- 26 شباط 2026
- مقابلة خاصة
بقلم: د. علي قليبو
مَا إنْ يَحلَّ شهرُ رمضانَ حتّى يغمرَني شعورٌ بالدفءِ، وأستذكرَ صورةَ والدي وقد اسْتَحالَ شخصاً آخَرَ غيرَ الذي نعهَدُهُ؛ إذ كان يعتكفُ ركنا قَصيّاً في البيت، ناسِكاً مُتعبِّداً تحتَ عباءتِهِ البنيّةِ من صوفِ الجَمَلِ. كانَ يَبدو لَنا -نَحْنُ الأَطْفالَ- في صورةِ المتعبدِ المنفصلِ عن العالَمِ الماديِّ، يَبْتَغي مَحَبَّةَ اللهِ ورِضاهُ؛ وكانَ مَوْقِفُهُ مَوْقِفَ المتضرعِ الخاشعِ، يَخْشى أَنْ يَحيدَ عَنْ مَرْضاتِهِ، وملؤه الأَمَلُ في نَيْلِ القَبولِ. لقد كانَ صومُهُ انفصالاً وتجرُّداً من مشاغلِ الدنيا وتفاصيلِها، ليحلِّقَ متصلاً باللهِ. كان يدهشنا بتغيرِ حالِهِ، يتأرجحُ في خلوتِهِ بين الخفاءِ والتجلي؛ فتارةً يختفي كلياً تحتَ دِثارِهِ غارقاً في تلاوتِهِ، وتارةً يطالعُ الكتابَ الكريمَ وقد تجلّى لنا وجهُهُ حين تنحسرُ العباءةُ عنه، ليبقى طيلةَ شهرِ الفُرقانِ منقطعاً في مناجاةِ الله، غارقاً في كلماتِ الكتابِ الكريمِ وتلاوةِ آياتِهِ.
يُذكّرُني رمضانُ بنشأتي في كنفِ عائلةٍ يضبطُ التقويمُ الهجريُّ إيقاعَها؛ حيثُ كان والدايَ يتقصّيانِ منازلَ القمرِ وأطواره بدقةٍ إيمانيةٍ بالغة. فمع انبثاق الهلال في غرّة المحرّم، يُعلنان ميلاد سنةٍ جديدة، ليتنامى الضوءُ نحو التربيع الأول في العاشر منه إحياءً لذكرى "عاشوراء". ومع بلوغ القمر طور الأحدب المتزايد في الثاني عشر من ربيع الأول، تفيضُ البهجةُ بميلادِ خير البرية ﷺ، حتى إذا مالَ الضوءُ للغياب في الهلال الثاني من أواخر رجب، استحضرا جلال "الإسراء والمعراج". ومع اكتمال القمر بدراً في منتصف شعبان، تبلغُ الروحُ ذروة ترقّبها في مآدب "الشعبونية"، حين يودعُ الأهلُ بهجةَ الطعامِ استعداداً للانقطاعِ في الشهرِ التاسعِ، ليحلَّ رمضانُ مهبطَ القرآنِ وموطنَهُ، متوّجاً العامَ بفرحةِ العيدينِ؛ عيدِ الفطرِ الذي يفتتحُهُ هلالُ شوال، وعيدِ الأضحى الذي يكتملُ فيه النسكُ مع تربيعِ ذي الحجة.
لقد كان رمضانُ في نظرِ والدي حلقةَ الوصلِ الكبرى بين العبدِ وخالقِهِ؛ وحيثُ كنّا —نحنُ الأطفالَ— نتلقّى تعليمَنا في المدارسِ التبشيريةِ، في زمنٍ سبقَ إدراجَ المنهاجِ الأردنيِّ واعتمادَ المقرراتِ الدينيةِ الرسميةِ، برزَ دورُ والدتي المحوريُّ في تلقينِنا القرآنَ الكريمَ؛ إذ كنّا نستعدُّ للنومِ في حضنِها الدافئِ في السريرِ، وتُواظبُ على تحفيظِنا آياتِ الحفظِ والمُعَوِّذاتِ، وما عُرِفَ بـ "المُنْجِياتِ" أو "الحُروزِ"؛ لِتكونَ لنا الملاذَ الروحيَّ الذي يمنحُنا الطمأنينةَ والأمانَ، وتغرسَ في قلوبِنا الغضَّةِ بذورَ "الكلمةِ" قبلَ أن ينضجَ الوعيُ.
