- 7 آيار 2026
- مقابلة خاصة
بقلم: د. علي قليبو*
إنَّ العاصمةَ التي فقدنا معظمَها في نكبةِ 48، وهُجّرنا قسراً عنها لتصبحَ القدسُ العتيقةُ داخلَ الأسوارِ ملجأَنا وقلعةَ صمودِنا، قد أمستِ اليومَ على حافةِ الاستلابِ الكليِّ. إنَّ هذهِ العاصمةَ الدينيةَ الروحانية الحضارية وسكانَها وتاريخَها الاجتماعيَّ برمَّتِه، المكانَ والإنسانَ والذاكرةَ الاجتماعيةَ، يتعرضونَ لحملاتٍ متتاليةٍ لطمسِ معالمِها؛ أي تجريدِها من محتواها التاريخيِّ الفلسطينيِّ بهدفِ الاستحواذِ على سَرديَّتِها، ضمنَ منظومةٍ إقصائيةٍ تواترتْ حدتُها بالتوازي مع حربِ الإبادةِ في غزةَ. وبما أنَّ القدسَ التاريخيةَ داخلَ الأسوارِ تحتضنُ أقدسَ الرموزِ المسيحيةِ والإسلاميةِ؛ فقد غدتْ هي وسكانُها المستهدفَ الأوَّلَ لعملياتِ 'توريةٍ بصريةٍ' للمشهدِ الفلسطينيِّ، وإقصاءٍ قسريٍّ ديموغرافيٍّ للسكانِ الأصليينَ بأسلوبٍ ممنهجٍ، غايتُه إحلالُ السيادةِ البصريةِ اليهوديةِ وفَرْضُ الهيمنةِ الإسرائيليةِ.
لقد تحوَّلَتِ القُدسُ القديمةُ ومُنذُ شهرِ رمضانَ إلى ثُكنةٍ عسكريةٍ؛ وفي ذلك الأسبوعِ المفصليِّ في غُرَّةِ رمضانَ، استعداداً للإغلاقِ المُحكمِ للمدينةِ وكافةِ مقدساتِها، والذي استغرقَ أربعينَ يوماً؛ حينَ مَنَعَتِ السُّلطاتُ الإسرائيليةُ أيَّ مظاهرَ خاصةٍ بالشَّهرِ الفضيلِ، فأمستِ الشوارعُ مظلمةً قاتمةً، واستحالَ أَلَقُ رمضانَ غياباً قسرياً. فغارتْ -ولأولِ مرةٍ- بهجةُ الشهرِ الموعودِ، إيذاناً ببدءِ فصلٍ جديدٍ في منظومةِ الإقصاءِ الممنهجِ عن القدسِ وذخائرِها القدسيةِ. وبالرغمِ من كثرةِ المصلينَ في طريقِهم لأداءِ صلاةِ التراويحِ بالأقصى، إلا أنَّ الشوارعَ والأزقةَ غدتْ تعجُّ بالجنودِ الذين يدققونَ النظرَ بالمارةِ مُشرعينَ أسلحتَهم وكأنهم في جبهةِ حربٍ؛ فيعمدونَ إلى استيقافِ وتفتيش واستجوابِ المصلين بصلفٍ وغطرسةٍ، وهي ممارساتٌ قمعيةٌ باتت طقساً يومياً مفروضاً حتى بعد انقضاءِ أمدِ الحربِ، مبدِّدينَ بذلك كلَّ إحساسٍ بالسكينةِ؛ ليمسي الجوُّ الاحتفاليُّ طقساً من الوجلِ، يحثُّ فيه المصلونَ الخُطى بوجوهٍ مكفهرةٍ للوصولِ إلى الأقصى تحت رذاذِ المطرِ الشتويِّ.
