- 13 آذار 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : نائلة الوعري *
ليس من السهل على المقدسي أن يرى أبواب المسجد الأقصى مغلقة، وأن يُمنع الناس من الوصول إليه، خصوصاً في هذا الشهر المبارك الذي اعتاد فيه المسلمون أن تتجه قلوبهم وخطواتهم نحو المسجد الأقصى للصلاة والتعبد، فالمسجد الأقصى مكانته راسخة في عقيدة المسلمين؛ فهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى النبي محمد ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج. ومن أجل ذلك شدّ المسلمون الرحال إليه عبر العصور، من فلسطين ومن أنحاء العالم العربي والإسلامي للصلاة فيه والتبرك بقدسيته وإحياء ليالي العبادة في ساحاته، حتى أصبح حضوره جزء من الوجدان الديني والتاريخي للمدينة وأهلها.
فقد كان، عبر الأجيال، مقصدًا المصلين من القدس ومن مدن فلسطين وقراها، ومن الدول العربية والإسلامية يأتون للتقديس قبل الذهاب لمكة للحج أو بعد قدومهم منها، وتتجه للأقصى القلوب قبل الخطوات في كل اوقات الصلاة وفي أيام الجمعة وفي المواسم الدينية. وخصوصا في شهر رمضان المبارك
واليوم ونحن نشهد اغلاقه امام المسلمين في شهر رمضان ورؤية ساحاته، التي كانت تمتلئ بالمصلين، خالية وحزينة في مشهد يترك حنقاُ وغضباً عميقين في نفوس المقدسيين وكل من ارتبط وجدانه بهذا المكان.
ويزداد وقع هذا المشهد قسوة اليوم ونحن في الأيام العشر الأواخر حيث يشتد الشوق للقيام وإحياء ليلة القدر ففي تلك الليالي كانت ساحات المسجد تمتلئ بالمصلين والمرابطين، وكانت المدينة تعيش أجواءً خاصة تمتد حتى ساعات الفجر.
أما اليوم، ومع القيود والاغلاقات التي فرضتها قوات الاحتلال على الوصول إلى المسجد، فقد غابت هذه الصورة التي عرفتها القدس عبر سنوات طويلة،تاركة المسجد الأقصى محاصراً وحزيناً ووحيدا .
وحين أتذكر المسجد الأقصى في هذه الأيام الحزينة، تعود بي الذاكرة إلى طفولتي في البلدة القديمة في بيت العائلة في حارة السعدية، في حوش البسطامي، ومن تلك الأزقة القريبة كانت تبدأ خطواتي الأولى نحو المسجد الأقصى.
كانت أمي وأنا طفلة صغيرة تأخذني معها للصلاة في أيام الجمع وفي رمضان وفي صلاة العيد انا واخوتي الصغار تمسك بأيدينا وتسير مسرعة في الأزقة الضيقة التي تقود إلى أبواب المسجد لتلحق الصلاة .
كنت أحاول أن ألحق بها بثوب الصلاة الذي كان يجرّ على الأرض، فأتعثر أحيانا،فتعود ترفعني وتمسك بيدي ثم نكمل الطريق من جديد للوصول الى ساحات المصلين
كان صوت الأذان القادم من الأقصى والذي يسمعه أهل القدس في أحيائهم القريبة والبعيدة جزءاً من إيقاع المدينة اليومي والأسبوعي، غير أن يوم الجمعة كان يحمل معنى مختلف في حياة القدس. واهلها، فمنذ ساعات الصباح تبدأ الحركة في الأزقة المؤدية إلى أبواب البلدة القديمة، حيث تتجه خطوات الناس نحو المسجد الأقصى. فترى الطرقات تمتلئ بالمصلين القادمين من أحياء القدس المختلفة ، يأتون من القرى المجاورة والمدن لأداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، وتزداد ساحاته اكتظاظاً في شهر رمضان حتى إن بعضهم كان يقطع الطريق مشياً على الأقدام ليصل إلى المسجد الأقصى . وكانت تلك الرحلات وشد الرحال الأسبوعية إلى القدس جزءًا من حياة الناس؛ يجتمعون فيها للصلاة، ثم يلتقون في ساحات المسجد ويتبادلون السلامات والأخبار قبل أن تتفرق الجموع بعد انتهاء الصلاة.
