرُزُ بَيْتُ المَقْدِسِ كَـ "بَوَّابَةِ السَّمَاءِ وَالرُّوحِ"؛ فَلَا يُمْكِنُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَشْعِرَ تَمَامَ قُدْسِيَّةِ مَكَّةَ دُونَ أَنْ يَرْبِطَهَا بِمِعْرَاجِهَا، فَهُمَا وَحْدَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالمَدِينَةُ هِيَ الضِّلْعُ الثَّالِثُ الَّذِي بِدُونِهِ لَا يَكْتَمِلُ مُثَلَّثُ القَدَاسَةِ فِي وَعْيِ المُسْلِمِ. إِنَّ القَدَاسَةَ فِيهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ صُدْفَةٍ أَوْ حَدَثٍ تَارِيخِيٍّ عَابِرٍ، بَلْ هِيَ "بَرَكَةٌ إِلَهِيَّةٌ مُقَدَّرَةٌ تَقْدِيراً"، وَمِثَالٌ أَعْلَى اسْتَقَرَّ فِي وَعْيِ الأُمَّةِ لِيَكُونَ مِقْيَاساً لِكُلِّ مَا هُوَ مُقَدَّسٌ؛ فَقَدْ حُدِّدَتْ مَعَالِمُ بَرَكَتِهَا فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَقَصَصِ الأَنْبِيَاءِ، لِتَتَجَلَّى كَصُورَةٍ مِثَالِيَّةٍ مُكْتَمِلَةٍ تَتَحَدَّى عُنْصَرَ الزَّمَنِ؛ لِتَبْقَى نَمُوذَجاً ثَابِتاً رَغْمَ كُلِّ المُتَغَيِّرَاتِ الجُغْرَافِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ.

فِي تَجَلٍّ كَوْنِيٍّ قُدْسِيٍّ مَهِيبٍ، شَهِدَتْهُ لَيْلَةٌ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ، تَبَلْوَرَ الحَدَثُ الرَّمْزِيُّ الأَكْبَرُ: الإِسْرَاءُ وَالمِعْرَاجُ؛ حَيْثُ انْطَلَقَ النَّبِيُّ فِي رِحْلَةٍ لَيْلِيَّةٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، ارْتَقَى مِنْهَا إِلَى السَّمَاوَاتِ العُلَى. تُمَثِّلُ الرِّحْلَةُ الأُفُقِيَّةُ «الإِسْرَاءَ»، بَيْنَمَا يُجَسِّدُ الِارْتِقَاءُ العَمُودِيُّ نَحْوَ السَّمَاءِ مَفْهُومَ «المِعْرَاجِ»؛ تَعْبِيراً مَشْهَدِيّاً حَيّاً عَن اتِّصَالِ الأَرْضِ بِمَلَكُوتِ السَّمَاءِ، كَمَا خَلَّدَهَا النَّصُّ القُرْآنِيُّ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى}. لَحْظَةٌ انْفَتَحَتْ فِيهَا جُغْرَافِيَا المَكَانِ عَلَى اللَّانِهَائِيِّ، لِتُصْبِحَ حَلْقَةَ الوَصْلِ بَيْنَ عَالَمِ الشَّهَادَةِ وَعَالَمِ الغَيْبِ؛ فَلَمْ تَكُنِ الرِّحْلَةُ حَدَثاً يَنْصَاعُ لِتَقْيِيدِ الزَّمَنِ الخَطِّيِّ أَوْ يَرْتَهِنُ لِجُمُودِ الأَرْقَامِ. وَرَغْمَ اسْتِقْرَارِ الوَعْيِ الجَمْعِيِّ لِلْأُمَّةِ عَلَى لَيْلَةِ السَّابِعِ وَالعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ فِي السَّنَةِ العَاشِرَةِ لِلْبَعْثَةِ، يَنْفَلِتُ جَوْهَرُ الحَدَثِ مِنْ عِقَالِ التَّأْرِيخِ الحِسِّيِّ؛ لِيَسْتَقِرَّ فِي مَقَامِ التَّشْرِيفِ الإِلَهِيِّ، رَفْعاً لِقَدْرِهِ .

