- 30 كانون الثاني 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : د. علي قليبو *
ملخص:
لَمْ تَكُنِ القُدْسُ فِي العَقِيدَةِ وَالفِكْرِ الإِسْلَامِيِّ مُجَرَّدَ جُغْرَافْيَا عَابِرَةٍ أَوْ ثَغْراً مِنَ الثُّغُورِ، بَلْ كَانَتْ تَجْسِيْداً لِرُؤْيَةٍ كَوْنِيَّةٍ تَمْتَدُّ جُذُورُهَا مِنَ التَّارِيخِ الكَنْعَانِيِّ الضَّارِبِ فِي القِدَمِ، وُصُولاً إِلَى لَحْظَةِ التَّحَوُّلِ الكُبْرَى فِي التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ. فِي هَذِهِ المَقَالَةِ، يَسْتَعْرِضُ الدُّكْتُور عَلِي قِلِيبُو التَّحَوُّلَ الجَوْهَرِيَّ لِلْمَدِينَةِ مِنْ مَرْحَلَةِ 'الوَعْدِ'—بِاعْتِبَارِهِ اسْتِشْرَافاً رُوحِيّاً وَنَبَوِيّاً—إِلَى مَرْحَلَةِ 'العَهْدِ' الَّتِي أَرْسَاهَا الخَلِيْفَةُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ. إِنَّ الفَتْحَ العُمَرِيَّ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ انْتِقَالٍ لِلسِّيَادَةِ السِّيَاسِيَّةِ، بَلْ كَانَ إِعَادَةَ صِيَاغَةٍ لِلْهُوِيَّةِ القُدْسِيَّةِ الحَضَارِيَّةِ لِلْمَدِينَةِ، وَالحِفَاظِ عَلَى تَعَدُّدِيَّةِ الخِطَابِ الدِّينيِّ فِيْهَا—وَالَّتِي رَسَّخَتْهَا كَلِمَةُ اللَّهِ فِي الآيَةِ: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (سورة الكافرون: 6). فَالإِسْلَامُ حَمَلَ مَنْظُومَةً تَعْتَرِفُ بِـ'الآخَرِ'، بِخِلَافِ أَيْدِيُولُوجِيَّاتٍ شَرَّعَتِ الإِبَادَةَ وَمَبْدَأَ 'الإِحْلَالِ'—وَهُوَ نَفْيُ السُّكَّانِ الأَصْلِيِّينَ وَاسْتِبْدَالُهُمْ بِآخَرِينَ عَبْرَ 'شَيْطَنَةِ' وُجُودِهِمْ لِتَبْرِيرِ مَحْوِهِمْ؛ حَيْثُ تَحَوَّلَتِ السِّيَادَةُ مِنْ مَفْهُومِ الإِبَادَةِ وَالإِحْلَالِ إِلَى مَفْهُومِ الِائْتِمَانِ وَالتَّعَايُشِ مَعَ الآخَرِ مَحَبَّةً فِي اللَّهِ، لِتَبْقَى القُدْسُ بَاباً مُشْرَعاً لِلسَّمَاءِ لِكُلِّ أَهْلِ الكِتَابِ، تَنْفِيذاً لِمَا أَقَرَّهُ التَّنْزِيْلُ: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} (سورة الحج: 40)."
تَطْرَحُ دِرَاسَةُ القُدْسِ تَحَدِّياً مَعْرِفِيّاً يَفِيضُ بِالتَّعْقِيدِ، وَإِشْكَالِيَّةً عِلْمِيَّةً تَتَقَاطَعُ فِيهَا اللِّسَانِيَّاتُ، وَعِلْمُ مُقَارَنَةِ الأَدْيَانِ، وَعِلْمُ الآثَارِ، وَالنُّظُمُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَالِاقْتِصَادِيَّةُ الزِّرَاعِيَّةُ؛ وَذَلِكَ مِنْ مَنْظُورِ عِلْمِ الحَضَارَاتِ الثَّقَافِيَّةِ، اجْتِهَاداً لِسَبْرِ أَغْوَارِهَا وَكَشْفِ أَبْعَادِهَا. إِذْ نَادِراً مَا تَقِفُ الرِّوَايَاتُ التَّارِيخِيَّةُ عَلَى حِيَادٍ، وَكَأَنَّ الزَّمَانَ هُنَا يُذْعِنُ لِلْمَنْطِقِ القَائِلِ: إنَّ المُنْتَصِرَ هُوَ القَاضِي دَوْماً، وَالمَهْزُومَ هُوَ المُتَّهَمُ.
إِنَّنَا أَمَامَ حَرَاكٍ سِيَاسِيٍّ عَالَمِيٍّ يَتَبَنَّى رُؤْيَةً تَقُومُ عَلَى التَّحْرِيفِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ الِانْتِقَائِيَّةِ، كَمَا نَتَبَيَّنُهَا فِي الصِّرَاعِ المُحْتَدِمِ حَوْلَ السِّيَادَةِ وَالتَّارِيخِ وَالهُوِيَّةِ الَّتِي تَمْتَدُّ لِتَشْمَلَ عُمُومَ فِلَسْطِينَ؛ حَيْثُ لَا يَنْسَابُ التَّارِيخُ فِي خَطٍّ بَسِيطٍ، بَلْ يَتَجَلَّى كَنَسِيجٍ مُتَشَابِكٍ يَنْهَلُ مِنَ الِاكْتِشَافَاتِ الأَثَرِيَّةِ، وَالتَّحَوُّلَاتِ اللُّغَوِيَّةِ، وَالمُعْتَقَدَاتِ العَقَائِدِيَّةِ الَّتِي تُحَاوِلُ تَجْمِيدَ المَكَانِ وَتَحْنِيطَ التَّارِيخِ لِصَالِحِ الطَّرَفِ المُنْتَصِرِ؛ تَنْفِيذاً لِسِيَاسَاتِ الِاسْتِحْوَاذِ وَالإِقْصَاءِ وَالإِحْلَالِ العِرْقِيِّ العَقَائِدِيِّ.