وهنا، تجلّى والدي مرشداً روحياً يغرسُ في نفوسِنا جلالَ شعيرةِ الصومِ؛ فكان يشيرُ إلى قدسيةِ شهرِ الفرقانِ مستشهداً بقولِ النبيِّ ﷺ: "رمضانُ شهرُ اللهِ"، ويتلو علينا بخشوعٍ وصوتٍ مهيبٍ أمرَ اللهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. لقد كان يمزجُ في إرشادِهِ بين ترغيبِنا في فيضِ الثوابِ، وبين تحذيرِنا من مَغَبَّةِ أنَّ تركَ الصومِ كبيرةٌ من الكبائرِ تَنتهكُ قدسيةَ العلاقةِ مع الباري.
هذا التوجيهُ هو ما صاغَ صورتَهُ في أعينِنا كـ عابدٍ متنسكٍ صارمٍ في ورعِهِ، صامداً على تقلباتِ المادةِ، فكُنّا نخشاهُ؛ إذ إنَّ صيامَهُ لم يكن مجردَ استنكافٍ عن تناولِ الطعامِ أو الشرابِ، بل جهاداً لتهيئةِ حيزٍ قدسيٍّ لله في قلبِهِ، ونفاذاً إلى جوهرِ الحقيقةِ واستغراقاً في جلالِ الكلمةِ؛ حيث الذكرُ في عُرفِهِ الصوفيِّ هو مكاشفةٌ قلبيةٌ وفيضٌ شعوريٌّ غامرٌ، انسياقاً مع النداء: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.
لم يكن حبُّ والدي لله ورسولِهِ صدفةً، بل استحضاراً لإرثٍ سلاليٍّ من رجالِ الإفتاءِ وعلماءِ الفقهِ وأصحابِ الطرقِ الصوفيةِ الضاربِ في القداسةِ؛ والآن، بنضجي الفكري وإلمامي بتاريخ القدس، أدركتُ مكنونَ صرامتِهِ وتزمُّتِهِ الدينيِّ وتقواهُ، حيث إنه سليلُ أسرةٍ مقدسيّةٍ متنوّرةٍ راسخةٍ جذورُها في العقيدةِ الإسلاميةِ. فمن ناحيةٍ نجدُ أنَّ جَدَّةَ جَدَّتِهِ صفية —سليلةِ العالمِ محمد شرف الدين الخليلي— كانت قد اقترنت بابنِ عمِّها عبد الرزاق يحيى الخليلي المعروفِ بـ «قُلَيْبَه». كذلك نجدُ جَدَّنا في القرنِ الخامسِ عشرِ من المتفانينَ في العشقِ الإلهيِّ؛ وتفرّدَ بكنيةِ «قُلَيْبَه» —وهي تصغيرُ تحبُّبٍ لـ "القلب"، حيث استبدَّ به الوجدُ فقيلت فيه: "يا قُلَيْبَه يا عاشقُ"— فتميّزَ فخذُهُ بها عن سائرِ أبناءِ عُمومتِهم من آلِ الخليلي التميمي الذين ينحدرونَ من بطنِ الصحابيِّ تميم بن أوس الداريِّ.
لقد بقي اللقبُ —أي الكنيةُ— برسمِها الإملائيِّ «قُلَيْبَه» تعبيراً عن ذاك الوجدِ، مروراً بعصرِ الجدِّ المفتي عبد المعطي «قُلَيْبَه» في القرنِ الثامنِ عشرِ؛ وبقي آلُ «قُلَيْبَه» الخليلي يتوارثونَ "بيرقَ النبيِّ موسى" أبّاً عن جَدٍّ، من العصرِ الأيوبيِّ وحتى نهايةِ العصرِ العثمانيِّ حين استقرَّ رسمُهُ «قُلَيْبُو».»