أَضْحَتِ القُدْسُ، غَدَاةَ لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ، مَنَارَةً لِلْقَدَاسَةِ، وَمَوْطِناً لِلْبَرَكَةِ وَالطَّهَارَةِ المُطْلَقَةِ؛ رَمْزاً مَادِيّاً وَبَوْصَلَةً عَقَائِدِيَّةً تَرْبِطُ بَيْنَ المَسَاجِدِ المُبَارَكَةِ، كَمَا خَلَّدَهُ التَّنْزِيلُ الحَكِيمُ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى}. لَا تُعَرَّفُ المَدِينَةُ هُنَا بِحِجَارَتِهَا وَتَارِيخِهَا المَادِّيِّ فَحَسْبُ، بَلْ بِدَوْرِهَا المَرْكَزِيِّ فِي رِسَالَةِ التَّوْحِيدِ؛ حَيْثُ تَلْتَحِمُ الجُغْرَافِيَا وَتَنْصَهِرُ فِي صَمِيمِ العَقِيدَةِ.

يتجَلَّى هَذَا المَنْظُورُ التَّوْحِيدِيُّ الجَامِعُ فِي إِقْصَاءِ التَّسْمِيَاتِ الَّتِي ارْتَبَطَتْ بِالْآلِهَةِ الْوَثَنِيَّةِ أَوِ النَّزَعَاتِ الْإِمْبِرَاطُورِيَّةِ السَّاعِيَةِ لِتَأْلِيهِ الذَّاتِ الْبَشَرِيَّةِ؛ كَاسْمِ "أُورْشَالِيمَ" الَّذِي ارْتَبَطَ فِي جِذْرِهِ الْكَنْعَانِيِّ بِالْإِلَهِ "سَالِمٍ" (إِلَهِ الغَسَقِ)، وَاسْمِ "إِيلِيَاءَ كَابِيتُولِينَا" (Aelia Capitolina) الَّذِي أَطْلَقَهُ الْإِمْبِرَاطُورُ الرُّومَانِيُّ "هَادْرِيَانُ" عَامَ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ لِلْمِيلَادِمَثَّلَ هَذَا المُسَمَّى الرُّومَانِيُّ إِعْلَاناً صَرِيحاً عَنْ مَحْوِ هُوِيَّةِ المَدِينَةِ الكَنْعَانِيَّةِ، حَيْثُ اسْتَحَالَتْ إِلَى بَلْدَةٍ مُحَرَّمَةٍ؛ لَمْ يَقْتَصِرْ حَظْرُ دُخُولِهَا عَلَى الأَقَلِّيَّةِ اليَهُودِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ شَمِلَ النَّصَارَى أَيْضاً، مَعَ تَضْيِيقِ الخَنَاقِ عَلَى القَبَائِلِ الكَنْعَانِيَّةِ وَاليَبُوسِيَّةِ الَّتِي اسْتَوْطَنَتْ "يَبُوسَ" مُنْذُ آلَافِ السِّنِينَ. أَقَامَ هَادْرِيَانُ فَوْقَ أَنْقَاضِ المُقَدَّسَاتِ القَدِيمَةِ مَعَابِدَ وَثَنِيَّةً، وَتَحْدِيداً فَوْقَ المُرْتَفَعِ الجَبَلِيِّ الَّذِي كَانَ مُقَدَّساً عِنْدَ الكَنْعَانِيِّينَ وَمُخَصَّصاً لِعِبَادَةِ آلِهَةٍ مِثْلَ "بَعْلٍ" وَ"عَاشِيرَةَ"؛ لِيُضْفِيَ بِذَلِكَ صِبْغَةً دِينِيَّةً عَلَى سُلْطَتِهِ الَّتِي نَاصَبَتِ السُّكَّانَ الأَصْلِيِّينَ وَمُعْتَقَدَاتِهِمُ العَدَاء.