وَفِي هَذَا الإِطَارِ، حَيْثُ تَشْتَبِكُ المَصَالِحُ المَادِّيَّةُ وَالسِّيَاسِيَّةُ، تَتَقَاطَعُ سَرْدِيَّاتُ التَّوْرَاةِ مَعَ مَفَاهِيمِ العَقِيدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ؛ مِمَّا يَفْرِضُ لِزَاماً تَبَنِّي خِطَابٍ أَكَادِيمِيٍّ رَصِينٍ، يُدْرِكُ بِوَعْيٍ نَاقِدٍ عَدَمَ ثَبَاتِ الرِّوَايَةِ وَضَبَابِيَّةَ التَّشَكُّلَاتِ الَّتِي صَاغَتْ كَيْنُونَةَ المَدِينَةِ. وهُنَا تَنْكَشِفُ الفَجْوَةُ المَعْرِفِيَّةُ النَّاشِئَةُ عَنْ تَبَايُنِ نَهْجِ إِجْرَاءَاتِ الخِطَابِ التَّارِيخِيِّ المَادِّيِّ وَتَمَثُّلَاتِ القَدَاسَةِ العَقَائِدِيَّةِ؛ مِمَّا يَفْرِضُ تَفْكِيكَ بِنْيَةِ المَنْطِقِ الَّذِي أَدَارَ بِهِ الفَتْحُ العُمُرِيُّ هَذَا التَّعَارُضَ، مُؤَسِّساً لِعَلَاقَةٍ بَيْنَ إِلْزَامِيَّةِ العَهْدِ وَصَيْرُورَةِ المَقْدِسِ.
تنتصبُ الشواهدُ الأثريةُ في القدسِ كوثيقةٍ ماديةٍ دامغةٍ لا تقبلُ التَّأويلَ أو المواربة، مؤكدةً على العراقةِ الضاربةِ للمدينةِ في عُمقِ الزمانِ للمدينة في عمق التاريخ؛ إذ ترتدُّ جذورُ الاستقرارِ البشريِّ الأول حولَ "عينِ سلوان" إلى ما بين (4500-3500 ق.م). ويتجلى هذا الإعجازُ المعماريُّ في تلك الأسوارِ الكنعانيةِ العَموريَّةِ الضخمةِ التي يعودُ تاريخُ نشأتِها إلى العصر البرونزي الأوسط (القرن 17 ق.م)، حيثُ تتبعُ تقنيةَ "البناءِ الميغاليثي" (Megalithic)؛ وهي هندسةٌ جبارة تعتمدُ الحجارةَ العملاقةَ التي تزنُ أطناناً وترتفعُ لثمانيةِ أمتارٍ في كتلٍ صخريةٍ صماء. إنَّ هذا النمطَ المعماريَّ الفريد ليس مجردَ وسيلةٍ دفاعيةٍ عابرة، بل هو انعكاسٌ ماديٌّ صلب لوجودِ سلطةٍ مركزيةٍ كنعانيةٍ منظمةٍ وقوية، امتلكت من الرؤية الإدارية والمهارات الهندسية ما مكّنها من حشدِ المواردِ الفائقة قبلَ ظهورِ الممالكِ العبرانيةِ بقرونٍ طويلة.
ويتأصلُ هذا العمقُ الحضاريُّ بربطِ الكنعانيين بأصولهم العمورية (الآمورية)، حيث يُمثلُ اجدادنا اليبوسيون إحدى قبائلِهم المركزية التي أسَّست في منطقة القدس (يبوس) كينونتَها السيادية المستقلة. لم يكنِ الوجودُ اليبوسيُّ في المدينةِ معزولاً، بل شكَّلَ نواةً لـ تحالفٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ واقتصاديٍّ واسعٍ مع العشائرِ العموريةِ المجاورة، مُنتجاً منظومةَ "أمنٍ قومي كنعاني" متكاملة تهدفُ إلى حمايةِ المرتفعات الفلسطينية من موجاتِ الاختراقِ التي شنتها القبائلُ الغازيةُ الرُّحَّل. وقد تجلّى هذا الوعي الجيوسياسي في "مربعٍ استراتيجي" من الممالك والحواضر التي نلفظُ أسماءَها اليوم بنطقِها الكنعانيِّ الأصيل المنبثق من الأبجدية الكنعانية الأولى، والتي لا تزالُ جغرافيتُها تنطقُ بهويتها العربية الفلسطينية المعاصرة،
