• 9 آذار 2026
  • مقابلة خاصة

 

القدس - اخبار البلد- كتب خليل العسلي : 

 

خرج الشاب آدم  سعيد ٢٥ عاما من منزله  في حي واد الجوز صباح السبت بعد أن ضاق ذرعا بأخبار الحرب والتغطية المباشرة عبرة القنوات الفضائية التي تزيد من الاحباط والقهر والتوتر اكثر مما هو عليه حال المقدسيين.

وخرج من منزله وتوجه الى شارع الزهراء وصولا الى  شارع صلاح الدين دون أن يفكر ماذا يفعل وكأنه يقول لنفسه : أريد أن اشعر بالقدس في برمضان  بعد ان غاب عنها  أكثر من أسبوع بسبب الحرب على إيران  وما رافق ذلك من صفارات انذار لا تتوقف في سماء القدس  متزامنة مع اصوات انفجارات لا يراها  ولكن يهتز لها جسده خوفا ورعبا، رغم انه تعود ان يشعر بالموت  في القدس يتربص لك في كل زاوية وفي كل حركة تقوم بها أمام شرطي إسرائيلي  الا انه لم يشعر بالخوف والقلق كما يشعر الان .

بعد ان القى التحية على أصحاب بعض الحوانيت القليلة التي كانت قد بدأت يومها على امل  يكون افضل من غيره  في هذا الشهر الفضيل الذي كان يعلق عليه التجار وأصحاب الفنادق الكثير لانقاذهم من أزمتهم المالية والاقتصادية الخانقة التي يعانون منها منذ سنوات إلا أن الحرب على إيران جاءت لتقضي على هذا الأمل البسيط ايضا 

وسار آدم في الشارع الذي بدأت الحركة تدب في أطرافه  في اشارة ايجابية،إن مزيد من الحوانيت قد تفتح أبوابها  بعد أسبوع من الإغلاق .

 بدون  أي تخطيط ووجد ادم نفسه في نهاية شارع صلاح الدين أمام باب الساهرة وهناك وجد الحواجز الكثيرة المنتشرة التي منعت سكان القدس من الاقتراب الى البلدة القديمة وسمحت فقط لمن يحمل هوية اسرائيلية مكتوب فيها ان عنوانه هي البلدة القديمة مما حول ذلك المكان الى مدينة اشباح تغط في ظلام دامس في ساعات الليل الموحشة .

ولكن هذا اليوم لم يكن هناك جنود ولا شرطة اسرائيلية على الباب لأول مرة  فسارع يهرول الى داخل باب الساهرة بدون ان ينظر الى الخلف يريد ان يسلم على المدينة التي يعشق .
" والله لن ابالغ ان قلت انني لمست كل الحجارة طول الطريق  داخل البلدة القديمة وكأنني اعتذر لها عن غيابي وانني لم اتمكن من القدوم اليها، اسألها عن حالها واشعر انها تسال عن حالي …"

وعلى الفور توجه الى مخبز الرازم في حارة السعدية  بعد أن راى العديد من المواطنين يحملون  أكياس البرازق المقدسية المقرمشة الشهية الملفوفة في ورق ابيض حفاظا عليها، تلك البرازق التي تختص بها القدس في شهر رمضان المبارك ، وهناك وجد كمية كبيرة من البرازق جاهزة ولكنه لم يجد الكثير من الناس على غير العادة فالجميع خائف وينتظر الفرج ولم يغامر الكثير مثله . 

 وقال الشاب الذي يعمل في الفرن " هذا أول يوم  نفتح فيه المخبز ونعد البرازق منذ أسبوع بسبب الإغلاق، كم انا سعيد ان ارى الناس من خارج القدس قد عادوا لاننا عندها نشعر برمضان وببركاته .

 قرر آدم أن يشتري كمية كبيرة من البرازق( 30  قطعة)  لأنه لا يعرف ان كان يستطيع العودة مرة أخرى الى المخبز والى البلدة القديمة، فلا شئ مضمون في القدس .

