• 13 شباط 2026
  • مقابلة خاصة

 

بِقَلَمِ: الدُّكْتُور عَلِي قُلَيْبُو

 

في الْأَصِيلِ، وبَيْنَما يَغْمُرُ الضَّوْءُ الوَرْدِيُّ البُرْتُقالِيُّ الظِّلالَ الزَّرْقاءَ الدَّاكِنَةَ، فَتَذوبُ في عُمْقِ اللَّازَوَرْدِ الكَثيفِ، يُوَجِّه المُسْلِمونَ أَبْصارَهُمْ نَحْوَ الغَرْبِ تَرَقُّباً لِهلالِ شَهْرِ شَعْبانَ؛ بِوَصْفِهِ عَلامَةً زَمَنِيَّةً وَرَمْزاً كَوْنِيّاً يُعْلِنُ اقْتِرابَ الزَّمَنِ المُقَدَّسِ، وَيُشيرُ إِلى تَحَوُّلٍ خَفِيٍّ في إِيقاعِ الوُجودِ.

وَبَعْدَ صَلاةِ المَغْرِبِ، في لَحْظَةِ الشَّفَقِ الَّتي لَمْ تَزَلْ مُعَلَّقَةً بَيْنَ الضَّوْءِ وَالعَتَمَةِ، يَتَجَلَّى الهِلالُ الوَليدُ في الأُفُقِ الغَرْبِيِّ كَخَيْطِ نُورٍ دَقيقٍ يَشُقُّ العَتَمَةَ، في زَمَنٍ تَتَبَدَّلُ فيهِ عَلاقَةُ الإِنْسانِ بِالكَوْنِ وَبِالمَعْنى. وَلَعَلَّ أَبْهى مَشاهِدِ هٰذا الهِلالِ تَتَبَدَّى مِنْ مَضيقِ البُوسْفورِ؛ حَيْثُ يَرْتَسِمُ عَلى خَلْفِيَّةِ قِبابِ وَمآذِنِ "السُّلْطانِ أَحْمَد"، وَ"آيا صُوفيا"، وَ"السُّلَيْمانِيَّة"، وَ"الفاتِح"، فَيَتَداخَلُ المِعْمارِيُّ بِالكَوْنِيِّ، والمَرْئِيُّ بِالرَّمْزِيِّ، وَيَتَحَوَّلُ المَشْهَدُ إِلى تَرْكيبٍ بَصَرِيٍّ يَخْتَزِلُ تاريخَ المَدينَةِ وَذاكِرَتَها الرُّوحِيَّةَ.

وَعِنْدَ انْكِشافِ المَشْهَدِ، تتصاعد أَصْواتُ رُكَّابِ العَبَّارَةِ الأَتْراكِ في هَمْهَمَةٍ خافِتَةٍ، يَتْلُونَ سُورَةَ الفاتِحَةِ، فَيَتَحَوَّلُ الصَّوْتُ الجَماعِيُّ إِلى إِيماءَةٍ رَمْزِيَّةٍ تَرْبِطُ السَّماءَ بِالمَدينَةِ وَالذَّاكِرَةِ، وَتُؤَسِّسُ لِطَقْسٍ جَماعِيٍّ يَخْتَصِرُ العَلاقَةَ بَيْنَ الإِنْسانِ وَالزَّمَنِ وَالمُقَدَّسِ، حَيْثُ يُصْبِحُ النَّظَرُ إِلى الهِلالِ فِعْلاً مَعْرِفِيّاً وَرُوحِيّاً يَتَجاوَزُ الرُّؤْيَةَ البَصَرِيَّةَ إِلى إِدْراكِ المَعْنى.

يَتَجَلَّى حُبُّ اللهِ في أَسْمى تَعْبيراتِهِ في شَغَفِ المُسْلِمينَ وَحَنينِهِمْ وَتَوْقِهِمُ العَميقِ إِلى شَهْرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، وَيَتَبَدَّى هٰذا الشَّغَفُ في اهْتِمامِهِمُ الدَّؤوبِ بِتَتَبُّعِ أَطْوارِ القَمَرِ؛ مِنَ الهِلالِ إِلى البَدْرِ، وَمِنَ الاكْتِمالِ إِلى المَحاقِ، وَفي مُراقَبَةِ شُرُوقِهِ وَغُرُوبِهِ، بِوَصْفِهِ مِقْياساً رَمْزِيّاً لِلْمَسافَةِ الزَّمَنِيَّةِ الَّتي تَفْصِلُهُمْ عَنْ «شَهْرِ اللهِ»، وَمَسافَةً رُوحِيَّةً تَفْصِلُ الإِنْسانَ عَنْ لَحْظَةِ لِقاءِ الشَّهْرِ الفَضيلِ.