إن هذا العمقَ الروحانيَّ المتأصلَ في سلسلةِ الفقهاءِ والشيوخِ أصحابِ الطريقةِ، هو ما رسَّخ صيامَ والدي بصورةِ "العابدِ المتنسكِ"؛ فأَيَّاً كانَ الفَصْلُ الَّذي يَحُلُّ فيهِ رمضانُ؛ صَيْفاً لاهِباً أَوْ شِتاءً قارِساً، رَبِيعاً مُعْتَدِلاً أَوْ خَرِيفاً غارِباً؛ كانَ والِدِي يُؤَدِّي فَرِيضَةَ الشَّهْرِ الفَضِيلِ بـ انْهِماكٍ وجْدِيٍّ، وَوَلَهٍ رُوحِيٍّ مَحْفُوفٍ بِالإِرادَةِ واليَقِينِ، لا تُفارِقُهُ عَباءَتُهُ.
يَعودُ أَصْلُ تَسْمِيَةِ شَهْرِ رَمَضانَ إِلى عُصُورِ ما قَبْلَ الإِسْلامِ؛ حِينَ كانَ الشَّهْرُ التّاسِعُ يَقَعُ في قَيْظِ الصَّيْفِ. فَكَلِمَةُ «رَمَضان» مُشْتَقَّةٌ مِنَ الجَذْرِ العَرَبِيِّ «رَمِضَ» أَوْ «الرَّمَضِ»؛ تَدُلُّ على شِدَّةِ الحَرِّ، ورَمضاءِ الأَرْضِ مُحْتَرِقَةِ الجَدْبِ، وشُحِّ القُوتِ. لَقَدْ دَرَجَ العَرَبُ الأسبقين على الصَّوْمِ تَوافُقاً مَعَ النِّظامِ البِيئِيِّ وَقَسْوَةِ الطَّبيعَةِ، واتِّقاءً لِرَمضاءِ الأَرْضِ، لَكِنَّ الإِسْلامَ مَيَّزَ الصَّوْمَ الإِسْلامِيَّ بِجَعْلِهِ لِوَجْهِ اللهِ خَالِصاً، لَا مُجَرَّدَ تَكَيُّفٍ مَعَ العَناصِرِ الطَّبيعِيَّةِ؛ وَقَدْ تَطَوَّرَتْ خَصائِصُهُ عَبْرَ الزَّمَنِ تَمْيِيزاً لَهُ عَنْ صَوْمِ الصابِئِينَ، والحُنَفاءِ، واليَهُودِ، والنَّصارى. كانَتِ الأشهرُ القمريَّةُ قَبْلَ الإسلامِ -والتي تبلغُ نحوَ ثلاثِمائةٍ وأربعةٍ وخمسينَ يوماً- تَرتبطُ بالدَّورةِ المَوْسميَّةِ؛ حَيْثُ يُصَحَّحُ مَسارُها في «التَّقويمِ» الجاهليِّ عَبْرَ إضافةِ شهرٍ كُلَّ رابعِ سنةٍ، وهو ما عُرِفَ بِـ "النَّسِيءِ".
أرسى الخليفةُ الراشدُ الثاني، عُمَرُ بنُ الخطابِ، التقويمَ الإسلاميَّ الجديدَ مُعتمِداً الأشهرَ العربيَّةَ ذاتَها. وفي العِشرينَ سنةً الأولى منَ الإسلامِ -وعَقِبَ موقِعَةِ صِفِّينَ وانتقالِ الخلافةِ من مكةَ إلى الدولةِ الأُمويَّةِ في دمشقَ- غَدَتِ الأشهرُ القمريَّةُ طَليقةً حُرَّةً في دَوَرانِها؛ وذلكَ بَعْدَ إلغاءِ شَهْرِ «النَّسِيءِ» (الشَّهْرِ المَنْسِيِّ). ومِنْ ثَمَّ، لَمْ يَعُدْ رمضانُ مُرتبِطاً بالدَّورَةِ المَوسِمِيَّةِ حَيْثُ يَشتدُّ القيظُ، وكذلكَ الأمرُ بالنسبةِ للحجِّ وسائرِ العباداتِ؛ إذْ لَمْ تَعُدْ تَتوافَقُ -بالضرورةِ- معَ انقِلابِ الفصولِ. لَقَدْ أَدَّى إلغاءُ «النَّسِيءِ» إلى تَحَرُّرِ الـمُقَدَّسِ وانفصالِ الطقوسِ الدينيةِ عَنِ الطَّبيعةِ؛ لِتَدورَ العبادةُ في فَلَكِ الزَّمانِ الإلهيِّ المُنْفَكِّ عَنْ بِيئَةِ المادةِ. وتُلمِحُ هذهِ الإشارةُ التاريخيَّةُ لانتقالِ الخلافةِ إلى التحوُّلِ مِنْ مُجتمعٍ قَبَليٍّ مُرتبطٍ بالرَّعيِ ومواسمِهِ -حيثُ كانَ «النَّسِيءُ» ضَرورةً- إلى مُجتمعٍ مَدَنيٍّ في الدولةِ الأُمويَّةِ، حيثُ يُصاغُ الزَّمانُ بِإرادةٍ شرعيَّةٍ تَتجاوزُ الجغرافيا.