يُمثِّلُ هذا القمعُ الميدانيُّ منعطفاً خطيراً؛ إذ كان بمثابةِ إجراءٍ تحضيريٍّ لما تلاهُ حينَ أُعلِنَتِ الحربُ على إيران، حيث تحوَّلتِ المدينةُ إلى ساحةِ اختبارٍ وتجهيزٍ أمنيٍّ لما هو أعظم. هكذا يظهرُ 'قمعُ الفانوسِ' و'استجوابُ المصلينَ' كإجراءاتٍ استباقيةٍ ضمنَ خطةٍ تهدفُ إلى تحويلِ القدسِ إلى ثُكنةٍ مُسيطرٍ عليها كلياً؛ حيث أضحى الفانوسُ الرمضانيُّ —بما يحمله من رمزيةٍ بصريةٍ فلسطينيةٍ— عائقاً أمامَ الأطماعِ الجيوسياسيةِ، وغطاءً يُرادُ إزاحتُه لفرض السلطة المطلقة على القدس؛ وهو الاستحواذُ الذي يجدُ هدفَهُ الإجرائيَّ النهائيَّ في الإغلاقِ الشاملِ والمحكمِ لأقدسِ المقدساتِ داخل اسوار المدينةِ بأكملِها، في مسعىً لفرضِ السيادةِ الإسرائيليةِ على المدينةِ المقدسة وتحويلِ هذه القطيعةِ المكانيةِ إلى ذروةِ المشروعِ الصهيونيِّ في طمسِ الوجودِ الفلسطينيِّ.
وإمعاناً في بترِ علاقةِ الإنسانِ الفلسطينيِّ بمقدساتِه، وفي ظلالِ تداعياتِ المواجهةِ العسكريةِ الإقليميةِ، أقدمتْ سلطاتُ الاحتلالِ على إغلاقِ المسجدِ الأقصى للمرةِ السابعةِ منذ احتلالِه عام 1967، في إجراءٍ يُعدُّ الأطولَ زَمناً والأكثرَ شمولاً، مانعةً إقامةَ صلاةِ التراويحِ والاعتكافِ فيهِ تحتَ ذريعةِ 'الامن' وإعلانِ حالةِ الطوارئِ. إننا أمام سابقةٍ تاريخيةٍ خطيرةٍ؛ حيث تُستخدمُ الحربُ غطاءً لتمريرِ 'توريةٍ دينيةٍ' تهدفُ لتغييرِ الوضعِ القائمِ وفرضِ واقعٍ تهويديٍّ جديدٍ. وفي خضمِّ هذا الصمتِ، برزَ صوتُ الحقِّ للشيخِ عكرمة صبري منادياً بفتحِ الأقصى، مؤكداً للصحافةِ: 'حرمانُ المسلمينَ من الصلاةِ في المسجدِ الأقصى هو إجراءٌ كيديٌّ تعسفيٌّ يفتقرُ لأيِّ غطاءٍ قانونيٍ أو أخلاقيٍ'؛ مشدداً على أنَّ السيادةَ على الأقصى هي حقٌ حصريٌّ وخالصٌ للمسلمينَ وحدهم."
لم يقتصرِ القمعُ على التضييقِ الإداريِّ، بل تعداهُ إلى إغلاقٍ شاملٍ وممنهجٍ للمسجدِ الأقصى وكنيسةِ القيامةِ، وكافةِ الجوامعِ والكنائسِ في المدينةِ، في سابقةٍ لم يشهدْها التاريخُ ؛ حيث تحولتِ القدسُ العتيقةُ إلى مدينةِ أشباحٍ تُحاصرُها الحواجزُ وتُغلقُ أبوابُها أمامَ المؤمنينَ. وفي هذا السياقِ، تجلَّى تغوّلُ المنظومةِ السلطويةِ الإسرائيليةِ في مشهدٍ راعَ العالمَ، حينَ مُنِعَ بطريركُ القدسِ للاتينِ، الكاردينالُ بييرباتيستا بيتسابالا، من الدخولِ إلى كنيسةِ القيامةِ لأداءِ قداسِ أحدِ الشعانينِ، وأُجبرَ على العودةِ أدراجَهُ في واقعةٍ غيرِ مسبوقةٍ. إنَّ هذا الإطباقَ السلطويَّ الذي يستغلُّ 'حالةَ الطوارئِ' يمثلُ كسراً مُتعمَّداً لـ 'الستاتيكو' (الوضعِ القائمِ) الدوليِّ والمحليِّ، الذي صانَ حُرمةَ هذهِ الطقوسِ والمقدساتِ وحماها منذ الفتحِ الإسلاميِّ والعهدةِ العُمريةِ؛ سعياً لفرضِ واقعٍ جديدٍ تُصادرُ فيهِ السيادةُ الدينيةُ التاريخيةُ، لتصبحَ المدينةُ بأسرِها رهينةً لقبضةٍ عسكريةٍ تُخرسُ الأذانَ والجرسَ على حدٍّ سواءٍ، وتجعلُ من الصلاةِ عندَ أقربِ نقطةٍ ممكنةٍ لأسوارِها فعلاً نضالياً ورباطاً مقدساً.