فَالقَمَرُ لا يُرَى بِوَصْفِهِ جِسْماً فَلَكِيّاً فَحَسْبُ، بَلْ يُسْتَعادُ بِوَصْفِهِ لُغَةً زَمَنِيَّةً تُقْرَأُ فيها تَحَوُّلاتُ الوُجُودِ. وَ يَتَعاظَمُ هٰذا الشَّوْقُ الرَّمَضانِيُّ في الشَّهْرَيْنِ القَمَرِيَّيْنِ السَّابِقَيْنِ لِرَمَضانَ، حَيْثُ يَقِفُ المُسْلِمونَ عَلى عَتَبَةِ الزَّمَنِ المُقَدَّسِ؛ فَيَبْدَؤونَ بِـ اسْتِنْهاضِ اسْتِعداداتِهِمُ العَمَلِيَّةِ، وَيَتَهَيَّؤونَ لِلانْتِقالِ مِنَ الزَّمَنِ الدُّنْيَوِيِّ إِلى الزَّمَنِ المُقَدَّسِ، وَمِنَ اليَوْمِيِّ الرَّتيبِ إِلى الإيقاعِ الكَوْنِيِّ الَّذي يَضْبِطُهُ القَمَرُ، وَيُعيدُ تَرْتيبَ العَلاقَةِ بَيْنَ الإِنْسانِ وَالعالَمِ وَاللهِ.

تَحْظى أَسْماءُ الأَشْهُرِ الثَّلاثَةِ بِمَكانَةٍ خاصَّةٍ في المُخَيِّلَةِ الإِسْلامِيَّةِ، وَ تَتَبَوَّأُ مَكانَةً سَنِيَّةً في خِطابِ التَّسْمِيَةِ الذُّكُورِيَّةِ. وَحينَ تَتَحَوَّلُ (رَجَبٌ وَشَعْبانُ وَرَمَضانُ) إِلى أَسْماءٍ شَخْصِيَّةٍ، فَإِنَّها تَفيضُ بِمَعانِي التَّقْوى وَالقُوَّةِ وَالوَقارِ، وَتُضْفي عَلى الاسْمِ دَلالَةً ثَقافِيَّةً وَأَخْلاقِيَّةً وَرَمْزِيَّةً تَتَجَذَّرُ في الوَعْيِ الجَماعِيِّ، وَتَعْمَلُ بِوَصْفِها عَلاماتِ هُوِيَّةٍ وَانْتِماءٍ إِلى زَمَنٍ رُوحِيٍّ مَخْصوصٍ.

فَالاِسْمُ هُنا لا يَعُودُ مُجَرَّدَ عَلامَةٍ لُغَوِيَّةٍ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلى أَيْقُونَةٍ لِلذَّاكِرَةِ، وَمُسْتَوْدَعٍ لِلْمَعْنى، وَجِسْرٍ يَصْهَرُ الفَرْدَ بِالجَماعَةِ وَبِالتَّارِيخِ المُقَدَّسِ.

وَانْطِلاقاً مِنْ هٰذا التَّقْويمِ الدِّينِيِّ، تَمُدُّ أَطْوارُ القَمَرِ — الَّتي يَقُومُ عَلَيْها التَّقْويمُ الإِسْلامِيُّ — مُعْجَمَ الأَسْماءِ بِحَمُولَةٍ دَلالِيَّةٍ مُمَاثِلَةٍ. فَـ «هِلالٌ» وَ «بَدْرٌ» مِنَ الأَسْماءِ المُرْتَبِطَةِ بِمَرْحَلَتَيْنِ أَساسِيَّتَيْنِ مِنْ تَسامي النُّورِ القَمَرِيِّ؛ إِذْ يَدُلُّ (الهِلالُ) عَلى البَدْءِ المُبارَكِ، بَيْنَمَا يُشيرُ (البَدْرُ) إِلى ذُرْوَةِ اكْتِمالِها.