تَحَرَّرَ الْوَعْيُ الْإِسْلَامِيُّ مِنْ ذَلِكَ الْإِرْثِ المُثْقَلِ بِالْوَثَنِيَّةِ وَالتَّمَرْكُزِ حَوْلَ الذَّاتِ المَلَكِيَّةِ، مُسْتَقِرّاً عَلَى تَسْمِيَاتٍ تُبْرِزُ طَهَارَةَ الْمَكَانِ؛ فَبَرَزَ اسْمُ "بَيْتِ الْمَقْدِسِ" كَإِشَارَةٍ صَرِيحَةٍ لِعَمَلِيَّةِ "تَحْرِيرٍ دَلَالِيٍّ" نَقَلَتِ الْمَدِينَةَ مِنْ حَيِّزِ النِّسْبَةِ إِلَى شُخُوصٍ كَـ "هَادْرِيَانَ"، أَوْ آلِهَةٍ مَحَلِّيِّينَ كَـ "سَالِمٍ"، إِلَى فَضَاءِ "الصِّفَةِ الْمُطْلَقَةِ" المُرْتَبِطَةِ بِالْخَالِقِ وَحْدَهُانْصَهَرَتْ بِذَلِكَ الْجُغْرَافِيَا بِالْقَدَاسَةِ، وَتَجَرَّدَتِ الْمَدِينَةُ مِنْ إِرْثِهَا الْقَوْمِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ الضَّيِّقِ لِتَتَحَوَّلَ مِنْ مُجَرَّدِ "مَرْكَزٍ جُغْرَافِيٍّ" إِلَى "فَضَاءٍ عَقَدِيٍّ وَظِيفِيٍّ"؛ يَرْبِطُ تَارِيخَ الْأَنْبِيَاءِ بِمُسْتَقْبَلِ التَّوْحِيدِ، مُؤَكِّدَةً عَلَى قُدْسِيَّةِ الْفَضَاءِ وَطَهَارَتِهِ الْمُطْلَقَةِ، وَارْتِبَاطِهِ الْوَثِيقِ بِجَوْهَرِ الْفِكْرِ وَالْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ.

 يَنْبَهِرُ الزَّائِرُ حِيَالَ مَشْهَدِ "قُبَّةِ الصَّخْرَةِ" الذَّهَبِيَّةِ وَهِيَ تَوْمِضُ عَلَى المَصْطَبَةِ العُلْيَا، تَتَرَاءَى لِلْعَيْنِ مِنْ ثُغْرَةِ البَابِ الأَخْضَرِ المُشْرَعِ وَمِنْ خَلْفِ أَشْجَارِ الصَّنَوْبَرِ وَالسَّرْوِ؛ فَيَتَوَقَّفُ مُنْدَهِشاً، مُتَأَمِّلاً بِخُشُوعٍ، مُتَضَرِّعاً عَلَى عَتَبَةِ "بَابِ القَطَّانِينَ"؛ حَيْثُ يَغْمُرُهُ شُعُورٌ عَارِمٌ مِنَ البَهْجَةِ وَالنَّشْوَةِ الرُّوحَانِيَّةِيَتَحَوَّلُ هُنَا الوُقُوفُ إِلَى مَوْقِفٍ تَأَمُّلِيٍّ تَعَبُّدِيٍّ؛ فَالرِّبَاطُ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ لَيْسَ مُجَرَّدَ ثَبَاتٍ جُغْرَافِيٍّ، بَلْ هُوَ شُعُورٌ دِينِيٌّ يَرْفَعُ "فِعْلَ الوُجُودِ" إِلَى مَرْتَبَةِ العِبَادَةِ، وَيَجْعَلُ مِنَ المَدِينَةِ "دَاراً لِلإِسْلَامِ" فِي جَوْهَرِهَا الرُّوحِيِّ وَمَحُورِيَّتِهَا الجُغْرَافِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِتَتَدَاخَلُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ لَوَاعِجُ المَأْثُورِ الغَيْبِيِّ بِالوَاقِعِ المَعِيشِ، مُعْلِنَةً تَجَلِّيَ الحُضُورِ القُدْسِيِّ فِي سَاحَاتِ مَكَانٍ تَكْتَسِبُ فِيهِ الجُغْرَافِيَا السِّيَاسِيَّةُ قُدْسِيَّتَهَا مِنْ بَرَكَةِ الوَحْيِ وَثَبَاتِ المُرَابِطِينَ.