وَهُنَا يَبْرُزُ الدَّوْرُ المِحْوَرِيُّ لِلُّغَةِ فِي فِعْلِ المَحْوِ؛ فَقَدْ بَدَأَ الِاسْتِلَابُ بـِ 'تَحْرِيفٍ صَوْتِيٍّ' مُمَنْهَجٍ، يُمَثِّلُ أُولَى مَرَاحِلِ عَمَلِيَّةِ الطَّمْسِ وَالتَّزْيِيفِ. إِنَّ التَّسْمِيَةَ —فِي جَوْهَرِهَا— لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِطْلَاقِ أَسْمَاءٍ عَلَى الأَشْيَاءِ، بَلْ هِيَ 'فِعْلُ سِيَادَةٍ' وَقَبْضٌ عَلَى زِمَامِ الوُجُودِ؛ فَمَنْ يَمْلِكُ حَقَّ التَّسْمِيَةِ يَمْلِكُ بِالضَّرُورَةِ حَقَّ السَّيْطَرَةِ عَلَى المُسَمَّى. وَمِنْ خِلَالِ هَذَا 'التَّغْرِيبِ اللِّسَانِيِّ'، يَتِمُّ بَتْرُ الكَلِمَةِ عَنْ تَارِيخِهَا لِتَنْطَلِقَ عَمَلِيَّةُ الِاسْتِحْوَاذِ الكُبْرَى؛ حَيْثُ لَا يُصَادِرُ التَّحْرِيفُ جَرَسَ الحُرُوفِ فَحْسَبُ، بَلْ يُزَيِّفُ وَعْيَ صَاحِبِ الأَرْضِ بِهُوِيَّتِهِ، وَيُحِيلُ كَيْنُونَتَهُ الأَصِيلَةَ إِلَى مُجَرَّدِ أَثَرٍ مُسْتَلَبٍ فِي يَدِ القُوَّةِ الغَازِيَةِ
.إِنَّ إِجْرَاءَاتِ التَّزْيِيفِ وَالطَّمْسِ وَالِاسْتِحْوَاذِ مَنْظُومَةٌ مُمَنْهَجَةٌ (بِصُورَةٍ وَاعِيَةٍ أَوْ لَا وَاعِيَةٍ) اسْتَهْدَفَتِ الحَرْفَ الكَنْعَانِيَّ . فَبَيْنَمَا كَانَتِ 'السِّينُ اليَبُوسِيَّةُ' (س-ل-م) هِيَ النَّاطِقَ الأَصِيلَ بِاسْمِ المَدِينَةِ (أُور سَالِم) وَمَعْنَاهَا فِي العَقِيدَةِ الكَنْعَانِيَّةِ المُرْتَبِطِ بِالسَّكِينَةِ وَالتَّمَامِ، عَمَدَ التَّأْرِيخُ التَّوْرَاتِيُّ التَّنْقِيحِيُّ إِلَى إِزَاحَةِ هَذِهِ 'السِّينِ' وَاسْتِبْدَالِهَا بِـ 'الشِّينِ العِبْرِيَّةِ' لِتُصْبِحَ (أُور شَالِيم). إِنَّ هَذَا الإِبْدَالَ لَمْ يَكُنْ لِسَانِيّاً مَحْضاً، بَلْ كَانَ فِعْلاً سِيَادِيّاً اسْتِعْمَارِيّاً يَهْدِفُ إِلَى خَلْقِ 'فَرَاغِ ذَاكِرَةٍ' لَدَى صَاحِبِ الأَرْضِ، وَتَجْرِيدِ المَكَانِ مِنْ عُمْقِهِ الكَنْعَانِيِّ-العَرَبِيِّ لِصَالِحِ سَرْدِيَّةِ الغَازِي.
مَعَ انْتِشَارِ الدِّيَانَةِ المَسِيحِيَّةِ، تَعَوْلَمَ هَذَا التَّحْرِيفُ اللُّغَوِيُّ عَبْرَ التَّرْجَمَاتِ اليُونَانِيَّةِ القَدِيمَةِ لِمُصْطَلَحِ هِيَرُوسُولِيمَا - Ἱεροσόλυμα ؛ حَيْثُ اعْتَمَدَ 'المُتَرْجِمُونَ اليَهُودُ المَتَنَصِّرُونَ' النُّطْقَ العِبْرِيَّ 'المُعَبْرَنَ' كَمَرْجِعِيَّةٍ وَحِيدَةٍ لِنَقْلِ المَفَاهِيمِ إِلَى اليُونَانِيَّةِ. فَرَغْمَ أَنَّ المَسِيحَ —عَلَيْهِ السَّلَامُ— تَكَلَّمَ الآرَامِيَّةَ الفِلَسْطِينِيَّةَ (الَّتِي حَافَظَتْ عَلَى 'سِينِ' السَّلَامِ اليَبُوسِيَّةِ المُهَيْمِنَةِ فِي مُفْرَدَاتِ القَدَاسَةِ)، فَلَا تَنْحَصِرُ الإِشْكَالِيَّةُ فِي النَّقْلِ اللَّفْظِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ فِي نَقْلِ «الفِكْرِ العَقَائِدِيِّ» لِلِاسْمِ مِنْ سِيَاقِهِ الكَنْعَانِيِّ إِلَى السِّيَاقِ العِبْرِيِّ؛ لِصَالِحِ مِيثُولُوجْيَا «عِبْرِيَّةٍ-يُونَانِيَّةٍ» طَمَسَتْ مَعَالِمَ الوَاقِعِ الثَّقَافِيِّ الآرَامِيِّ وَاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ امْتِدَاداً لِلُّغَةِ الآرَامِيَّةِ وَالنُّطْقِ الكَنْعَانِيِّ المُنْدَرِسِ. وَبِسَبَبِ خُلُوِّ اليُونَانِيَّةِ مِنْ صَوْتِ «الشِّينِ»، اسْتَخْدَمَ المُتَرْجِمُونَ حَرْفَ «السِّيجْمَا»، لَكِنَّهُمْ ثَبَّتُوا «الِاشْتِقَاقَ المَعْنَوِيَّ» العِبْرِيَّ، وَهُوَ مَا تَسَلَّلَ لَاحِقاً إِلَى الأَنَاجِيلِ العَرَبِيَّةِ بِصِيغَةِ «أُورُشَلِيمَ» (بِالشِّينِ)؛ لِتَغْدُوَ فِي الوَعْيِ المَسِيحِيِّ أَدَاةً لِتَغْيِيبِ الهُوِيَّةِ الكَنْعَانِيَّةِ العَرَبِيَّةِ.