وَفي القُلُوبِ، يَتَبَوَّأُ الاسْمُ الشَّخْصِيُّ «رَمَضانُ» مَكانَةً أَثيرَةً؛ بِوَصْفِهِ اسْماً يَخْتَزِلُ تَجْرِبَةً رُوحِيَّةً جَامِعَةً تَتَجاوَزُ الفَرْدَ إِلى الأُمَّةِ، وَ تَكْنِزُ في غُضُونِها مَعانِيَ الانْتِظارِ وَالتَّطَهُّرِ وَالتَّجَدُّدِ."

في مُجْتَمَعٍ تُحَبِّذُ قَوالِبُهُ الجَمالِيَّةُ الخُطُوطَ الانْسِيابِيَّةَ ذاتَ الثَّنايا الرَّقيقَةِ، غَدا وَجْهُ المَرْأَةِ الحَسْناءِ أَوِ الشَّابِّ القَسيمِ الوَسيمِ مُكْتَمِلِ النَّضارَةِ يُشَبَّهُ بِالبَدْرِ؛ حَتَّى اسْتَحالَ هٰذا النَّعْتُ اسْماً ذُكُورِيّاً شائِعاً — حينَ لَقِفَهُ الشُّعَراءُ وَالناسُ — وَغدا اسْتِعارَةً كُنُوِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى الجَمالِ الكامِلِ. حَيْثُ يَتَحَوَّلُ القَمَرُ إِلى مِعْيارٍ جَمالِيٍّ كَوْنِيٍّ يَخْتَصِرُ مَفْهُومَ الكَمالِ وَالبَهاءِ، وَ يَصْهَرُ الحُسْنَ في بَوْتَقَةِ الضِّياءِ. وَمِمَّا يَسْتَوْقِفُ النَّظَرَ، أَنَّ الأَسْماءَ المُشْتَقَّةَ مِنْ حَالاتِ القَمَرِ ظَلَّتْ حِكْراً عَلى الذُّكُورِ، باسْتِثْناءِ اسْمِ إِحْدى شَخْصِيَّاتِ «أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ»؛ الأَميرةِ القادِمَةِ مِنْ سَمَرْقَنْد، «بَدْرِ البُدُورِ»؛ أَيِ القَمَرِ المُكْتَمِلِ الَّذي يَفُوقُ جَمالُهُ كُلَّ الأَقْمارِ، الَّتي اقْتَرَنَتْ بِالأَميرِ الأَجْمَلِ «قَمَرِ الزَّمانِ»، في تَقاطُعٍ رَمْزِيٍّ بَيْنَ الأُسْطُورَةِ وَالزَّمَنِ وَالجَمالِ. حَيْثُ يَسْتَحِيلُ القَمَرُ لُغَةً سَرْدِيَّةً تُفْصِحُ عَنِ المِثالِ الأَعْلى لِلْبَهاءِ وَالقَدَرِ، وَتَتَحَوَّلُ الحِكايَةُ إِلى فَضاءٍ تَتَمازَجُ فيهِ المُخَيِّلَةُ الشَّعْبِيَّةُ مَعَ الأَبْعادِ المَلَكوتِيَّةِ وَالسَّرْمَدِيَّةِ لِلزَّمَنِ وَالنُّورِ."