تَفِيضُ قِصَّةُ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ بِالرُّمُوزِ الغَيْبِيَّةِ؛ حَيْثُ احْتَضَنَتِ الصَّخْرَةُ المُشَرَّفَةُ خُطَى النَّبِيِّ قَبْلَ عُرُوجِهِ، لِيَعُودَ عَلَى مَتْنِ "البُرَاقِ" الَّذِي يُشْتَقُّ اسْمُهُ مِنْ وَمِيضِ البَرْقِ؛ دَلَالَةً عَلَى سُرْعَةٍ تَتَجَاوَزُ أَبْعَادَ الزَّمَانِ وَالمَكَانِلَقَدْ تَنَاوَلَ المُفَكِّرُونَ هَذَا المِعْرَاجَ بِاجْتِهَادَاتٍ وَتَأْوِيلَاتٍ مُتَفَاوِتَةِ الأَبْعَادِ؛ سَعْياً لِتَنْزِيهِ الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ عَنْ أَيِّ تَمْثِيلٍ بَشَرِيٍّ أَوْ تَجْسِيدٍ مَادِّيٍّ يَحْصُرُ المُطْلَقَ فِي هَيْئَةٍ أَوْ حَيِّزٍتَبْقَى صُورَةُ "تَأْلِيهِ المَخْلُوقِ" أَوْ دَعْوَى "الحُلُولِ" مَرْفُوضَةً كُلِّيّاً فِي الفِكْرِ الإِسْلَامِيِّ؛ إِذْ تَقْضِي أَحْكَامُ العَقِيدَةِ بِوُجُودِ تَبَايُنٍ جَوْهَرِيٍّ وَبَوْنٍ شَاسِعٍ يَفْصِلُ القُدْسِيَّةَ المُتَعَالِيَةَ عَنِ الصِّفَاتِ البَشَرِيَّةِ المَحْدُودَةِيَظَلُّ المِعْرَاجُ رِحْلَةً رُوحِيَّةً تَخْتَرِقُ حُجُبَ الغَيْبِ دُونَ أَنْ تَمَسَّ التَّفَرُّدَ الإِلَهِيَّ فِي صَمَدَانِيَّتِهِ؛ حَيْثُ تَتَجَلَّى حَقِيقَةُ الأُلُوهِيَّةِ فِي صِفَةِ "الصَّمَدِ" الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ، المُنَزَّهِ عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ، وَالمُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ مَادَّةٍ أَوْ تَجْسِيدٍ.

نَرْتَقِي فِي حَضْرَةِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ رُوحَانِيّاً فِي فَضَاءِ "التَّرَقِّي" الإِنْسَانِيِّ المَشْمُولِ بِـ "البَرَكَةِ الإِلَهِيَّةِ"؛ فَنَحْنُ لَا نَقْرَأُ مُدَوَّنَةً فِي الجُغْرَافِيَا، بَلْ نُعَايِنُ الرِّحْلَةَ الَّتِي طَوَى فِيهَا الخَالِقُ لِنَبِيِّهِ الزَّمَانَ وَالمَكَانَ؛ لَا لِيَحْصُرَهُ فِي "جِهَةٍ" –تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً– بَلْ لِيُرِيَهُ مِنْ آيَاتِهِ مَا لَا يُدْرِكُهُ بَصَرٌ مَادِّيٌّتَتَبَوَّأُ لَيْلَةُ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ، تَبَعاً لِهَذَا الِارْتِقَاءِ، صَدَارَتَهَا فِي الخِطَابِ الصُّوفِيِّ وَالمُعْتَقَدَاتِ الشَّعْبِيَّةِ؛ كَتَعْبِيرٍ رَمْزِيٍّ عَنْ فَيْضِ "البَرَكَةِ" الَّتِي حَلَّتْ بِالـمُقَدَّسِ، وَنَسَجَتْ حَوْلَهَا الذَّاكِرَةُ الشَّعْبِيَّةُ رِوَايَاتٍ بَاهِرَةًاسْتَحَالَتِ الصَّخْرَةُ الـمُشَرَّفَةُ هُنَا شَاهِداً عَلَى انْبِثَاقِ القُدْسِيَّةِ، وَاتَّخَذَتْ وَظِيفَةً رَمْزِيَّةً بِوَصْفِهَا عَلَامَةً مَادِّيَّةً عَلَى تِلْكَ البَرَكَةِ الإِلَهِيَّةِ الحَاضِرَةِ فِي الرِّحْلَةِ اللَّيْلِيَّةِ المُدَّثِرَةِ بِغِلَالَةٍ مِنَ الغُمُوضِ.

