• 17 آذار 2026
  • مقابلة خاصة

 

 

بقلم : ا.د. زيدان عبد الكافي الكفافي

 

أنا وغور الأردن علاقة عشق:

تبدأ حكايتي مع غور الأردن، ذلك المكان الواصل بين المياه الحلوة في بحيرة طبرية ومياه البحر الميت المالحة لكنها شافية للأمراض، والممتدة على مسافة طولها 105 كيلومتراً، منذ عام 1975م. كنت يومها طالباً في برنامج ماجستير الآثار في الجامعة الأردنية، وأميناً لمتحف الآثار فيها، حين قرر ثلاثة آثاريين من ثلاث مؤسسات هم: محمد خير ياسين/ الجامعة الأردنية، ومعاوية إبراهيم /دائرة الآثار العامة الأردنية (حينها)، وجيمس سيوار / مدير المركز الأمريكي للآثار في عمان القيام بمسوحات أثرية في هذه المنطقة يسجلون في زياراتهم ويوثقون المواقع الأثرية المتواجدة في هذه المنطقة الممتدة بين العدسية في الشمال والشونة الجنوبية وما حولها في الجنوب.

  لن أقص على القرّاء حكاياتنا أثناء العمل، لكني أذكر أن العمل بدأ في شتاء عام 1975م وبدأ دون الحصول على التصريح المطلوب من الجهات المختصة، خاصة أن الجهة التي يجول بها الفريق عسكرية، و ما زلت أذكر كيف دخلنا إلى منطقة الباقورة في يوم ماطر، وكيف دخلنا منزل البهائيين في العدسية المبني من الحجارة البازلتية، ومحطة كهرباء روثنبرغ التي حكمت عليها حرب عام 1948م بالإعدام، فكان لكل مكان حكاية جميلة تنبض بالحياة. منذ تلك السنة أسرني الغور وأهله كثيراً، مما جعلني في شوق دائم لمعانقته. وكان لا بد من عودة، لهذا وعندما دعاني الأستاذ الدكتور خير ياسين للمشاركة في حفرية تل المزار/ أبو عبيدة عام 1976/1977م سعدت جداً. 

وحتى أزداد التصاقاً بهذه المنطقة الأردنية، تفضل مدراء مشروع مسح وادي الأردن وسمحوا لي بالعمل على دراسة مواقع فترة الألفين الخامس والرابع قبل الميلاد المسجلة في المسح الأثري لأغراض الحصول على درجة الدكتوراة، وذلك بدراسة الملتقطات الأثرية المؤرخة لهذه الفترة. وبعد أن حطت بي الرحال في شتاء عام  1982 في جامعة اليرموك قمت وخلال مدة خدمتي فيها، والتي شارفت على الأربعين سنة بالتنقيب في عدد من المواقع الأثرية في الغور، وهي مرتبة من الشمال إلى لجنوب: أبو حامد، وتل دير علا، وتل الحمّة، وتل داميا. فربط بيني وبين المكان والسكان حبل من الصداقة والمعرفة.

يمتلئ غور الأردن بالزوار خلال فصل الربيع، هم يذهبون لالتقاط الأنفاس من ضوضاء المدينة باحثين عن منطقة خضراء أو ظل شجرة للجلوس تحتها.  والسبب برأيي أن منطقة الأغوار لا زالت تفتقر لمراكز سياحية ومتنزهات للزائرين.  وأنا وبكل صدق لا أعرف إن كان هناك فندقاً أو نُزلاً مبنيا ًيأوي إليه زوار المنطقة الممتدة بين الشونة الشمالية والشونة الجنوبية.

الزائر للمنطقة يبحث عن منطقة خضراء، لكنه، وحسب اعتقادي، وللأسف لا يعلم أن غور الأردن يتكون من ثلاث مناطق جغرافية لكل منها صفاتها الجميلة، هي، الزور وهي المنطقة التي ينساب فيها نهر الأردن مغيراً مساره كما يحلو له، تليها هضاب رملية ملحية تسمى الكتار وهي من بقايا "بحيرة اللسان" التي ملئت المنطقة في فترة البليستوسين بعد تراجع مياهها، قبل أكثر من مليوني عام، ومن ثم منطقة الغور وهي المنطقة الواصلة بين سفوح الجبال والكتار.