نسْتَقْبَلُ هِلالُ شَهْرِ رجبٍ عِنْدَ صُعُودِهِ في الأُفُقِ الغَرْبِيِّ — مُتَزامِناً مَعَ كَوْكَبِ الزُّهْرَةِ — بِابْتِهاجٍ وَغِبْطَةٍ؛ بِوَصْفِهِ بَشيراً مُقَدَّساً يُؤْذِنُ بِدُنُوِّ شَهْرِ رَمَضانَ مِنْ ناحِيَةٍ، وَيَسْتَحْضِرُ ذِكْرى عِيدٍ تَبَارَكَتْ بِهِ القُدْسُ حينَ اخْتُصَّتْ بِشَرَفِ ذٰلِكَ الحَدَثِ الجَليلِ مِنْ ناحِيَةٍ أُخْرى. وَيُتَوَّجُ يَوْمُ السَّابِعِ وَالعِشْرينَ مِنْ رَجَبٍ بِذِكْرى (الإِسْراءِ وَالمِعْراجِ) المُبارَكَةِ، حَيْثُ يُشيرُ هٰذا المَقامُ الدِّينِيُّ إِلى الرِّحْلَةِ الأُفُقِيَّةِ لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى مَتْنِ «البُراقِ»؛ ذٰلِكَ الكائِنِ الَّذي تُصَوِّرُهُ النُّقُوشُ في آسِيا الوُسْطى بِسِيماءِ امْرَأَةٍ نَضِرَةِ المَحْيا وَجِسْمٍ أُسْطُورِيٍّ، يَجْمَعُ بَيْنَ خَيالِ الخَيْلِ وَبَأْسِ الأُسُودِ، في صِياغَةٍ رَمْزِيَّةٍ تَجْدِلُ بَيْنَ القُوَّةِ وَالسُّرْعَةِ وَالجَمالِ." فَإِذا كانَ (الإِسْراءُ) يَدُلُّ عَلى الرِّحْلَةِ اللَّيْلِيَّةِ الأُفُقِيَّةِ مِنْ مَكَّةَ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَإِنَّ (المِعْراجَ) يُشيرُ إِلى العُرُوجِ العَمُودِيِّ نَحْوَ السَّماواتِ؛ حَيْثُ تَجَلَّى المَقامُ النَّبَوِيُّ في رِحابِ المَسْجِدِ الأَقْصى، في لَحْظَةٍ تَتَعالى عَلى الزَّمانِ وَالمَكانِ، وَتُؤَسِّسُ لِمَعْنًى رُوحِيٍّ يَعْقِدُ مَواثيقَ الصِّلَةِ بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّماءِ، وَبَيْنَ الجُغْرافِيا وَالتَّجَلِّي الإِلٰهِيِّ؛ بِحَيْثُ يَتَحَوَّلُ المَسْجِدُ الأَقْصى إِلى نُقْطَةِ تَمَاسٍّ بَيْنَ التَّارِيخِ وَالمِيتافيزيقا، وَبَيْنَ الذَّاكِرَةِ الإِنْسانِيَّةِ وَالمُطْلَقِ الإِلٰهِيِّ.

تُشَكِّلُ نِهايَةُ شَهْرِ رَجَبٍ العَتَبَةَ الرُّوحِيَّةَ لِشَعْبانَ، حَيْثُ تَشْرَعُ الِاسْتِعْداداتُ الرَّمَضانِيَّةُ مَعَ بُزُوغِ هِلالِهِ، لِتَبْلُغَ ذِرْوَتَها في الأُسْبُوعِ الأَخيرِ قُبَيْلَ الصِّيامِ. وَلَمَّا كانَ لِهٰذا الشَّهْرِ مَائِدَةٌ تَخْتَصُّ بِفُنُونِ الأَطْعِمَةِ، تُجَهَّزُ المُؤَنُ وَتُدَّخَرُ مِسْبَقاً؛ فَلا يَكْتَمِلُ الخَزِينُ الرَّمَضانِيُّ دُونَ الجَوْزِ وَقَمَرِ الدِّينِ وَالصَّنَوْبَرِ، وَأَصْنافِ الحُبُوبِ وَاللُّحُومِ، وَتَتَصَدَّرُها «الفَرِيكَةُ» الَّتي يُسْتَطابُ حَساؤُها تَقْليدِيّاً، وَالسَّميدُ لِصِناعَةِ «الكُبَيْبَةِ» وَأَطْيافِ الحَلَوِيَّاتِ. إِنَّ هٰذِهِ المَؤُونَةَ تُمَثِّلُ الرَّكيزَةَ الَّتي تَقُومُ عَلَيْها المائِدَةُ، وَتُفْصِحُ عَنْ حَفاوَةِ الِاسْتِقْبالِ الِاجْتِماعِيِّ لِلشَّهْرِ المُبارَكِ؛ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الغِذاءُ مِنْ مُجَرَّدِ حاجَةٍ بِيُولُوجِيَّةٍ إِلى فِعْلٍ رَمْزِيٍّ يَفِيضُ بِالتَّضامُنِ وَالذَّاكِرَةِ، وَتَسْتَحِيلُ المائِدَةُ إِلى فَضاءٍ تَتَماهى فيهِ الرَّوابِطُ الإِنْسانِيَّةُ مَعَ المَعانِي القُدُسِيَّةِ.