إنَّ هذا الجنوحَ الممنهجَ بهدفِ تهميشِ، وإقصاءِ، وتوريةِ الوجودِ المسيحيِّ الإسلاميِّ قد اتخذَ منحىً خطيراً؛ فلا يكتفونَ بالطمسِ والكبتِ، بل يعمدونَ إلى صناعةِ المشهدِ في عمليةِ 'تحويرٍ' تهدفُ إلى تغييرِ المسارِ النظريِّ عبرَ التلاعبِ بالشكلِ لخدمةِ التزييفِ التاريخيِّ. فهم لا يلغونَ اسماء المدينةَ وشوارعَها وأزقتَها وحوشَها وزواريبَها فحسب، بل تجدُهم يحوّرونَ ملامحَها لتبدوَ وكأنها يهوديةُ الجذورِ؛ وهكذا تُسرقُ عراقتُها وتُنسبُ إلى المحتلِّ مشهدياً. ويتجلى ذلكَ في محاربةِ ومنعِ ملامحِ هويَّتِنا المطبوعةِ على جدرانِنا، وفرضِ الغراماتِ العاليةِ على أصحابِها؛ بدءاً من تلكَ اللوحاتِ الفولكلوريةِ التي تزدانُ بها مداخلُ المنازلِ احتفاءً بعودةِ الحجاجِ، وصولاً إلى التدخلِ في أبسطِ شؤونِ العيشِ كمنعِ نشرِ الغسيلِ على الحبالِ؛ في سعيٍ دؤوبٍ لتحويلِ القدسِ إلى ديكورٍ مسرحيٍّ ومتحفٍ جامدٍ تعودُ السيادةُ فيهِ إلى الكيانِ الصهيونيِّ، ويُقصى منهُ نبضُ الحياةِ الفلسطينيةِ.
لقد باتتِ القُدسُ على شفا الهاويةِ؛ فلقد تصاعدَتْ وتيرةُ الضغوطاتِ الإسرائيليةِ، وازدادَتْ حدةُ التوترِ أياماً قبيلَ إعلانِ الحربِ على إيرانَ، وتسارَعَتْ عملياتُ التهويدِ وطمسِ الوجودِ الفلسطينيِّ بهدفِ إحلالِ السيادةِ البصريةِ اليهوديةِ التي تُفرَضُ اليومَ بقبضةٍ من حديدٍ. إذ وقبلَ أيامٍ قليلةٍ من حلولِ شهرِ رمضانَ المباركِ، تسلَّمَتْ دائرةُ الأوقافِ أوامرَ رسميةً بمنعِ إقامةِ الاستعداداتِ الاحتفاليةِ بالشهرِ الفضيلِ، في سعيٍ لتجريدِ بيتِ المقدسِ من رمزيتِه الإسلاميةِ، تمهيداً لتفكيكِ بنيتِه السيميائيةِ وإزالةِ الأثرِ الفلسطينيِّ من المجالِ البصريِّ. يأتي هذا في ظلِّ إشعارٍ بفرضِ تقسيمٍ زمانيٍّ قهريٍّ، كآليةٍ لهيكلةِ الزمانِ والمكانِ وفقَ خطابٍ سياديٍّ صهيونيٍّ يسعى لزعزعةِ تطابقِ المكانِ مع هويتِه التاريخيةِ؛ التي سرعانَ ما أتبعَها إغلاقٌ شاملٌ، ليس فقط للأقصى —وهو العنوانُ الرئيسيُّ— بل امتدَّ ليشملَ كنيسةَ القيامةِ والقدسَ القديمةَ بأكملِها.