تَغْدُو القُدْسُ بِهَذَا المِعْرَاجِ مَحَطَّ رِحَالِ الأَرْوَاحِ وَمُسْتَقَرَّ البَرَكَةِ الإِلَهِيَّةِ الأَزَلِيَّةِ؛ حَيْثُ إِنَّ "سِدْرَةَ المُنْتَهَى" كَانَتْ هِيَ الذِّرْوَةَ الَّتِي يَنْتَهِي عِنْدَهَا مِعْرَاجُ العُقُولِ، وَتَقِفُ دُونَهَا العُلُومُ عَجْزاً، وَيَكِلُّ الخَيَالُ إِعْيَاءً؛ فَلَمْ تَكُنْ "شَجَرَةً" بِحُدُودٍ جُغْرَافِيَّةٍ بَلْ كَانَتْ "تُخْمًا" يَفْصِلُ بَيْنَ مَعْلُومِ الخَلَائِقِ وَغَيْبِ الخَالِقِ، وَرَمْزاً إِلَهِيًّا لِقُصُورِ الإِدْرَاكِ البَشَرِيِّ أَمَامَ جَلَالِ الذَّاتِ؛ إِذْ كُلُّ مَا دُونَهَا مَسْمُوحٌ بِالنَّظَرِ فِيهِ، وَمَا وَرَاءَهَا غَيْبٌ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالبَصِيرَةِ، كَمَا تَرَدَّدَ صَدَاهَا فِي الآيَةِ القُرْآنِيَّةِ: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} الَّتِي تُؤَكِّدُ أَنَّ مُثُولَهُ أَمَامَ "الحُضُورِ الإِلَهِيِّ" لَمْ تُرَافِقْهُ مُشَاهَدَةٌ بَصَرِيَّةٌ وَلَا حُضُورٌ مَادِّيٌّ.

تَتَجَلَّى فَلْسَفَةُ "التَّنْزِيهِ" فِي أَبْهَى صُوَرِهَا حِينَ يُقَرِّبُ اللهُ عَبْدَهُ إِلَيْهِ؛ لَا قُرْبَ مَسَافَةٍ بَلْ قُرْبَ تَشْرِيفٍ وَمَكَانَةٍ، فَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ لَا يَحْوِيهِ عَرْشٌ وَلَا تَحُدُّهُ سِدْرَةٌ، لَكِنَّهُ جَعَلَ مِنْ تِلْكَ النُّقْطَةِ "مُنْتَهًى" لِيَعْلَمَ الإِنْسَانُ أَنَّ لِعَقْلِهِ حَدًّا، وَأَنَّ التَّوْحِيدَ الخَالِصَ هُوَ تَنْزِيهُ الخَالِقِ عَنِ "التَّكْيِيفِ" وَ"التَّجْسِيدِ المَادِّيِّ" حَتَّى فِي أَشَدِّ لَحَظَاتِ القُرْبِ مِنْهُ؛ حَيْثُ تَتَجَلَّى حَقِيقَةُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَقْرَبُ إِلَى عَبْدِهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ. وَصَلَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ فِي عُرُوجِهِ {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}؛ فِي إِشَارَةٍ بَلِيغَةٍ إِلَى أَنَّهُ بِالرَّغْمِ مِنِ اخْتِرَاقِهِ حُجُبَ المَادَّةِ، فَإِنَّ الذَّاتَ الإِلَهِيَّةَ تَظَلُّ حَاضِرَةً فِي القُلُوبِ وَمُنَزَّهَةً عَنِ البَصَرِ؛ بِمَعْنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَتَجَلَّ لَهُ مَادِّيًّا، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَلَفَّتْ بِنَظَرِهِ بَحْثًا عَنِ "حَيِّزٍ" لِلذَّاتِ، بَلْ لَزِمَ أَدَبَ الحُضُورِ فِي مَشْهَدٍ تُلَخِّصُهُ الآيَةُ: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}.