وَيُتيحُ شَهْرُ شَعْبانَ فُرْصَةً سانِحَةً لِلِاحْتِفاءِ بالولائم، الَّتي تُعَدُّ مُتْعَةً اجْتِماعِيَّةً يَلْتَئِمُ فيها شَمْلُ الأَقارِبِ وَالأَصْدِقاءِ لِتَناوُلِ ما طابَ وَلَذَّ مِنَ المَأْكُولاتِ الدَّسِمَةِ. تُعْرَفُ هٰذِهِ التَّجَمُّعاتُ بِاسْمِ «الشَّعْبُونِيَّةِ»، وَتُعْتَبَرُ مَأْدُبَةً لِلْحَواسِّ تُمَهِّدُ الطَّريقَ لِشَهْرِ الصَّوْمِ وَالزُّهْدِ. فَهِيَ مُناسَبَةٌ لِلِاحْتِفاءِ بِالأَطْباقِ التَّقْليدِيَّةِ الغَنِيَّةِ بِنَكَهاتِ التَّوابِلِ، مِثْلِ لَحْمِ الضَّأْنِ المَحْشُوِّ، وَالمَناسِفِ، والكرشات، وَغَيْرِها مِنَ الأَصْنافِ الَّتي يَصْعُبُ اسْتِساغَتُها عَلى مَعِدَةٍ صائِمَةٍ .ففِي شَهْرِ الصِّيامِ، يَفْتُرُ شَغَفُ المَرْءِ بِالطَّعامِ حِينَ يَمْثُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بَعْدَ أَذانِ المَغْرِبِ، بَلْ يَتَسامى نُزُوعُهُ؛ إِذْ يَتَحَوَّلُ الِامْتِناعُ إِلى مَعْنًى، وَالجُوعُ إِلى تَجْرِبَةٍ رُوحانِيَّةٍ، وَيَغْدُو الجَسَدُ ذاتُهُ مِضْماراً لِمُجاهَدَةِ النَّفْسِ وَإِعادَةِ تَعْريفِ العَلاقَةِ بَيْنَ الرَّغْبَةِ وَالعَقيدَةِ. وَمِنْ ثَمَّ، تُتيحُ «الشَّعْبُونِيَّةُ» لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حُظُوظَ نَفْسِهِ قَبْلَ الِاعْتِكافِ في مِحْرابِ التَّبَتُّلِ زُهْداً وَتَقَرُّباً إِلى اللهِ؛ فَهِيَ بِمَثابَةِ وَليمَةٍ احْتِفائِيَّةٍ تَتَشَبَّثُ بِبَهْجَةِ الحَياةِ اسْتِعْداداً لِأَيَّامِ الوَرَعِ، حَيْثُ يَنْقَلِبُ الِامْتِلاءُ الحِسِّيُّ إِلى فَراغٍ رُوحِيٍّ خَصيبٍ، وَيَغْدُو الحِرْمانُ شَرْطاً لِلِامْتِلاءِ المَعْنَوِيِّ، في انْتِقالٍ رَمْزِيٍّ يَعْكِسُ عُروجَ الإِنْسانِ مِنْ عَالَمِ المادَّةِ إِلى تَجَلِّي المَعْنى.