 وفي شارع الزهراءالمتفرع من شارع صلاح الدين يقع الفندق الوطني العريق  والذي يعتبر المكان الأول المفضل لكل المسلمين القادمين الى القدس من جميع انحاء العالم  لانه لا يقدم الخمور، هذا الفندق يعتبر الأكثر  إقبالا وخاصة في شهر رمضان المبارك كما يقول صاحبه رجل الاعمال المقدسي المعروف النشيط اسامة صلاح والذي يضيف : 

" نحن نعتمد بشكل خاص على شهر رمضان  كحال المدينة وتجارها وأصحاب الحوانيت فيها لتحسين اوضاعنا الاقتصادية التي تعانيها المدينة برمتها، ونحن نعتمد على السياحة الإسلامية الوافدة  وبالتحديد في اخر عشرين يوم من شهر رمضان حيث تصل نسبة الحجوزات  في الفندق  الى اكثر من 120٪  ، الفندق يكون مكتظا بالمسلمين الاجانب ومن داخل إسرائيل  لكن اليوم وبسبب الحرب على ايران  واغلاق المطارات و اغلاق المسجد الاقصى وصلت نسبة الحجوزات إلى 2 ٪ فقط 

 ويقول صلاح : "  هذه الأيام أغلقت خمسة فنادق أبوابها في القدس  بسبب الحرب وانعدام  السياحة الإسلامية التي نعتمد عليها، ففي أيام الخميس والجمعة تكون عندنا  الاسعار عالية جدا بسبب وصول المسلمين من الداخل والذين يعمدون على الاعتكاف في القدس  في رمضان وكذلك المسلمين القادمين من بريطانيا وجنوب أفريقيا  ومن آسيا .

 هذا الوضع كبد الفنادق في القدس وأصحاب المحال التجارية خسائر باهظة، كما يقول صلاح 

  " الآن نعاني من خسائر رهيبة وكنا نأمل ان يساعدنا شهر رمضان لتخطى الضائقة المالية لعدة أشهر قادمة ولكننا في حالة دمار كامل  حتى في زمن الحرب على غزة   كانت الحجوزات تتجاوز 80٪ لانه لم يتم إغلاق الحدود ولا اغلاق المسجد الاقصى.

 وأنهى رجل الاعمال اسامة صلاح كلامه : " نحن أملنا بالله كبير نتمنى ان يتغير الوضع من حال الى حال ، فالقدس لا تكاد تخرج من مصيبة حتى تقع في مصيبة اكبر منذ الكورونا ونحن  نعاني الأمرين…."

 ولكن اسامة صلاح كغيره من الكثيرين من الذين لا يفارقون المسجد الاقصى الا وقت النوم حيث يحرصون على أداء الصلوات في أوقاتها في المسجد الأقصى  يشعر بحالة من الحزن الشديد لأنه تم حرمانه وهو غيره  من الوصول الى الأقصى المغلق باسم من الشرطة الاسرائيلية منذ اكثر من اسبوع 

 يقول : صدقني اننا مثل السمك الذي  تم إخراجه من الماء  فنحن بدون الاقصى نموت لا نساوي اي شيء وانا شخصيا  كنت أحرص على الصلاة هناك كل  الصلوات تقريبا فهو لا يبعد سوى أمتار عن الفندق الوطني، وهنلك فقط يكون القرب الى الله  .

 ويضيف:

 " ،الاقصى بالنسبة لنا هو كل شئ روحنا متعلقه فيه  لا أشعر بالراحة ولا حتى بروحانية رمضان ، هذه الروحانية فقط في الاقصى لان هناك تشعر انك في شهر العبادة والإحسان . فنحن بدون الاقصى لا تساوي أي شيء، حتى صلاتنا في منازلنا لا طعم لها  ولا نشعر فيها بالخشوع مثل صلاتنا في الاقصى  فعندما ندخل نشعر بالراحة والطمأنينة وتنسى  كل همومك من أجل الصلاة .

 ويعلق على إغلاق الاقصى :  يقولون انه حماية لنا اغلقوا الاقصى ونحن نقول لهم نحن نؤمن انه اذا كتب علينا الموت سوف نموت أينما كنا حتى لو كنا في بيوتنا لاننا نؤمن بالقضاء والقدر ولهذا لا اعرف لماذا أغلقوا الأقصى  في زمن الحرب على  إيران.