إِلَّا أَنَّ اسْمَ المَدِينَةِ ذَاتَهُ «أُور سَالِم» يَظَلُّ حَائِطَ صَدٍّ لُغَوِيٍّ يَرْفُضُ التَّزْيِيفَ؛ فَمِنْذُ أَوَّلِ ذِكْرٍ فِي نُصُوصِ اللَّعْنِ المِصْرِيَّةِ، َوُصُولاً إِلَى رَسَائِلِ تَلِّ العَمَارْنَةِ؛ حَيْثُ بَثَّ «عَبْدِي خِيبَا» -مَلِكُ أُورُو سَالِمَ الكَنْعَانِيُّ- استِغَاثَاتِهِ لِفِرْعَوْنِ مِصْرَ «أَمُنْحُتُب الرَّابِع (أَخْنَاتُون)» طَلَباً لِلْعَوْنِ العَسْكَرِيِّ ضِدَّ هَجَمَاتِ قَبَائِلِ «الخَبِيرو»، لِيَخُطَّ بِذَلِكَ اسْمُ (أُورُو سَالِمَ) مَسَاراً تَأْرِيخِيّاً ضَارِباً فِي القِدَمِ
ظَلَّتْ أُور سَالِم' (مَدِينَةُ إِلَهِ السِّلْمِ)، مِرْآةً لِتَقَلُّبَاتِ الزَّمَنِ مِنْ 'يَبُوسَ' الكَنْعَانِيَّةِ إِلَى 'إِيْلِيَا' الرُّومَانِيَّةِ وُصُولاً إِلَى 'القُدْسِ' العَرَبِيَّةِ. إِنَّ الِارْتِبَاطَ بِالجِذْرِ السَّامِيِّ (س-ل-م) يَمْتَدُّ لِيَدُلَّ عَلَى القَدَاسَةِ وَالكَمَالِ المُطْلَقِ، وَهُوَ ذَاتُهُ 'السَّلَامُ' الَّذِي تَجَلَّى فِي القُرْآنِ كَأَحَدِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الحُسْنَى؛ لِتَبْرُزَ العَبْقَرِيَّةُ اللُّغَوِيَّةُ فِي أَنَّ أَسْمَاءً مِثْلَ 'سَالِم، وَسَلِيْم، وَسَلَامَة' هِيَ اسْتِعَادَةٌ لِلْهُوِيَّةِ الأُولَى لِلْمَدِينَةِ الَّتِي تَتَرَفَّعُ عَنِ العَقَائِدِ الضَّيِّقَةِ وَتَجْعَلُ مِنَ السَّلَامِ مِيثَاقاً لِلْوُجُودِ وَتَجَلِّياً لِلطُّهْرِ الإِلَهِيِّ فِي مِحْرَابِ المَادَّةِ.
وَفِي هَذَا المِعْمَارِ الرُّوحِيِّ، نُدْرِكُ سِرَّ التَّرْتِيْبِ القَدَرِيِّ فِي مَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَالإِسْرَاءُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى القُدْسِ قَبْلَ العُرُوجِ إِلَى السَّمَاءِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ انْتِقَالٍ جُغْرَافِيٍّ، بَلْ كَانَ اسْتِحْضَاراً لِهَذَا الإِرْثِ السَّامِيِّ العَرِيْقِ وَاكْتِمَالاً لِلْوَعْدِ الإِلَهِيِّ فِي مِحْرَابِ السَّلَامِ. فَلَوْ كَانَ العُرُوجُ قَدْ تَمَّ مِنْ رِحَابِ مَكَّةَ مُبَاشَرَةً، لَظَلَّتِ القُدْسُ خَارِجَ سِيَاقِ 'الأَمَانَةِ الجَدِيدَةِ'. إِلَّا أَنَّ هَذَا العُبُورَ النَّبَوِيَّ كَانَ بِمَثَابَةِ 'التَّعْهِيدِ الرُّوحِيِّ' الَّذِي مَهَّدَ لِلْفَتْحِ العُمَرِيِّ؛ فَكَانَ قَدَرُ المَدِيْنَةِ أَنْ تَكُونَ جِسْرَ السَّمَاءِ وَبَوَّابَةَ اليَقِينِ، حَيْثُ لَا تَكْتَمِلُ رِسَالَةُ التَّوْحِيْدِ إِلَّا بِاسْتِرْدَادِ بَرَكَتِهَا، وَتَحْوِيْلِ الوَعْدِ الغَيْبِيِّ إِلَى أَمَانَةٍ تَارِيْخِيَّةٍ يَحْمِلُهَا المُسْلِمُ—بِاعْتِبَارِهِ الإِنْسَانَ المُسْتَخْلَفَ—فِي إِطَارِ العَقِيْدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ
لَقَدِ اكْتَسَبَتِ القُدْسُ دَلَالَتَهَا العَقَائِدِيَّةَ قَبْلَ عُقُودٍ مِنْ تَحَرُّرِهَا مِنْ نِيرِ الاحْتِلَالِ الرُّومَانِيِّ؛ فَإِلَيْهَا تُشَدُّ الرِّحَالُ بِاعْتِبَارِهَا أُولَى القِبْلَتَيْنِ، وَإِلَيْهَا كَانَ المَسْرَى الَّذِي رَبَطَ الأَرْضَ بِالسَّمَاءِ. لِذَا، لَمْ يُنْظَرْ فِي الفِكْرِ الإِسْلَامِيِّ إِلَى 'فَتْحِهَا' كَاحْتِلَالٍ لِأَرْضٍ غَرِيْبَةٍ، بَلْ كَفِعْلِ 'اسْتِرْدَادٍ' لِمَا