نظراً لأنَّ التقويمَ القمريَّ يطوفُ عبرَ فصولِ السنةِ من عامٍ إلى آخر، فإنَّ شهرَ رمضانَ قد يحلُّ أحياناً في أواخرِ الصيف، حينَ تبلغُ الشمسُ ذروةَ حضورِها وتطولُ ساعاتُ النهار، كما قد يأتي في قلبِ الشتاءِ — كما هو الحالُ في عامِنا هذا — حينَ تنخفضُ درجاتُ الحرارةِ وتشتدُّ الرياحُ وتتلبّدُ السماءُ بالغَمامِ. وفي الفترةِ الممتدةِ من شهرِ شباط إلى آذار، تبلغُ موجاتُ البردِ القارسِ ذروتها في فلسطين، فتدبُّ البرودةُ في الأوصالِ لتغدوَ واقعاً يومياً ملموساً، وتتسلّلُ الرطوبةُ لتسكنَ في مسامِ حجارةِ المكانِ العتيقةِ، فيما تتعاقبُ زخّاتُ المطرِ على ساحاتِ المسجدِ الأقصى، فتستحيلُ الأرضياتُ إلى مساحاتٍ لامعةٍ كالمرايا، ويغدو السيرُ فيها  يتطلّبُ حذراً وانتباهاً بالغين، ويصبحُ اتخاذُ الاحتياطاتِ ضرورةً لا غنى عنها لحمايةِ المصلين من وعثاءِ البردِ والمطر؛ حيثُ يتداخلُ العنصرُ الطبيعيُّ بالطقسيِّ، والظرفُ المناخيُّ بالمعنى الدينيِّ، ويغدو كَدُّ المناخِ وجلالُهُ جزءاً أصيلاً من التجربةِ الروحيةِ ذاتِها.

استعداداً للشهرِ الفضيلِ، تبدأُ التجهيزاتُ فتُنصبُ المظلاتُ الواقيةُ من المطرِ في ساحاتِ المسجدِ الأقصى، حيثُ تُقامُ موائدُ الإفطارِ التي يمولُها المحسنونَ من ذوي اليُسْرِ، فتوفّرُ الطعامَ والشرابَ مَجاناً للجماهيرِ الغفيرةِ. وبسببِ صلاةِ التراويحِ، تُوضَعُ تجهيزاتٌ ضوئيةٌ مميّزةٌ، مزدانةٌ بزخارفَ وتصاميمَ إسلاميةٍ، استعداداً لهذا الحدثِ الجليلِ، سواءٌ داخلَ المسجدِ أو في أرجاءِ البلدةِ القديمةِ بأسرِها. ومع حلولِ الليلِ، تمتلئُ ساحاتُ الأقصى بالمصلّينَ، فيتلاشى صقيعُ الشتاءِ في دفءِ الحضورِ الإنسانيِّ، ويتحوّلُ المطرُ والرطوبةُ إلى خلفيةٍ صامتةٍ لمشهدٍ روحيٍّ نابضٍ، يبدو فيهِ المسجدُ الأقصى فضاءً متّسعاً يتجاوزُ حدودَ المكانِ، ويستحيلُ قلباً نابضاً للمدينةِ وذاكرتِها الروحيةِ؛ حيثُ تتكثّفُ العلاقةُ بينَ المكانِ والطقسِ والذاكرةِ، ويغدو المسجدُ ليسَ مجردَ معمارٍ، بل فضاءً للمعنى وتجربةً دينيةً روحيةً.

"رمضانُ كريم "هي التحيةُ التي يتبادلُها المسلمون خلالَ شهرِ رمضان، ويأتي الردُّ عليها بقولهم ",اللهُ أكرمُ"؛ ويشكّلُ هذا التبادلُ الاصطلاحيُّ الصيغةَ الأساسيةَ للترحيبِ وآدابِ السلوكِ إذا ما حلَّ ضيفٌ خلالَ ساعاتِ النهار. وطالما أنَّ الصيامَ مستمرٌ، لا يُعدُّ من اللائقِ تقديمُ الشرابِ الباردِ أو القهوةِ على النحوِ المعتادِ؛ عندئذٍ يعتذرُ المضيفُ بقولهِ":رمضانُ كريم"، فيجيبُهُ الضيفُ: "اللهُ أكرم"  ويكتسبُ هذا التبادلُ الاصطلاحيُّ وظيفةً لغويةً تشبهُ وظيفةَ اللواحقِ في اللغةِ؛ فهو يدلُّ ويُميّزُ ويُحدّدُ اللحظةَ بوصفِها لحظةً خاصةً وفريدةً في التقويمِ الإسلاميِّ، كما يُعيدُ تنظيمَ العلاقةِ بينَ الزمنِ والضيافةِ والسلوكِ الاجتماعيِّ ضمنَ أفقِ المقدّسِ؛ حيثُ تتحوّلُ اللغةُ من مجردِ أداةِ تواصلٍ إلى وسيطٍ رمزيٍّ يعيدُ إنتاجَ المعنى، ويعيدُ صياغةَ العلاقاتِ الاجتماعيةِ وفقَ منطقِ الزمنِ المقدّسِ.