وبعد الصلاة كانت الحياة تدور في أسواق القدس القديمة. تمتلئ الأزقة بالباعة والمشترين، وتزداد الحركة في الدكاكين الصغيرة الممتدة في أسواق البلدة القديمة. وكان القادمون من القرى والمدن المجاورة يمرّون في تلك الأسواق قبل عودتهم، يحملون معهم كعك القدس بالسمسم الشهير وبعض الحلويات المقدسية والكنافة التي ارتبطت بزيارة الأقصى وبأيام الجمعة وفي شهر رمضان.
ولم يكن هذا المشهد جديداً على تاريخ القدس؛ فالمصادر التاريخية وكتب الجغرافيين والرحّالة العرب والمسلمين والوثائق العثمانية تشير إلى أن المدينة كانت عبر قرون مقصداً العلماء والرحالة و مكتشفي الآثار ولأهل فلسطين وبلاد الشام الذين اعتادوا شدّ الرحال إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه، خاصة في شهر رمضان والمواسم الدينية.
غير أن هذه الصورة التي عرفتها القدس لعقود طويلة بدأت تتغيّر بصورة واضحة في السنوات الأخيرة. ففي أيام الجمعة التي كانت تمثل ذروة الحياة الدينية في المدينة، أصبح الوصول إلى المسجد الأقصى خاضعاً لقيود مشددة تفرضها سلطات الاحتلال، من خلال الإغلاقات المتكررة ونقاط التفتيش والاعتداء على المصلين ومنعهم من الدخول إلى المسجد.
وقد أدى هذا التضييق إلى تغيّر المشهد الذي اعتادته المدينة عبر سنوات طويلة. فالساحات التي كانت تمتلئ بالمصلين، والطرق التي كانت تعجّ بالناس القادمين من أحياء القدس ومن مدن فلسطين وقراها، تبدو اليوم خالية في كثير من الأحيان، في صورة تعكس حجم القيود المفروضة، ومذكرات المنع والإبعاد التي تطال شيوخ الدين، و المرابطين والمرابطات والحراس، وصولاً إلى احتجازهم ومنعهم من إقامة الصلوات ودخول الأقصى. لمدد قد تطول إلى ستة أشهر.
ولا يقتصر أثر هذه الإجراءات على المسجد الأقصى وحده، بل يمتد إلى الحياة اليومية في البلدة القديمة، حيث تتراجع الحركة في الأزقة والأسواق التي كانت تنبض بالحياة في مشهد يترك أثرًا عميقًا في نفوس المقدسيين الذين تركوا وحدهم في مشهد حزين
وربما يكون أكثر ما يؤلم في هذا المشهد أن كثيرين من أبناء القدس أنفسهم أصبحوا محرومين من هذا الطريق الذي عرفوه منذ طفولتهم. وأنا واحدة منهم، فقد غبت عن تلك الأزقة التي كانت تقودني صغيرة إلى المسجد الأقصى، وغاب عني ذلك الشعور البسيط والعميق في آنٍ واحد:
أن تمشي في طرقات القدس متجهاً إلى الصلاة في الأقصى.
فالقدس التي عرفت طريق المصلين إلى الأقصى عبر عقود لم تعتد ولن تقبل أن ترى أبوابه مغلقة في وجوههم. إن الرباط في الأقصى هو جزء من النضال الشعبي في القدس وفتح الأقصى للمصلين هو حق ديني وتاريخي فالأقصى ليس هامشيا في عقيدة المسلمين بل قلبها النابض فالقدس عبر تاريخها قاومت الاقصاء والالغاء والإغلاق وفتحت الأبواب المغلقة.
*مؤرخة وكاتبة مقدسية