إنَّنا نشهدُ اليومَ إحلالاً بصرياً لسيادةٍ يهوديةٍ انتقائيةٍ دخيلةٍ، تسعى لتحويرِ معالمِ الجغرافيةِ والديموغرافيا الدينيةِ للمدينةِ المقدسةِ، بهدفِ إخفاءِ كافةِ الإشاراتِ الدينيةِ والثقافيةِ الخاصةِ بالمجتمعِ الفلسطينيِّ، وطمسِ معالمِها وإحلالِ السيادةِ البصريةِ اليهوديةِ مكانَها في الفضاءِ العامِّ بالقدسِ؛ حيثُ ترفرفُ أعلامُهم أينما نظرتَ، عبرَ العبثِ بديموغرافيةِ المدينةِ وعمرانِها؛ من خلالِ تطويقِ جميعِ الأحياءِ السكنيةِ بكتلٍ استيطانيةٍ لجماعاتٍ متطرفةٍ سياسياً ودينياً، وما أشبهَهُم بالداعشيينَ، يتعرضونَ للفلسطينيينَ ويتنمرونَ عليهم في تحرشاتٍ يوميةٍ منبثقةٍ من الخطابِ الازدرائيِّ الممنهجِ، كجزءٍ من سياسةِ 'التطفيشِ الممنهجِ' الهادفةِ لإفراغِ المكانِ من أصحابِه. إنَّ هذهِ النزعةَ الاستعلائيةَ الفوقية، التي ترادفُ في جوهرِها العنصريةَ العرقيةَ، لا ترى في الفلسطينيِّ شريكاً في المكانِ، ويمتدُّ توحشُها ليطالَ المسيحيَّ الذي يجرؤُ على إظهارِ صليبِه أيَّاً كانت مرتبتُهُ الدينيةُ، والراهبةَ الفرنسيةَ التي تسيرُ وحدَها في 'دربِ الآلامِ' بالقدسِ؛ تلكَ التي تعرضتْ للعدوانِ والاعتداءِ السافرِ من قِبَلِ مستوطنٍ يهوديٍّ رماها أرضاً، كما يطالُ أهلَ الحيِّ —سواءً كانوا نصارى أم مسلمينَ— من شرِّهم اليومَ؛ إذ يُرادُ لـ 'النسيجِ الاجتماعيِّ الأصيلِ بإرثِه التعدديِّ' أن يندثرَ لصالحِ نزعةٍ إقصائيةٍ مستوحشةٍ؛ تُطالبُ المسيحيَّ بمواراةِ صليبِه والمسلمَ بطمسِ معالمِ هويَّتِه، حفاظاً على سلامتِه الجسديةِ على حسابِ كرامتِه الشخصيةِ.