لَقَدْ تَفَتَّحَ وَعْيِي بَادِي ذِي بَدْءٍ عَلَى إِرْثٍ دِينيٍّ يُزاوِجُ بَيْنَ صَرامَةِ النَّصِّ ولَطائِفِ الرُّوحِ؛ فَلَمْ يَقُمْ شُعوري آنَذاك عَلَى الِامْتِثالِ الجافِّ، بَلْ عَلَى انْجِذابٍ وِجْدانيٍّ جَعَلَ الإِيمانَ عِنْدي انْعِكاساً لِمَقامَيِ "الرَّجاءِ والأَمَلِ". حَيْثُ تَبَدَّى لِيَ اللهُ في كَنَفِ رَحْمَةٍ تَفيضُ مَحَبَّةً وحَناناً، كَمَا تُجَسِّدُهُ الأَيْقوناتُ المُعَلَّقَةُ عَلَى جُدْرانِ المَدْرَسَةِ؛ فَكانَتْ مَلامِحُ المَسيحِ ورِقَّةُ والِدَتِهِ بِمَثابَةِ "مِشْكاةٍ" بَصَرِيَّةٍ عَكَسَتْ لِقَلْبي صِفاتِ اللهِ الرَّؤوفِ الرَّحيمِ. وهَكَذا، انْتَقَلْتُ مِنْ "إِيمَانِ الضَّرُورَةِ" إِلَى "إِيمَانِ المَحَبَّةِ"؛ فَانْتِمائي إِلَيْهِ كَانَ اسْتِجابَةً لِنِداءِ الجَمالِ واللُّطْفِ الأَسْمَى.
وفي المُقابِلِ، بَرَزَ مَنْظورُ والِدِي الإِسْلامِيُّ القَائِمُ عَلَى صَرَامَةِ النَّصِّ؛ فَقَدْ كَانَ —بِحُكْمِ نَشْأَتِهِ فِي قَرْنٍ مَضَى— يَرَى اللهَ ساطِعاً خَلْفَ "الكلمةِ"، وبَيْنَ سُطورِ الكِتَابِ المَكْنُونِ، مُحَمَّلاً بِعَقيدَةٍ تَنْأَى عَنِ التَّجْسِيدِ تَبْجِيلاً لِلْمُطْلَقِ؛ فَهُوَ —عَزَّ وَجَلَّ— "هُنَا وَهُنَاكَ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ". وهَكَذا، انْقَسَمَ عَالَمِي بَيْنَ «حُضورٍ» بَصَرِيٍّ لِلْمُقَدَّسِ فِي الأَيْقونَةِ، وبَيْنَ «غِيابٍ» عَقَائِدِيٍّ وفِقْهِيٍّ لِلصُّورَةِ، غِيابٍ يَكْتَمِلُ فِيهِ الحُضورُ الإِلَهِيُّ تَبْجِيلاً لِلْمُطْلَقِ، وعَبْرَ جَلَالِ النَّصِّ وَحْدَهُ؛ تَصْدِيقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾.
أمَّا بالنِّسْبَةِ لِوالِدي، حَفِيدِ دَوْحَةٍ عِلْمِيَّةٍ مِنَ الشُّيوخِ والفُقَهاءِ وأَصْحابِ الطُّرُقِ تعود إلى العصر الأيوبي؛ فَلَمْ يَكُنِ اللهُ عِنْدَهُ خِيَاراً للتأمل، بَلْ كانَ حُضوراً كُلِّيّاً مُهَيْمِناً، يَتَجَلَّى في "جَلَالِ الذِّكْرِ" الَّذي بِعُرْفِهِ "الصُّوفِيِّ النَّزْعَةِ" هو «حَالَةُ تَجَلٍّ وجْدِيٍّ» واسْتِغْراقٌ رُوحِيٌّ تَتَلَاشَى فيهِ الذَّاتُ هَيْبَةً وإِجْلالاً؛ انْسِيَاقاً مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. حَيْثُ يَلْتَقي في وِجْدانِهِ يَقينُ "الرَّحْمَةِ" بِمَهابَةِ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ "شَدِيدَ العِقابِ".