الأصل في الحكاية أن فريقاً مشتركاً من جامعة اليرموك وجامعة لايدن الهولندية وبالتعاون مع دائرة الآثار العامة الأردنية تابع التنقيب في الحفريات التي بدأها الهولندي "هنك Henk Franken” في تل دير علا ابتداء من بدايات ستينيات القرن الفائت، وتبين أن للموقع قيمة تاريخية وأثرية كبيرة. وبطبيعة الحال، وحتى يستطيع أن يفسر ويفهم المنقبون نتائج أعمالهم، لا بد لهم من ربط الموقع بمحيطه.  وهذا ما كان، إذ قام فريق مشترك من الجامعتين في أعوام 2004 و2005 و2010م إجراء مسوحات أثرية في المنطقة المحيطة بتل دير علا، شملت إجراء تنقيبات أثرية بسيطة في بعض المواقع ومنها تل داميا.  ونتيجة لهذه المسوحات تبين أن المنطقة كانت مأهولة بشكل كثيف بالسكان على مدى العصور (كما تبين الخارطة أدناه). 

زار موقع تل داميا مجموعة من الرحالة والمستكشفين والآثاريين ابتداء من القرن التاسع عشر وحتى الوقت الحاضر، ونذكر منهم:

Irby and Mangles in 1818, William Lynch in 1848 and Charles van de Velde in 1851, W.  F. Albright 1920s, N.  Glueck 1930s, J. Sauer, M. Ibrahim and K. Yassine in 1976.

وكان الرحالة John William McGarvey الذي زار الموقع عام 1879م هو أول من لفت الانتباه إلى أن هذا الموقع من الممكن أن يكون هو نفسه موقع (أداما Adama (h)) المذكور في مسلة الملك المصري شيشنق الأول (حكم حوالي 943–922 قبل الميلاد) في الكرنك.

اكتشف المنقبون في تل داميا آثاراً مهمة، خاصة تلك المؤرخة للعصر الحديدي لذا تم الاتفاق بين جامعة اليرموك ومتحف لايدن على ضرورة استمرار التنقيب في موقع تل داميا، وإليكم سردية هذا الموقع.

الأرض والإنسان في تل داميا:

يقع موقع تل داميا في مكان يبعد حوالي 500 متراً إلى الشرق من نهر الأردن، في منطقة "الزور" في غور الأردن في منطقة قريبة من التقاء نهري الأردن والزرقاء، وعلى الطريق الذي كان يصل بين الضفة الشرقية ومدينة نابلس في المملكة الأردنية الهاشمية قبل عام 1967م. والموقع محاط من جهاته الثلاث الشمالية والجنوبية والشرقية بالهضاب المعروفة باسم "الكتار" ومنها: كتار رأس زقوم، وشعشاعة، وكتار داميا. وأما في المنطقة الواقعة غربي النهر، أي في المنطقة القريبة من الموقع، فيتواجد مواقع الجفتلك ومرج نعجة التابعين لمحافظة نابلس.

يعدّ موقع تل داميا واحداً من التلال الأثرية الواقعة في جنوبي غور الأردن والتي تضم بقايا أثرية تؤرخ للعصور الحديدية مثل تلال: تل نمرين، وتل الحمّام في الأردن، وتل السلطان في أريحا في فلسطين. ويغطي الموقع مساحة قدرها ثلاث هكتارات، ويرتفع حوالي 17 متراً فوق سطح الأرض المحيطة به. يتشكّل الموقع من جزئين، هما: العلوي أي المنطقة المرتفعة من التل؛ والسفلي وهي الجزء السفلي والذي يشكل من جهتي التل الغربية والجنوبية مصطبة تختلف في ارتفاعها من منطقة لأخرى، ويعتقد أن هذه المصطبة ربما تكون قد جرّفت من الجهتين الشمالية والشرقية لاستصلاحهما للأغراض الزراعية.