تَتَبَيَّنُ فِي لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ حَقِيقَةُ الأُلُوهِيَّةِ فِي صِفَةِ "الصَّمَدِ" الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ؛ فَلَا يَحْتَاجُ لِحَيِّزٍ، وَلَا يَنَالُ مِنْ صَمَدَانِيَّتِهِ تَأْلِيهُ المَخْلُوقِ، حَيْثُ تَتَبَوَّأُ هَذِهِ اللَّيْلَةُ صَدَارَتَهَا فِي الخِطَابِ الصُّوفِيِّ وَالمُعْتَقَدَاتِ الشَّعْبِيَّةِ كَتَعْبِيرٍ رَمْزِيٍّ عَنِ المُقَدَّسِ اسْتَحَالَتْ فِيهِ "الصَّخْرَةُ المُشَرَّفَةُ" شَاهِداً مَادِّيّاً عَلَى انْبِثَاقِ القُدْسِيَّةِ بَعْدَ أَنْ احْتَضَنَتْ خُطَى النَّبِيِّ فِي عُرُوجِهِ لِلسَّمَاءِ، حَيْثُ يَسُودُ الِاعْتِقَادُ الشَّعْبِيُّ بِأَنَّ الصَّخْرَةَ تَحْمِلُ طَبْعَةَ قَدَمِهِ حِينَ أَمَرَهَا بِالثَّبَاتِ بَعْدَمَا هَمَّتْ بِاللَّحَاقِ بِهِ؛ وَهِيَ الطَّبْعَةُ الَّتِي تُحْفَظُ اليَوْمَ فِي مَقْصُورَةٍ خَشَبِيَّةٍ بِالجِهَةِ الجَنُوبِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ، لِتُجَسِّدَ مَقُولَةَ صَدِيقِي الصُّوفِيِّ "الشَّيْخِ مُحَمَّد الجَمَلِ" بِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ لَا يَتْرُكُونَ أَثَراً فِي الرَّمْلِ، لَكِنَّ وَقْعَ أَقْدَامِهِمْ يَظْهَرُ جَلِيًّا عَلَى الصَّخْرِ

لَقَدْ تَطَوَّرَ عَبْرَ التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ "خِطَابٌ أَدَبِيٌّ سَرْدِيُّ الطَّابَعِ" انْفَرَدَ بِوَصْفِ وَتَمْجِيدِ فَضَائِلِ الـمُدُنِ الثَّلَاثِ الـمُقَدَّسَةِ: مَكَّةَ، وَالـمَدِينَةِ، وَالقُدْسِ؛ حَيْثُ حَرَصَ كِبَارُ الـمُؤَلِّفِينَ وَالرَّحَّالَةِ وَالشُّعَرَاءِ عَلَى أَنْ يَتَغَنَّوْا فِي سَرْدِيَّاتِهِمْ بِخَصَائِصِ وَفَرْدَانِيَّةِ هَذِهِ الـمُدُنِ الَّتِي تَنْطِقُ بِقُدْسِيَّتِهَا، فَيَبْرُزُ أَدَبُ "فَضَائِلِ القُدْسِ" كَنَوْعٍ مُتَمَيِّزٍ يُشْبِهُ دَلِيلًا سِيَاحِيّاً دِينِيَّ الطَّابَعِ، تَعُودُ جُذُورُهُ إِلَى العُقُودِ الأُولَى لِلْإِسْلَامِ، حَيْثُ وَجَدَتِ الرِّوَايَاتُ الـمَأْثُورَةُ مَكَانَهَا فِي هَذَا الأَدَبِ لِتُشَكِّلَ وَعْياً دِينِيّاً لِلْعَامَّةِ، مُثِيراً فُضُولَهُمْ وَمُقَرِّباً القُدْسَ إِلَى قُلُوبِهِمْ.

تَنْقُلُ إِلَيْنَا الْمَأْثُورَاتُ فِي سَرْدِيَّاتِ الْإِسْرَاءِ وَصْفاً مَهِيباً لِلَحْظَةِ امْتِطَاءِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ  صَهْوَةَ الْبُرَاقِ: "ثُمَّ أَتَاهُ جِبْرِيلُ بِالْبُرَاقِ؛ جَمِيلَ الْمَحْيَا، مُلْجَماً، دَابَّةً بَيْضَاءَ طَوِيلَةً، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، طَوِيلَ الْأُذُنَيْنِ؛ حَيْثُ إِذَا وَاجَهَ جَبَلاً طَالَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا هَبَطَ طَالَتْ يَدَاهُ، وَلَهُ جَنَاحَانِ عِنْدَ فَخِذَيْهِ يَمُدَّانِ رِجْلَيْهِ بِالْقُوَّةِ. اسْتَصْعَبَ الْبُرَاقُ حِينَ أَرَادَ النَّبِيُّ رُكُوبَهُ، فَوَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ زَاجِراً: أَلَا تَسْتَحِي يَا بُرَاقُ؟ فَوَاللَّهِ مَا رَكِبَكَ خَلْقٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ؛ فَاسْتَحَى الْبُرَاقُ حَتَّى ارْفَضَّ عَرَقاً وَقَرَّ مَكَانَهُ حَتَّى رَكِبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ".