هَذا التَّباينُ بَيْنَ رِقَّةِ "الرَّجاءِ" الَّتي اسْتَقَيْتُها مِنْ مَلامِحِ المَسيحِ وأُمِّهِ، وبَيْنَ هَيْبَةِ "الحُضورِ" الَّتي عاشَها والِدي، هوَ ما جَعَلَني أَقِفُ مَذْهولاً في رِحْلَتي الأَخيرةِ؛ حِينَ رَأَيْتُ إِيمانَ والِدي يُبْعَثُ حَيّاً في قَلْبِ الرُّوحانِيَّةِ التُّركيَّةِ المُعاصِرَةِ. فَفي جَوامِعِ "قُونْيَة" و"إِسْطَنْبول"، تِلْكَ التي نألفُها ونُطْلِقُ عَلَيْها أَسْماءً كأَنَّها كائناتٌ حَيَّةٌ، مَا إنْ يَرْتَفِعَ الأذانُ حتَّى تَهْرَعَ الجُموعُ بِخِفَّةٍ وشَغَفٍ، مُحَوِّلَةً تِلْكَ الهَيْبَةَ القَديمةَ إِلى "فِطْرَةٍ إِيمانِيَّةٍ" تُمَارَسُ بِعَفَوِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ. لَقَدْ رَأَيْتُ "جَلالَ الذِّكْرِ" يَتَجَسَّدُ في رِحابِ "جامِعِ السُّلْطانِ أَحْمَد" وغَيْرِهِ مِنَ الجوامعِ؛ هُناكَ، حُضورُ اللهِ طَبيعِيٌّ كَالتَّنَفُّسِ، لا يَحْتاجُ إِلى وسيطٍ مِنْ عَقْلٍ أَوْ بُرْهانٍ؛ وهُمْ وُقوفٌ "بَيْنَ يَدَيِ اللهِ" بِوُجوهٍ ارْتَسَمَ عَلَيْها، وتَجَلَّى على صَفْحَتِها شُعاعٌ مِنْ مَزيجِ الحُبِّ والرَّهْبَةِ، والإِجْلالِ والرَّجاءِ.
لَقَدْ كانَ ثَمَّةَ شُعورٌ طاغٍ بِالغِبْطَةِ، يَمْتَزِجُ بِإِحْساسٍ عَميقٍ بِالرِّضا، يَشِعُّ مِنْ أَسارِيرِ وَجْهِ والِدي وهُوَ يَتَناوَلُ حَبَّةَ التَّمْرِ وأَوَّلَ جَرْعَةِ مَاءٍ تَسْتَبِقُها "نِيَّةُ الإِفْطارِ". فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كُنْتُ أَرَى "جَلالَ التَّكْلِيفِ" يَذُوبُ فِي "جَمالِ المُكافَأَةِ"؛ حَيْثُ تَتَحَوَّلُ "الرَّهْبَةُ الحَمِيدِيَّةُ" —الـمُتَمَثِّلَةُ فِي مَخافَةِ اللهِ— إِلَى نَشْوَةٍ إِيمَانِيَّةٍ وانْشِراحٍ عَمِيقٍ يَغْمُرُ مُحَيَّاهُ، اسْتِجابَةً لِدُعاءٍ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾.