نَّ ما نكابدهُ اليومَ هو محاولةُ انقلابٍ جذريٍّ على هويةِ القدسِ التعدديةِ، وإجراءٌ تقويضيٌّ للمشهدِ الفلسطينيِّ الأصيلِ الذي كانَ قد أرسى قيمَها الأخلاقيةَ من المنظورِ الفقهيِّ الإسلاميِّ عمرُ بنُ الخطابِ؛ حيثُ تتقابلُ مآذنُ الجوامعِ مع أبراج الاجراس في تلاحمٍ بصريٍّ فريدٍ، وحيثُ يصدحُ الأذانُ بتناغمٍ مع إيقاعِ الأجراسِ والنواقيسِ. إلا أنَّ هذا النسيجَ الاجتماعيَّ الثقافيَّ وجذورَهُ التاريخيةَ المتوارثةَ يواجهُ اليومَ منعطفاً بالغَ الخطورةِ؛ إذ يمعنُ الإسرائيليونَ في تقويضِ وتفكيكِ الهويةِ المقدسيةِ الفلسطينيةِ عبرَ القانونِ الذي يُوظفُ كغطاءٍ لـ طمسِ الوجودِ والإقصاءِ القسريِّ وتوريةِ المعالمِ الإسلاميةِ والمسيحية، بهدفِ فرضِ سيادةٍ بصريةٍ يهوديةٍ تمحي وتخفي آثارَ الهويةِ الفلسطينيةِ برموزِها المسيحيةِ والإسلاميةِ. وهنا يتبادلُ 'المستوطنُ' و'الدولةُ' الأدوارَ في مسرحيةِ محوِ الكيانِ؛ إذ تُحوّلُ الدولةُ النصوصَ القانونيةَ إلى أداةٍ لـ تجريدِ الفلسطينيِّ من حقِّه في الظهورِ والسيادةِ، وفي مقابلِ هذا القمعِ الرسميِّ، تُطلقُ يدُ المستوطنِ في الفضاءِ العامِّ لاستكمالِ عمليةِ إزالةِ الأثرِ عبرَ 'البلطجةِ الميدانيةِ'، مما يكشفُ عن سلوكٍ سياديٍّ يتخلى عن أقنعتِه القانونيةِ ليمارسَ إبادةً رمزيةً وماديةً. هو حِصارٌ مزدوجٌ: قانونٌ يسلبُ المكانَ هيبتَهُ الزمانيةَ، وبلطجةٌ تسلبُ المسلمَ والمسيحيَّ على حدٍّ سواءٍ كرامتَهُ الإنسانيةَ، بل وتتعداها إلى منعِهِ من حريةِ العبادةِ؛ والهدفُ واحدٌ: توريةُ الحضورِ الفلسطينيِّ بإقصائها وعزلها خلفَ الجدرانِ الصمَّاء.
إنَّ هذا القمعَ الممنهجَ لا يكتفي بالسيطرةِ الماديةِ، بل يشملُ إعادةَ تشكيلِ الحقيقةِ في وعيِ الذاتِ المقهورةِ لتصبحَ مطيعةً ومستسلمةً للواقعِ الجديدِ؛ إذ يستهدفُ الاحتلالُ هذا العامل النفسي في خطوةٍ لترسيخِ السيادةِ الذهنيةِ تزامناً مع السطوةِ الماديةِ. إنَّ المعركةَ الحقيقيةَ اليومَ ليست على الأمتارِ المربعةِ فحسب، بل على المساحاتِ الذهنيةِ؛ فالاحتلالُ يبتغي من الفلسطينيِّ أن يتبنّى روايةَ القهرِ كقدرٍ محتومٍ، في مَسعًى لقطعِ صلةِ الروحِ بالمركزِ وتحويلِ المقدساتِ إلى رموزٍ جامدةٍ تُقصى منها الحيويةُ الاجتماعيةُ والسياسيةُ لأصحابِ الأرضِ. وفي خضمِّ هذه المحاولةِ الشيطانيةِ للتلاعبِ بالمداركِ، يتجلى الوعيُ المقدسيُّ خاصةً، والفلسطينيُّ عامةً، كالحصنِ الأخيرِ الذي لن تتمكنَ 'هندسةُ الخضوعِ' من تفكيكِه؛ فهو الرباطُ الذي يرفضُ تحويلَ الأقصى والقيامةِ إلى مجردِ مَشهدٍ مسرحيٍّ، ويصرُّ على إبقاءِ النبضِ الحيِّ متجذراً في حجارةِ المدينةِ. إنَّ هذا الوعيَ هو الذي يُحيلُ 'صلاةَ العتباتِ' اثناء فترة الاغلاق المحكم من فِعلِ اضطرارٍ إلى فِعلِ سيادةٍ، ويُثبتُ أنَّ محاولاتِ التوريةِ والإقصاءِ ستتحطمُ دوماً أمامَ إيقاعِ الوجودِ الفلسطيني الذي يرفضُ الاندثارَ.