كَانَ، وَائْتِمَانٍ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا المِيراثِ؛ حَيْثُ تَبْرُزُ القُدْسُ كَمَدِينَةٍ إِسْلَامِيَّةٍ بِـ'الضَّرُورَةِ الغَائِيَّةِ'—أَيْ بِوَصْفِهَا المَآلَ الخَاتِمَ لِرِسَالَاتِ الأَنْبِيَاءِ جَمِيْعاً. فَفِي لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ، بَارَكَ اللَّهُ الصَّخْرَةَ وَمَا حَوْلَهَا ({الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ})، لِتَسْتَقِرَّ فِي الوِجْدَانِ هُوِيَّةُ 'الصَّخْرَةِ المُقَدَّسَةِ' كَشَاهِدٍ مَادِّيٍّ عَلَى لِقَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَتَمَامِ الرِّسَالَةِ وَاكْتِمَالِهَا؛ لِتَكُونَ القُدْسُ 'بَوَّابَةَ السَّمَاءِ' لِلْمُسْلِمِينَ، وَ'أَبْوَابَ السَّمَاءِ' لِأَهْلِ الكِتَابِ، وَعُهْدَةً فِي أَيْدِي المُسْلِمِينَ تَحْمِي قُدْسِيَّةَ المَكَانِ لِلْجَمِيْعِ.
إِنَّ هَذَا التَّجَلِّيَ لِلْقَدَاسَةِ لَمْ يَكُنْ يَهْدِفُ لِلإِقْصَاءِ، بَلْ غَدَا نَمُوذَجاً لِلتَّعَايُشِ المَبْنِيِّ عَلَى احْتِرَامِ الآخَرِ وَقَبُولِ الِاخْتِلَافَاتِ العَقَائِدِيَّةِ؛ تَأْكِيْداً لِلْمَنْظُورِ القُرْآنِيِّ الرَّاسِخِ: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}. فَالْعُهْدَةُ العُمَرِيَّةُ لَمْ تَكُنْ وَلِيدَةَ لَحْظَةٍ سِيَاسِيَّةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ كَانَتْ تَجْسِيْداً مَادِّيّاً لِرَكِيْنَةِ 'الأَمَانَةِ' الَّتِي تَرَى فِي 'الآخَرِ' شَرِيْكاً فِي مِحْرَابِ السَّكِيْنَةِ فِي 'أُور سَالِم'؛ مَدِيْنَةِ السَّلَامِ وَالعَدْلِ اليَبُوسِيَّةِ. إِنَّ تَرْتِيْبَ أَوْلَوِيَّاتِ الحِمَايَةِ الإِلَهِيَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ}، حَيْثُ قُدِّمَ ذِكْرُ الكَنَائِسِ عَلَى المَسَاجِدِ، هُوَ الَّذِي صَاغَ مَسَارَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ؛ فَغَدَتِ السِّيَادَةُ الإِسْلَامِيَّةُ "بِرّاً وَقِسْطاً" تَتَرَفَّعُ عَنْ أَنَانِيَّةِ الِاسْتِحْوَاذِ، وَتَضْمَنُ لِلآخَرِ حَقَّ البَقَاءِ النَّدِيِّ؛ المَصُونَةِ حُقُوقُهُ وَكَرَامَتُهُ، فِي كَنَفِ مُقَدَّسَاتِهِ..
وَعَلَى أَعْتَابِ "إِيلِيَاءَ"، وَقَفَ التَّارِيخُ فِي حَالَةٍ مِنَ الدَّهْشَةِ وَالذُّهُولِ الَّذِي قَلَبَ مَوَازِينَ الرُّؤْيَةِ المُعْتَادَةِ لِلسُّلْطَةِ؛ إِذْ لَمْ يَكُنِ اسْتِقْبَالُ المَقْدِسِيِّينَ لِجُيُوشِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عَامَ 638م مُجَرَّدَ إِذْعَانٍ لِتَبَدُّلِ سِيَادَةٍ سِيَاسِيَّةٍ، بَلْ كَانَ مُعَايَنَةً لِنَمُوذَجٍ أَخْلَاقِيٍّ قَوَّضَ هَيْبَةَ الإِمْبِرَاطُورِيَّاتِ العَتِيقَةِ فِي عُقْرِ دَارِهَا. فَبَيْنَمَا كَانَتْ هَذِهِ الأَسْوَارُ العَرِيقةُ قَدِ اعْتَادَتْ مَوَاكِبَ الأَبَاطِرَةِ الْبَالِغَةِ التَّرَفِ، وَصَلَ الخَلِيفَةُ المُسْلِمُ يَقُودُ زِمَامَ جَمَلِهِ بِيَدِهِ، بَيْنَمَا يَمْتَطِيهِ خَادِمُهُ فِي تَبَادُلٍ نِدِّيٍّ لِلْأَدْوَارِ — تَتَلَاشَى فِيهِ الفَوَارِقُ الطَّبَقِيَّةُ وَتَتَسَاوَى الأَدْوَارُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ بِمِيزَانِ الكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ — يُبَشِّرُ بِعَصْرِ المُسْلِمِ المُؤْتَمَنِ.