 تَقْتَرِنُ لَيْلَةُ المِعْرَاجِ، كَمَا نُطَالِعُ فِي مَنَاهِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، بِتَلَقِّي النَّبِيِّ الأَمْرَ الإِلَهِيَّ بِالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ الَّتِي غَدَتْ عِمَادَ حَيَاةِ الـمُسْلِمِينَ؛ حَيْثُ شَرَعَ عِنْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى مَكَّةَ فِي إِقَامَةِ هَذِهِ الشَّعِيرَةِ، جَاعِلاً مِنَ القُدْسِ "القِبْلَةَ" الَّتِي يُوَلِّي الـمُسْلِمُونَ وُجُوهَهُمْ شَطْرَهَا، لِتَكْتَسِبَ المَدِينَةُ بِذَلِكَ لَقَبَهَا الخَالِدَ "أُولَى القِبْلَتَيْنِ"؛ إِذْ تَوَجَّهَ النَّبِيُّ وَالصَّحَابَةُ فِي صَلَاتِهِمْ نَحْوَهَا طَوَالَ مُقَامِهِمْ فِي مَكَّةَ، وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي الـمَدِينَةِ لِنَحْوِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً بَعْدَ الهِجْرَةِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الأَمْرُ الإِلَهِيُّ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِنَ القُدْسِ إِلَى مَكَّةَ.

تَغْدُو الصَّخْرَةُ الـمُبَارَكَةُ مِرْآةً تَعْكِسُ قَدَاسَةَ الـمَوْقِعِ؛ فَتُصْبِحُ مِشْكَاةَ نُورٍ تَهْدِي الـمُتَأَمِّلَ، وَتُزَكِّي فِي الـمُرِيدِ شَوْقَ الفَنَاءِ فِي المَحَبَّةِ، بَعْدَ أَنْ تَجَاوَزَتْ كَوْنَهَا حَيِّزاً مَكَانِيّاً صَامِتاً لِتُصْبِحَ مَنَارَةً تُحَفِّزُ الرُّوحَ عَلَى مُكَاشَفَةِ الحَقَائِقِ.

هَكَذَا تَلْتَئِمُ فِي جَوْهَرِ المِعْرَاجِ تَبَارِيحُ الأَشْوَاقِ بِيَقِينِ التَّنْزِيهِ؛ فَالرِّحْلَةُ لَمْ تَأْتِ لِتُخْبِرَنَا عَنْ مَسَافَاتٍ قُطِعَتْ، بَلْ عَنْ حُجُبٍ رُفِعَتْ، لِيَتَعَلَّمَ العَقْلُ فِي مَدْرَسَةِ «الصِّدِّيقِ» كَيْفَ يَعْرُجُ الرُّوحُ مِنْ ضِيقِ «الحَرْفِ» إِلَى رَحَابَةِ «المَعْنَى». إِنَّ كُلَّ سَجْدَةٍ هِيَ «سِدْرَةُ مُنْتَهَى» مَوْصُولَةٌ بِالغَيْبِ، يَسْتَبْطِنُ فِيهَا الْمُسْلِمُ حَقِيقَةَ «الإِنْسَانِ الكَامِلِ» كَمَا رَسَمَهَا ابْنُ عَرَبِيٍّ وَالجِيلِيُّ؛ حَيْثُ يَتَوَارَى مَنْطِقُ الأَرْضِ أَمَامَ جَلَالِ {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}، وَيَنْضَبِطُ الوَجْدُ بِأَدَبِ {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}.

فِي المِعْرَاجِ تَتَّحِدُ صِفَاتُ الحَقِّ بِصِفَاتِ الخَلْقِ، وَيَتَعَادَلُ جَمَالُ الأُنْسِ بِجَلَالِ القُدْسِ؛ حَيْثُ يَسُودُ التَّوَازُنُ التَّامُّ وَالسَّكِينَةُ المُطْلَقَةُ، وَتَخْشَعُ البَصَائِرُ وَتَنْتَهِي لَوَاعِجُ الكَلَامِ.