 نفس الشعور كان لدى الشيخ عزام الخطيب  رئيس مجلس الأوقاف الإسلامية ومدير عام دائرة الأوقاف والذي قام بتفقد الاقصى  الوحيد المهجور بسبب القرار الاسرائيلي  فلقد أعرب عن حزنه العميق من هذه الحالة التي يعيشها الاقصى واكتفى بالقول لا حول ولا قوة الا بالله اتمنى ان ينتهى هذا الكابوس عن الاقصى وان يعود إليه المصلين كما كان،.

 وفي الجمعة الثالثة من رمضان اقيمت صلاة الجمعة في الاقصى ، هذه المرة  بغياب  عشرات الالاف المصلين وبحضور الامام  والخطيب وعدد من الحراس فقط .

 الا ان الإصرار المقدسي  دفع الشبان والشيب الى القدوم حتى مداخل  البلدة القديمة  وان يصلوا امام الحواجز  التي أقامتها الشرطة الاسرائيلية  من باب العامود حتى باب الاسباط  مرورا باب الساهرة في اشارة الى قوة الارتباط  الروحي والوجداني بين سكان القدس والمسجد الأقصى  الوحيد المحاصر .

  وقال أحد الشبان المصلين عند باب العامود  نأمل أن يفتح الاقصى باسرع وقت ممكن لان هذا الوضع لا يمكن أن يقبله عقل ان يستمر اغلاق  الأقصى في اهم شهر بالسنة  في شهر رمضان ولأسباب غير منطقية ، ونخشى أن يكون لدى السلطات الإسرائيلية مخططات اخرى بخصوص الاقصى مستغلين الإغلاق …

 وعلى مقربة من الاقصى تقع تكية خاصكي سلطان التي تشرف عليه الاوقاف الاسلامية والتي رغم الاجراءات الاسرائيلية المشددة والاغلاق التام للبلدة القديمة إلا أنها في تحدى واضح وايمان عميقا باهمية الرسالة التي اوكلت للقائمين عليها  لم تتوقف العمل  في التكية ليوم واحد من اجل تقديم الطعام للمحتاجين وإلى حراس الأقصى والموظفين في دائرة الاوقاف . 

ويقول بسام ابو لبدة  مدير التكية  والمدير النشيط إنهم عملوا كل ما باستطاعتهم من أجل  استمرار عمل التكية التابعة لدائرة الاوقاف الاسلامية في هذه الأوقات العصيبة التي تعيشها القدس  لدرجة انه كان يضطر إلى القدوم للمكان في منتصف الليل لتلافي منعه ومنع الموظفين من الدخول الى البلدة القديمة كما كان ينقل المواد التموينية بطرق مختلفة حتى لا يحدث اي نقص في المواد الغذائي . 

 يقول إن أعداد المقبلين على التكية قد ارتفع بشكل كبير بسبب إغلاق البلدة القديمة وعدم تمكن الكثير من العائلات الحصول على قوت يومهم اضافة الى الاوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها العائلات في القدس ناهيك عن أن الكثير من العائلات المقدسية اعتادت في شهر رمضان الحصول على طعامهم من المطاعم التي كانت تقدم الوجبات المجانية في هذا الشهر الفضيل كل هذه الأعداد تحولت إلى التكية للحصول على قوت يومهم بعد اغلاق المطاعم ابوابها بامر من السلطات الاسرائيلية .

 ويضيف  أبو لبدة أن البلدة القديمة كئيبة وحزينة والله يكون في عون تجار المدينة الذين كانوا تنظرون شهر رمضان كل عام  بفارغ الصبر من اجل تحسين اوضاعهم الاقتصادية، فمنذ الكورنا اصبح التجار وحتى  اصحاب البسطات يعولون الكثير على شهر رمضان من اجل تحسين اوضاعهم ولكن هذا العام تدهور الوضع  بشكل مفاجئ وسريع  بسبب الإغلاق الإسرائيلي الذي لا مبرر له. 

 وانهى بسام ابو لبدة مدير تكية خاصكي سلطان كلامه بصوته الجهور وتصميم ايماني عميق  : يا اخي الكريم رغم كل ذلك نحن موجودون هنا،  نحن مرابطون ولن نموت إلا هنا….