لَمْ تَكُنْ بَسَاطَةُ عُمَرَ زُهْدًا فَرْدِيًّا، بَلْ كَانَتْ بُرْهَانًا نَمُوذَجِيًّا يُعْلِنُ اسْتِرْدَادَ القُدْسِ مِنْ حَيِّزِ الصِّرَاعِ الإِمْبِرَاطُورِيِّ إِلَى فَضَاءِ العَقِيدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ السَّامِيَةِ. فَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي لَامَسَتْ فِيهَا أَقْدَامُ الخَلِيفَةِ ثَرَى المَدِينَةِ، انْصَهَرَتِ القِيَمُ الإِسْلَامِيَّةُ العُلْيَا فِي بُوتَقَةِ الوَاقِعِ؛ لِتُعْلِنَ أَنَّ السِّيَادَةَ عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ المُبَارَكَةِ لَا تَنْهَضُ بِاسْتِرْقَاقِ الرِّقَابِ، بَلْ بِصِيَانَةِ كَرَامَةِ الإِنْسَانِ، وَالمُحَافَظَةِ عَلَى صَوَامِعِهَا وَأَدْيِرَتِهَا. وَهَكَذَا قُضِيَ الأَمْرُ بِدُونِ سَفْكِ قَطْرَةِ دَمٍ، وَلَا اسْتِبَاحَةٍ لِلْمَدِينَةِ، وَلَا سَلْبٍ وَلَا نَهْبٍ؛ فَكَانَ الفَتْحُ العُمَرِيُّ الَّذِي تَمَخَّضَتْ عَنْهُ "الْعُهْدَةُ العُمَرِيَّةُ.»
وَمِنْ هُنَا نَتَطَرَّقُ إِلَى شَخْصِيَّةِ بَطْرِيَرْكِ القُدْسِ "صَفْرُونْيُوسَ"؛ الدِّمَشْقِيِّ المَوْلِدِ، الَّذِي نَشَأَ فِي مَنْطَقَةِ "الْعُبَيْدِيَّةِ"، وَتَحْدِيداً فِي "دَيْرِ القِدِّيسِ ثِيُودُوسِيُوسَ"؛ ذَلِكَ الصَّرْحِ الدِّينِيِّ العَرِيقِ. لَقَدْ سَبَقَ حُضُورَ الخَلِيفَةِ صِيتُهُ الأَخْلَاقِيُّ الَّذِي يُجَسِّدُ قِيَمَ العَقِيدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، فَأَدْرَكَ البَطْرِيَرْكُ العَرَبِيُّ بِحِنْكَتِهِ أَنَّهُ أَمَامَ "السَّادِنِ الأَخْلَاقِيِّ" الَّذِي حَضَرَ شَخْصِيًّا لِيُحَافِظَ عَلَى قُدْسِيَّةِ القُدْسِ بِاعْتِبَارِهَا "بَابَ السَّمَاءِ"؛ وَذَلِكَ فِي إِطَارٍ عَقَائِدِيٍّ يَسْمَحُ بِالتَّعَدُّدِيَّةِ الدِّينِيَّةِ، لَا لِلِاسْتِئْثَارِ بِمَدِينَةِ المِعْرَاجِ؛ فَاشْتَرَطَ تَسْلِيمَهَا لِلْخَلِيفَةِ نَفْسِهِ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا اللِّقَاءُ المَهِيبُ.
قَدْ تَجَلَّتْ هَذِهِ النِّدِّيَّةُ الأَخْلَاقِيَّةُ فِي أَرْقَى صُوَرِهَا خِلَالَ اللَّقَاءِ التَّارِيخِيِّ مَعَ البَطْرِيَرْكِ "صَفْرُونْيُوسَ"؛ ذَلِكَ اللَّقَاءُ الَّذِي لَمْ يُتَرْجَمْ بِوَصْفِهِ "غَزْواً" اسْتِحْوَاذِيّاً اسْتِعْلَائِيّاً، بَلْ بِمَا حَمَلَهُ "الفَارُوقُ" مِنْ دَمَاثَةِ خُلُقٍ، وَرِقَّةِ جَانِبٍ، وَتَوَاضُعٍ جَمٍّ؛ لِيَغْدُوَ "فَتْحاً" يَحْمِلُ دَلَالَاتِ الكَشْفِ وَالتَّحْرِيرِ.. وَحِينَمَا حَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَالخَلِيفَةُ فِي رِحَابِ كَنِيسَةِ القِيَامَةِ، بَرَزَ الفِكْرُ السَّدِيدُ وَالوَرَعُ الدِّينِيُّ لِعُمَرَ فِي أَعْظَمِ تَجَلِّيَاتِهِ، تِلْكَ البَصِيرَةُ الَّتِي تَضَعُ الأُمُورَ فِي نِصَابِهَا الأَخْلَاقِيِّ وَالدِّينِيِّ؛ إِذْ رَفَضَ السُّجُودَ دَاخِلَ الكَنِيسَةِ حِمَايَةً لِشَرْعِيَّتِهَا المُسْتَقْبَلِيَّةِ مِنْ تَغَوُّلِ الأَجْيَالِ اللَّاحِقَةِ. بَصَلَاتِهِ خَارِجَهَا، حَيْثُ يَرْتَفِعُ اليَوْمَ "المَسْجِدُ العُمَرِيُّ"، خَطَّ عُمَرُ فَاصِلًا رَصِينًا بَيْنَ المُقَدَّسَاتِ، مَانِحًا القُدْسَ هُوِيَّتَهَا كَمَدِينَةٍ لِلإِخَاءِ، وَمُحَوِّلًا المَسْجِدَ إِلَى حَارِسٍ لِلكَنِيسَةِ لَا نِدًّا لَهَا؛ اتِّسَاقًا وَاسْتِسْلَامًا لِمَشِيئَةِ اللهِ فِي كَلَامِهِ العَزِيزِ، الَّذِي يَنْهَضُ بِاحْتِرَامِ وَبِتَأْصِيلِ وَتَرْسِيخِ عَلَاقَةِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ مَعَ "الآخَرِينَ" مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ فِي المَدِينَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، لِيُصْبِحَ عُرْفًا مُتَّبَعًا فِي بَقِيَّةِ المُدُنِ فِي أَرْجَاءِ المعمورة.