كانَ وَجْهُهُ يَتَهَلَّلُ شُكْراً وعِرْفاناً وهُوَ يُقِيمُ صَلاةَ المَغْرِبِ تِلْوَ الإِفْطارِ؛ لا لِأَنَّهُ أَتَمَّ فَريضَةً فَحَسْبُ، بَلْ لِاسْتِشْعارِهِ الرِّضا فِي إِنجازِ الواجِبِ على أَكْمَلِ وَجْهٍ. وهَذَا الِانْهِماكُ الكُلِّيُّ والسُّمُوُّ عَبْرَ الفِعْلِ التَّعَبُّدِيِّ هُوَ ما عايَنْتُهُ فِي مَساجِدِ "إِسْطَنْبول" وقُونْيَة"؛ حَيْثُ تَذُوبُ الفَوارِقُ ويَتَحَوَّلُ الوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ إِلَى "مَثُولٍ يَوْمِيٍّ" فِي حَضْرَةِ الرَّحْمَنِ. فَالقَبُولُ لَيْسَ اسْتِحْقاقاً آلِيّاً، بَلْ هُوَ فَضْلٌ يَرْتَجِيهِ العَبْدُ بِتَواضُعٍ؛ وهَكَذا، يَظَلُّ المُؤْمِنُ -كَما كانَ والِدي وكما رَأَيْتُ الأَتْراكَ- مُعَلَّقاً بَيْنَ ثَباتِ الواجِبِ وقَلَقِ القَبُولِ.
دَرَجَ الفُقَهاءُ وعُلماءُ المُسْلِمينَ على التَّمْيِيزِ والمُفاضَلَةِ بَيْنَ مُسْتَوَياتِ الصِّيامِ، بِوَضْعِ صِيامِ "العامَّةِ" الحِسِّيِّ في كَفَّةٍ، وصِيامِ "الخاصَّةِ" القَلْبِيِّ في كَفَّةٍ أَعْلى؛ إِلَّا أَنَّ المَشْهَدَ يَخْتَلِفُ مِنَ المَنْظورِ الأَنْثُروبولُوجِيِّ؛ لِتَتَحَوَّلَ هَذِهِ النَّظْرَةُ إِلى رُؤْيَةٍ لِبُنْيَةٍ هَرَمِيَّةٍ مُتَكامِلَةِ الأَدْوارِ، يَشْغَلُ فيها كُلُّ صائِمٍ مَكانَةَ "جُلْمودِ صَخْرٍ" ضَرورِيٍّ لِاسْتِقامَةِ البُنْيانِ. فَمِنَ النَّاحِيَةِ الثَّقافِيَّةِ والِاجْتِماعِيَّةِ، يَبْرُزُ التَّبْريرُ الوَظيفِيُّ لِلصِّيامِ؛ بَدْءاً مِنَ المَقولاتِ الشَّعْبِيَّةِ مِثْلَ "صُومُوا تَصِحُّوا"، وُصولاً إِلى كَوْنِهِ رِباطاً وَثيقاً يَهْدِفُ إِلى تَعْضيدِ أَواصِرِ العَلاقاتِ الِاجْتِماعِيَّةِ على جَميعِ الأَصْعِدَةِ. وهُوَ ما يَتَجَلَّى في دَعْوَةِ العائِلَةِ المُمْتَدَّةِ، واسْتِضافَةِ الأَرامِلِ والمَقْطوعينَ؛ مِمَّا يُحَوِّلُ مآدِبَ الرَّحْمَنِ ومَظاهِرَ الكَرَمِ إِلى إِشاراتٍ اجْتِماعِيَّةٍ عَميقَةٍ تُذيبُ العُزْلَةَ وتُكَرِّسُ التَّكافُلَ.
ورَغْمَ ما قَدْ يَبْدو مِنْ تَنَاقُضٍ ظاهِرِيٍّ ومُفارَقَةٍ بَيْنَ الِامْتِناعِ نَهاراً والتَّمَتُّعِ بِالطَّيِّباتِ لَيْلاً، إِلَّا أَنَّ هَذا المَسْلَكَ يَجِدُ تَوازُنَهُ في الِاعْتِدالِ؛ تَصْدِيقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى في سُورَةِ الأَعْرَافِ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. فَالإِسْلامُ هُنا يَرْبِطُ بَيْنَ نِداءِ الجَمالِ والزِّينَةِ والِاسْتِمْتاعِ بِالرِّزْقِ، وبَيْنَ رُوحانِيَّةِ العِبادةِ والتَّسامي عَنِ الإِسْرافِ.