ويظهر أن التل يتمركز في موقع استراتيجي حيث يشرف اليوم على جسر الأمير محمد، وسبقه جسري الجنرال اللنبي، والظاهر بيبرس في نفس المكان الذي يصل بين ضفتي النهر الشرقية والغربية (هناك أربعة جسور بنيت في المنطقة نفسها خلال فترات مختلفة). كما أنه يسيطر على المنطقة الواقعة حوله بجميع جهاتها والتي تصل وادي الزرقاء في الأردن مع وادي الفارعة بشمالي فلسطين، والتي كانت واحدة من الطرق التجارية الهامة.  وبرأينا أن الموقع كان خلال الألف الأول قبل الميلاد عبارة عن محطة تجارية خاصة وأنه يقع في موقع مركزي ومتوسط، إذ يربط بين ضفتي نهر الأردن، كما أنه يربط شمال غور الأردن بجنوبه. كما أننا لا ننكر أنه استخدم قاعدة مراقبة عسكرية خلال العصر الحديث.

دلت نتائج التنقيبات الأثرية التي أجرتها البعثة الأثرية المشتركة في الموقع على أنه ربما خدم خلال القرون السابع وحتى الرابع قبل الميلاد محطة للقوافل التجارية وذلك بدلالة أنه تم العثور على آثار آشورية، وفينيقية، ومصرية، وعمونية فيه.

آثارهم تدل عليهم:

أشار الآثاريون الذين زاروا تل داميا إلى أن أقدم الآثار التي عثر عليها فيه تعود لحوالي خمسة آلاف سنة من الحاضر، واستمر التواصل السكاني فيه حتى الحاضر. كشفت التنقيبات عن بقايا معمارية، وقبور، وقطع أثرية أخرى تراوح في تاريخها بين العصور الحديدية المتأخرة، والفترة الفارسية/الهلنستية، والبيزنطية وحتى العثمانية.  كما تم الكشف عن بقية أجزاء مبنى مستطيل الشكل، كان قد عُثر على أجزاء منه خلال المواسم السابقة. وتبلغ أبعاد هذا المبنى 15 متراً باتجاه شرق - غرب و5 أمتار باتجاه شمال- جنوب وله منصة بنيت في جداره الغربي، وله مدخل في جداره الجنوبي، كما كسيت جدراه بالقصارة الجيرية. ويبدو أن المبنى تعرض لحريق قوي خلال بداية القرن السابع قبل الميلاد، كما يظهر ذلك من آثار النار على الجدران المبنية من اللبن الطيني. ولكشف المزيد من مخطط البناء تم في هذا الفصل إزاحة الممرات بيت المربعات نتج عنها التعرف على غرفة أخرى (؟) تتصل به من الجهة الشرقية ومما يلفت النظر أنه قد عُثر على عدد من الدمى الصلصالية الآدمية والحيوانية في داخل المبنى وخارجه، كما عثر على منصات (Stands) بأشكال بشرية ربما استخدمت لوضع آنية فوقها. وبطبيعة الحال فإن كل هذه المظاهر تجعلنا نفكر بأن لهذا المبنى صفة عقائدية. 

من خلال العثور على عدد من دمى الخيول، أعتقد أن سكان الموقع خلال القرنين السابع والسادس قبل الميلاد كانوا من العمونيين، وأنهم كانوا من مربي الخيول وأنهم كانوا خيّالة.