هَذَا الفَهْمُ الإِسْلَامِيُّ لِلسِّيَادَةِ كَـ «عُهْدَةٍ مِنَ اللَّهِ» هُوَ الَّذِي صَاغَ بُنُودَ «العُهْدَةِ العُمَرِيَّةِ»؛ تِلْكَ الوَثِيقَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ صَكَّ إِذْعَانٍ، بَلْ كَانَتْ مِيثَاقاً عَقَدِيّاً، وَنَهْجاً شَرْعِيّاً، وَاحْتِرَاماً أَخْلَاقِيّاً يُعِيدُ تَعْرِيفَ «المُوَاطَنَةِ» فِي الفَضَاءِ المُقَدَّسِ. لَقَدْ مَنَحَ عُمَرُ أَهْلَ «إِيْلِيَاءَ» -بِمُكَوِّنَاتِهِمُ العَرَبِيَّةِ مِنْ غَسَاسِنَةٍ وَلَخْمِيِّينَ وَأَنْبَاطٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الشُّعُوبِ- أَمَاناً شُمُولِيّاً لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَلِكَنَائِسِهِمْ وَصُلْبَانِهِمْ؛ تَطْبِيقاً لِـ «مِيزَانِ القِسْطِ» وَ«العَدْلِ المَحْضِ» الَّذِي أَمَرَ بِهِ القُرْآنُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُقَاتِلُوا فِي الدِّينِ.
وَبِذَلِكَ، غَدَتِ القُدْسُ المَدِينَةَ النَّمُوذَجِيَّةَ الَّتِي يُحْتَذَى بِهَا فِي تَحْوِيلِ التَّنْزِيلِ إِلَى مِحْرَابٍ لِلتَّسَاكُنِ الحَضَارِيِّ وَالتَّآلُفِ الرُّوحِيِّ؛ حَيْثُ تُحْرَسُ صَوَامِعُ الرُّهْبَانِ وَبِيَعُ العَابِدِينَ بِقُدْسِيَّةِ المَسَاجِدِ، فَتَجَلَّى السَّلَامُ مِعْرَاجاً لِلأَمَانَةِ فِي أَرْضِ العَهْدِ.
لَمْ يَكْتَفِ عُمَرُ بِصِيَانَةِ "إِيلِيَاءَ" المَدَنِيَّةِ، بَلْ سَعَى لِاسْتِعَادَةِ "بَيْتِ الْمَقْدِسِ" الرُّوحِيِّ؛ فَطَفِقَ يَبْحَثُ بِلَهْفَةِ الْمُؤْتَمَنِ عَنْ صَخْرَةِ الْإِسْرَاءِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي طَمَسَهَا الْإِهْمَالُ الْبِيزَنْطِيُّ. وَبِيَدَيْهِ اللَّتَيْنِ حَمَلَتَا هَمَّ الرِّسَالَةِ، شَارَكَ الْخَلِيفَةُ فِي تَطْهِيرِ مَوْقِعِ الصَّخْرَةِ، مُزِيلاً عَنْهَا رُكَامَ التَّارِيخِ الْمَنْسِيِّ؛ لِيُعِيدَ اسْتِحْضَارَ مَكَانَتِهَا الرَّمْزِيَّةِ الدِّينِيَّةِ.
إِنَّ دَلَالَاتِ الْمَكَانِ فِي الْعَهْدِ الرَّاشِدِيِّ أَرْسَتْ حَقِيقَةً عَمِيقَةً: أَنَّ اسْتِعَادَةَ الصَّخْرَةِ وَبِنَاءَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَمْ يَكُنْ نَفْيًا لِمَا قَبْلَهُ، بَلْ كَانَ "تَرَاکُمًا لِلْقَدَاسَةِ" وَاسْتِرْدَادًا لِمِحْوَرِ السَّكِينَةِ فِي مَدِينَةِ السَّلَامِ.