وتتجلّى مكانةُ رمضانَ بوصفِهِ الشهرَ المقدّسَ بامتياز في قيمتِهِ الدينيةِ بوصفِهِ نقطةَ التقاءٍ كبرى بينَ الإنسانِ وخالقِهِ؛ إذ يُنظرُ إليهِ على أنَّهُ «شهرُ اللهِ»، حيثُ يتكثّفُ الزمنُ الدينيُّ ويتحوّلُ من مجردِ تعاقبٍ رتيبٍ للأيامِ إلى تجربةٍ وجوديةٍ مفعمةٍ بالمعنى. وفي هذا السياقِ، لا يعودُ الزمنُ مجردَ إطارٍ محايدٍ للأحداثِ، بل يصبحُ بنيةً رمزيةً يُعادُ فيها ترتيبُ العلاقةِ بينَ الإنسانِ والكونِ والمطلقِ. وإلى جانبِ ذلكَ، يُعترفُ برمضانَ بوصفِهِ الشهرَ الذي تنزّلَ فيهِ القرآنُ، فيغدو زمنُ الوحيِ حاضراً في الذاكرةِ الجماعيةِ بوصفِهِ لحظةً تأسيسيةً للوعيِ الدينيِّ، تعيدُ ربطَ المؤمنِ بعقيدتِهِ وبصفاتِ اللهِ الصَّمَدِ، الذي تتوجهُ إليه القلوبُ في هذا الانقطاعِ الروحيِّ الخالص.. وتتجلّى مكانةُ رمضانَ بوصفِهِ الشهرَ المقدّسَ بامتياز في قيمتِهِ الدينيةِ بوصفِهِ نقطةَ التقاءٍ كبرى بينَ الإنسانِ وخالقِهِ؛ إذ يُنظرُ إليهِ على أنَّهُ «شهرُ اللهِ»، حيثُ يتكثّفُ الزمنُ الدينيُّ ويتحوّلُ من مجردِ تعاقبٍ رتيبٍ للأيامِ إلى تجربةٍ وجوديةٍ مفعمةٍ بالمعنى. وفي هذا السياقِ، لا يعودُ الزمنُ مجردَ إطارٍ محايدٍ للأحداثِ، بل يصبحُ بنيةً رمزيةً يُعادُ فيها ترتيبُ العلاقةِ بينَ الإنسانِ والكونِ والمطلقِ. وإلى جانبِ ذلكَ، يُعترفُ برمضانَ بوصفِهِ الشهرَ الذي تَنَزَّلَ فيهِ القرآنُ، فيغدو زمنُ الوحيِ حاضراً في الذاكرةِ الجماعيةِ بوصفِهِ لحظةً تأسيسيةً للوعيِ الدينيِّ، تعيدُ ربطَ المؤمنِ بعقيدتِهِ وبصفاتِ اللهِ الصَّمَدِ، الذي تتوجهُ إليه القلوبُ في هذا الانقطاعِ الروحيِّ الخالص.

أما ليلةُ القدرِ، في السابعِ والعشرينَ من رمضان، فهي اللحظةُ التي تستعيدُ فيها الأمةُ جلالَ ذكرى نزولِ القرآنِ؛ حيثُ يتجددُ اتصالُ الإنسانِ بالمطلقِ في ذروةٍ روحيةٍ تتجاوزُ حدودَ الزمنِ. وفيها يُحتفى بتمامِ تلاوةِ القرآنِ كاملاً في آنٍ واحدٍ في المساجدِ الثلاثةِ الأقدسِ في الإسلام: مكةَ والمدينةِ والقدسِ؛ حيثُ يتقاطعُ الصوتُ الجماعيُّ مع الذاكرةِ المقدّسةِ، ويتحوّلُ الطقسُ الدينيُّ إلى فعلٍ رمزيٍّ يعيدُ وصلَ الأرضِ بالسماءِ. وتتألقُ القدسُ في هذه الليلةِ ببهائها الفريدِ، بوصفِها بابَ السماءِ، أو أحدَ أبوابِها المشرعةِ نحو الملكوتِ، وهي مدينةُ الصلاةِ التي لا تنامُ؛ ففي رحابِ هذا الاتصالِ، تذوبُ الحدودُ بينَ الفردِ والجماعةِ، وبينَ عراقةِ التاريخِ وحضورِ اللحظةِ، ليغدوَ الوجودُ بأسرهِ في حالةِ ارتقاءٍ نحو المطلق.