الزرع للزراع والأرض لأهلها الرماضين:

تعود ملكية المنطقة التي بني فيها التل والمناطق المحيطة به مباشرة لعشيرة الرماضنه التابعة لقبيلة بني عبّاد والتي سكنت المنطقة ابتداء من القرن الثامن عشر الميلادي. لكن ونتيجة لحرب عام 1967م وما تبعها من أحداث أضطر سكان قرية داميا القديمة لهجرها وبناء قرية جديدة لهم تقع إلى الشرق منها. ولا تزال آثار بيوتهم الطينية، ومدرسة البلدة ماثلة للعيان حتى اليوم. وإذا كان أهل القرية قد أجبروا على هجرها، فقد تكررت زيارات كل من السادة: عبد المهدي الرماضنه العبادي، وعلى الرماضنه العبادي، ورامي الرماضنه العبادي، وهم أهل الأرض ومزارعيها بالوقت نفسه، للحفرية مطمئنين عن أحوالنا. وكنت أجلس وإيّاهم في كثير من الأحيان مستفسراً عن تاريخ أجدادهم الذين عمروا المنطقة ابتداء من القرن الثامن عشر وحتى الحاضر. ,اذكر أنه في أحد الأيام اصطحبني هؤلاء الأصدقاء إلى البيوت المهدمة شارحين لي من سكن في كل بين منها، كما زرت بمعيتهم مقبرة البلدة القديمة حيث دفن أجدادهم، ومن بعدها ذهبنا لزيارة مدرسة البلدة المهجورة والتي بنيت على جانب الشارع الرئيسي الذي يتجه غرباً إلى مدينة نابلس

كان لداميا نصيب كبير في انتصار الكرامة:

أُكره أهل بلدة داميا نتيجة للمعارك التي دارت بين الجيش العربي الأردني وجيش الصهاينة إلى ترك منازلهم والذهاب مؤقتاً إلى الصبيحي والسلط. وبعد أن استقرت وهدأت الأوضاع في المنطقة  ونتيجة لتدمير بيوت البلدة قامت الحكومة الأردنية ببناء بلدة جديدة للرماضنة عوضاً عن تلك العثمانية، وأسمتها " داميا الجديدة".  وبناء عليه بقي الناس على تواصل مع بلدتهم القديمة وأرضهم التي يزرعونها، ويرعون أغنامهم بها. وإذا كان الرماضنة قد أجبروا على ترك بيوتهم نتيجة لتهدمها، لكنهم بقوا ملتصقين بأرضهم. وعندما يشتد الحنين للماضي وقصصه يأتي بعضهم ويقف على أطلال بيته، يذهب إلى المقبرة الملاصقة للقرية القديمة ويقرأ الفاتحة على أرواح موتاهم.

اندفع الجيش الإسرائيلي عند الساعة 5:30 صباحاً من صباح يوم الخميس الموافق 21/ 3/ 1968م باتجاه الجسور التي تربط ضفتي نهر الأردن متجهاً صوب الأردن، ومنها جسر الأمير محمد (داميا/ النبي) فتصدت لها القوات الأردنية الباسلة مكبدة إيّاها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات ولم تمكنها من عبور الجسور.  وأما بخصوص القتال على جسر الأمير محمد المؤدي لداميا ومنها إلى طريق العارضة، أي مرتفعات السلط، فقد اندفعت القوات الإسرائيلية تحت ستار كثيف من النيران فتصدت لها كتائب الجيش الأردني الباسل المتمركزة شرقي الجسر ودارت معركة عنيفة تمكن الجيش الأردني من تدمير عدد كبير من الدبابات الإسرائيلية المعادية، وأجبرها على التوقف رغم محاولتها المتكررة.  استبسل الجيش الأردني وما زلنا نسمع صوت البطل الأردني "خضر شكري"  يردد "أقصف الموقع موقعي، أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله"، رحمه الله وأسكنه جنته.

ومن أجمل اللحظات التي طالعها الأردنيون جلالة المرحوم الملك الحسين المعظم وهو يصعد فوق دبابة إسرائيلية تركها المعتدون خلفهم. لقد كان لتل داميا دور في المعركة، إذ كانت هناك خنادق للجنود وملاجئ للدبابات الأردنية حفرت في أرضه.

في نهاية الأمر طلع البدر على أهل داميا، فجاؤوا إلى حقولهم يزرعونها في ظل الأمن والأمان الأردني برعاية وقياداة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني حفظه الله، وولي عهده المحبوب سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني. حمى الله الأردن من كل سوء وشر.