وَفِي مَآلِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ التَّأْرِيخِيَّةِ، تَبْرُزُ القُدْسُ لَيْسَ كَمَدِينَةٍ يُؤَرَّخُ لِمَاضِيهَا، بَلْ كَكَائِنٍ حَيٍّ يُصَاغُ حَاضِرُهُ بِمِدَادِ العُهْدَةِ العُمَرِيَّةِ؛ حَيْثُ يَقِفُ الفِلَسْطِينِيُّ المُعَاصِرُ —الوَرِيثُ الشَّرْعِيُّ لِهَذَا النَّسِيجِ الكَنْعَانِيِّ وَالرَّاشِدِيِّ المُمْتَدِّ— كَصَاحِبِ الحَقِّ الأَصِيلِ فِي حِرَاسَةِ هَذِهِ الأَمَانَةِ. إِنَّ التَّمَعُّنَ فِي التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ وَالبَحْثَ الإِثْنُوغْرَافِيَّ العَمِيقَ يَكْشِفَانِ عَنْ حَقِيقَةٍ جَلِيَّةٍ؛ وَهِيَ أَنَّ أَهْلَ هَذِهِ الأَرْضِ هُمْ سَدَنَةُ إِرْثٍ جِينِيٍّ وَثَقَافِيٍّ مُرَكَّبٍ، لَا يَدَّعُونَ فِيهِ نَقَاءً عِرْقِيًّا مَوْهُومًا، بَلْ يَفْخَرُونَ بِـ "تَرَاكُمٍ حَضَارِيٍّ" اسْتَوْعَبَ فِي مَسَامَاتِهِ هُوِيَّاتِ اليَبُوسِيِّينَ وَالآرَامِيِّينَ وَالعَرَبِ الأَوائِلِ، لِيَصْهَرَهَا فِي بَوْتَقَةِ الِانْتِمَاءِ العَرَبِيِّ الفِلَسْطِينِيِّ..
هُنَا نَصِلُ إِلَى مَعْرَكَةِ السَّرْدِيَّاتِ الكُبْرَى، حَيْثُ تُصْبِحُ اللُّغَةُ أَدَاةً لِلسِّيَادَةِ؛ فَبَيْنَمَا يُحَاوِلُ لَاهُوتُ الإِبَادَةِ وَالتَّزْيِيفِ التَّوْرَاتِيِّ فَرْضَ مُصْطَلَحَاتٍ تُقْصِي السُّكَّانَ الأَصْلِيِّينَ وَتُشَيْطِنُ وُجُودَهُمُ الكَنْعَانِيَّ، تَظَلُّ لُغَةُ الْفَتْحِ وَالْأَمَانَةِ هِيَ الْحِصْنَ الْأَخْلَاقِيَّ الَّذِي يَحْمِي مَعْنَى الْمَدِينَةِ. إِنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ الْغَزْوِ الَّذِي يَمْحُو، وَالْفَتْحِ الَّذِي يَكْشِفُ، هُوَ ذَاتُهُ الْفَارِقُ بَيْنَ أَنَانِيَّةِ الِاسْتِحْوَاذِ وَسُمُوِّ الْعُهْدَةِ؛ فَالْقُدْسُ، بِصَخْرَتِهَا وَسَمَائِهَا، تَظَلُّ قَلْبَ الْعَالَمِ النَّابِضِ الَّذِي تَتَكَسَّرُ عِنْدَ عَتَبَاتِهِ أَوْهَامُ الْقُوَّةِ الْغَاشِمَةِ
خِتَامًا، إِنَّ هَذَا الفَصْلَ مِنْ مَلْحَمَةِ "أَبْوَابِ السَّمَاءِ" لَيْسَ مُجَرَّدَ اسْتِذْكَارٍ لِحَدَثٍ وَقَعَ فِي عَامِ 638م، بَلْ هُوَ اسْتِنْهَاضٌ لِرُوحِ "العُهْدَةِ" فِي مَدِينَةٍ لَا تَزَالُ تُعَانِي مِنْ نِيرِ لَاهُوتِ الإِمْحَاءِ. إِنَّ صُمُودَ الحَجَرِ الكَنْعَانِيِّ، وَبَقَاءَ العَهْدِ العُمَرِيِّ، وَتَجَذُّرَ الهُوِيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ، هِيَ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ لِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنَّ مَنْ يَحْمِلُ "أَمَانَةَ السَّلَامِ" هُوَ الأَجْدَرُ بِالسِّيَادَةِ، وَأَنَّ القُدْسَ سَتَظَلُّ دَوْمًا عَصِيَّةً عَلَى التَّزْيِيفِ، طَالَمَا ظَلَّ هُنَاكَ مَنْ يَقْرَأُ فِي صَخْرَتِهَا "سِرَّ المَسِيرِ" وَفِي مَحَارِيبِهَا "أَمَانَةَ العَهْدِ".
وَمِنْ هُنَا، يَسْتَمِرُّ صِرَاعُ المُرَابِطِينَ وَالصَّامِدِينَ فِي القُدْسِ وَأَكْنَافِهَا، يُجَاهِدُونَ لِإِرْجَاعِ الحَقِّ إِلَى نِصَابِهِ؛ لِيَكْتَمِلَ مِعْرَاجُ الأَمَانَةِ فِي "أَبْوَابِ السَّمَاءِ"؛ لِيَعُودَ العَدْلُ وَتَسْتَعِيدَ القُدْسُ مَكَانَتَهَا كَمِحْوَرٍ لِلسَّكِينَةِ وَقِبْلَةٍ لِلأَحْرَارِ، وَبِهَا يَسُودُ السَّلَامُ.
*الدكتور علي قليبو باحث وكاتب وفنان تشكيلي واستاذ جامعي حاضر في جامعة القدس ، كما عمل استاذا دائما في جامعة طوكيو وجامعة كيوتو لسنين عديدة.