يقومُ صيامُ القلبِ على كَوْنِ هذهِ العبادةِ سِرّاً خفيّاً مصوناً بينَ العبدِ وربِّهِ، انفردَ اللهُ بعِلْمِها وجزائِها كما وردَ في الحديثِ القُدسي: "إلا الصومَ فإنه لي وأنا أجزي به". لِكَونِ هذا الإمساكِ أضحى مَحْضَ تفرّدٍ للذاتِ الإلهيةِ، فقد باركَ اللهُ أثرَهُ الماديّ؛ فكانَ ريحُ "الخُلوفِ" الناتِجُ عن هذا الخفاءِ أطيبَ عند اللهِ من المسكِ، وتجلتْ للصائمِ فرحتانِ تليقانِ بصِدْقِ هذا السِّر: فرحةٌ عند فطرهِ تجمعهُ بعالمِ الطيباتِ، وفرحةٌ بِبُشْرى رَبِّهِ تجمعهُ بجمال "الصَّمَدِ" في تجلٍّ يجاوزُ المدى.
يَتَجَلّى جوهرُ صيامِ القلبِ حينَ يتماهى الوَجْدُ مع دلالاتِ اسمِ اللهِ "الصَّمَد"؛ تلكَ الصفةِ التي تفرّدتْ بورودِها في المُحْكَمِ التَّنْزيل، لِتستقرَّ في روعِ المسلمِ منذُ نُعومةِ أظفارهِ وحِفْظِهِ لسورةِ الإخلاصِ: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ". ففي الأفقِ اللُّغَوِيِّ والبِنْيَوِيِّ، تشيرُ كلمةُ "الصَّمَد" إلى الوجودِ المطلقِ الذي لا جَوْفَ لهُ، المُنَزَّهِ عنِ الاحْتياجاتِ؛ فمنْ تَرَفَّعَ في جَوْفِهِ عَنْ الطَّعامِ تَمثُّلاً بِصِفَةِ "الصَّمَد"، تَرَفَّعتْ حواسُّهُ استجابةً لهذا السُّمُوِّ عَنْ المادياتِ، مُؤثِراً حبهُ للهِ على حبهِ لذاتهِ. باعتبارِ أنَّ النفسَ أمّارةٌ بالسوءِ، فإنَّ في كَبْحِ جِماحِ رَغباتِها يَتَجَلّى الجهادُ الأعظمُ؛ فَتَغدو خَلْوَةُ والِدي المتدثّرِ بعباءتهِ البُنّيةِ من وَبَرِ الجَمَل، وقد اعتكفَ جانباً قصيّاً بالبيتِ، بَرْزَخاً يفصلهُ عنِ العالمِ الدنيويّ ليتصلَ في حالةِ وَجْدٍ ومُناجاةٍ مع اللهِ، مُلتَمِساً عَفْوَهُ وَرِضاهُ؛ محققاً جوهرَ قولهِ تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ".
ومع تضاؤلِ البدرِ ودخوله مراحل "المُحاقِ" وقربِ زوالِ الشهرِ، كانَ الحنينُ ينسلُّ إلى نفسِ والدي؛ فبذاتِ اللوعةِ التي تسبقُ الفراقَ، كانَ يشخصُ ببصرهِ الى السماء عندَ عتبةِ الدارِ يرقبُ أفولَ الضوءِ بلهفةِ الوداع: "لا أوحشَ اللهُ منك يا رمضان"؛ راجياً أن يشملهُ الله بعَطْفِهِ ورِعايَتِهِ ولُطْفِهِ، ويقبلَ صيامَ قلبهِ في رحابِ قدسِهِ؛ ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
رحلَ والدي منذ نيفٍ وأربعين عاماً، كما غادرتنا والدتي قبل خمس سنوات، بيد أنَّ صدى غبطتهما وهما يصغيان لتكبيرات العيد تترددُ من مآذن "المسجد الأقصى" في بيتنا بـ "شارع الرشيد" لا يزالُ حياً في ذاكرتي. أتمثلهما الآن والسكينة تغمر وجهيهما؛ كان والدي يلهجُ بالحمد، ضارعاً أن يدركَ رمضانَ القادم، بينما والدتي تتلو الفاتحةَ وترددُ خلفه: "آمين". غادرونا وقد غمرتهما سعادةُ مَنْ أَتَمَّا فَرائِضَهُما وَنالا القَبول؛ فاستقرا في كنفِ الله ورحمته، راضِيَيْنِ مَرْضِيَّيْنِ، راجياً لهما كمال المغفرة وجزيل الثواب: ﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.