انَّ الصيامَ من اللحظةِ التي يتبيّنُ فيها «الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ»، أي من أولِ شعاعِ نورٍ يشقُّ عتمةَ الليلِ، حتى غروبِ الشمسِ طوالَ شهرِ رمضان، هو أحدُ أركانِ الإسلامِ الخمسةِ؛ استجابةً لقولهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. ومن خلالِ هذه الفريضةِ التي كتبها اللهُ على المسلمين، يغدو الإنسانُ مستحقاً لثوابٍ عظيمٍ في الآخرةِ؛ حيثُ يتحوّلُ الامتناعُ الجسديُّ إلى ممارسةٍ معرفيةٍ وروحيةٍ، ويستحيلُ الجسدُ من موضوعٍ للغريزةِ إلى مجالٍ لإنتاجِ المعنى، ويتحوّلُ الزمنُ اليوميُّ إلى زمنٍ مقدّسٍ يُعادُ فيهِ بناءُ الذاتِ على تخومِ المطلقِ.

بعد أن يتخلّى المسلم التقي عن روتين الحياة اليومية الدنيوية، يتحوّل إلى كائن زاهد متسامٍ، ينصرف خطابه حصريًا إلى الله. فالصيام ليس فعلًا عقابيًا يقوم على تأديب الذات، بل هو جهاد داخلي شخصي يهدف إلى خلق حيّز لله في القلب عبر الانفصال التدريجي عن العالم المادي. وفي الصيام، كما في الصلاة، يسعى الإنسان إلى محبة الله ونبعد أن يتجرّدَ المسلمُ التقيُّ من متطلباتِ الحياةِ اليوميةِ الماديةِ وضغوطاتِها، يتحوّلُ إلى عابدٍ متزهّدٍ تنصرفُ كينونتُهُ حصرياً إلى مناجاةِ اللهِ

إن الموقف هنا هو موقفُ المتضرّعِ الذي يتملكه في آنٍ واحدٍ الخوفُ والرجاءُ؛ فهو يخشى الله لما له من توقيرٍ عظيمٍ في قلبه، ويخاف أن يقع في سخطه، غير أنّ الحماسة التي يلتزم بها المسلم بأداء واجباته الدينية تعزّز في الوقت ذاته الأمل في نيل رضا الله، الذي يثق برحمته ورأفته، إذ يتأسس الإيمان في هذه اللحظة على جدليةٍ دقيقةٍ بين الهيبة والمحبة، وبين الرهبة والطمأنينة..

وختاماً، يُعدّ إحياءُ رمضانَ ارتقاءً روحيًا ساميًا، يتجاوزُ حدودَ الممارسةِ الشعائريةِ ليغدوَ تجربةً دينيةً وجوديةً، ترتقي بالإنسانِ نحو أفقِ المقدّسِ، وتعيدُ تشكيلَ علاقتِهِ بذاتِهِ وبالآخرِ وبالعالمِ؛ حيثُ يصبحُ الصومُ طريقًا إلى المعرفةِ، والحرمانُ سبيلًا إلى الامتلاءِ، والزمنُ اليوميُّ فضاءً لتجلّي المعنى. فيغدو رمضانُ ليس مجردَ شهرٍ في التقويمِ الهجريِّ، بل لحظةً كونيةً يتقاطعُ فيها الإنسانُ مع المطلقِ، ويعيدُ فيها اكتشافَ ذاتِهِ في ضوءِ النورِ الإلهيِّ.

 

.