شاعت إثرَ إغلاقِ الحرمِ القدسيِّ الشريف، أولى القبلتينِ ومسرى النبيِّ محمد ﷺ ومعراجِهِ، عبارةٌ ترددت على كلِّ لسان: 'الإغلاقُ يزيدُنا إقبالاً'. وأمامَ هذا الامتثالِ المذهلِ بينَ يديِ اللهِ أثناءَ أداءِ فريضةِ الصلاةِ في الأقصى، تستحضرُ ذاكرتي صمودَ الإمامِ الغزالي وإصرارَهُ على رباطِهِ بـ 'بابِ السماءِ' رُغمَ تنكيلِ فُرسانِ الهيكلِ الصليبيينَ بِهِ. واليومَ، يتكررُ المشهدُ في سياقِ الإحلالِ الإثنيِّ؛ حيثُ تسعى المنظومةُ الإسرائيليةُ السلطويةُ إلى تقويضِ وبَتْرِ علاقةِ المسيحيينَ والمسلمينَ بمركزِ القداسةِ التاريخيِّ. إنها استراتيجيةٌ لا تكتفي بالقمعِ الماديِّ، بل تهدفُ لتفكيكِ البنيةِ الروحيةِ والاجتماعيةِ للمكانِ؛ ليقتصرَ المسجدُ الأقصى في النهايةِ على إقامةِ شعائرَ بلا أمةٍ، بحيثُ تخلو كنيسةُ القيامةِ سوى من بعضِ الرهبانِ يقيمونَ الطقوسَ بلا رعيَّةٍ؛ ولتصبحَ بيتُ المقدسِ محضَ مشهدٍ مسرحيٍّ، يُختصرُ فيها الوجودُ الفلسطينيُّ كأثرٍ صامتٍ وكشبحٍ بلا هويةٍ ولا انتماء، كخدمٍ مستعبدينَ ومطيعينَ ومجردينَ من كرامتِهم؛ في متحفٍ مهجورٍ شيدَهُ عابرو السبيلِ من ملوكٍ وسلاطينَ ومختلفِ الغزاةِ ممن سادوا وبادوا، ولا يمتُّ بصلةٍ للمقدسيينَ المعاصرينَ، مفرغٍ تماماً من نبضِهِ العربيِّ المتجذرِ في يابوس.
إنَّنا أمامَ سياسةٍ استعماريةٍ تُقنِنُ 'هندسةَ الخُضوعِ' عبرَ استراتيجيةِ 'الثرموستاتِ'؛ القائمةِ على التلاعبِ بجرعاتِ التضييقِ والانفراجِ المبرمجِ لإنهاكِ الروحِ المعنويةِ، وإيهامِ الفلسطينيينَ بالانفراجِ عبرَ خفضِ الضغطِ قليلاً بعدَ تصعيدِهِ. إنَّ المعركةَ الحقيقيةَ اليومَ ليستْ على الأمتارِ المربعةِ فحسب، بل على المساحاتِ الذهنيةِ؛ فالاحتلالُ يريدُ من الفلسطينيِّ، أولاً وآخراً، أن يتبنّى روايةَ القهرِ كقدرٍ محتومٍ، وأن يعيدَ تشكيلَ الحقيقةِ في وعيِهِ كذاتٍ مقهورةٍ ومطيعةٍ، ترسيخاً لسيادتِهِ الذهنيةِ تزامناً مع السيادةِ الماديةِ. وهكذا، يتجلى الوعيُ المقدسيُّ كالحصنِ الأخيرِ الذي يرفضُ تحويلَ الأقصى والقيامةِ إلى مجردِ مشهدٍ مسرحيٍّ في متحفٍ مهجورٍ، ويصرُّ على إبقاءِ النبضِ الحيِّ متجذراً في حجارةِ المدينةِ، مهما بلغتْ محاولاتُ الحصرِ والعزلِ خلفَ الجدرانِ؛ حيثُ يُرادُ للفلسطينيِّ أن يظلَّ خادماً مطيعاً، حاضراً غائباً، ورهنَ الإشارةِ في الزوايا وهامشِ المدينةِ.
لقد انتهى زمنُ الأعذارِ؛ فالقدسُ تواجهُ اليومَ واقعاً دخيلاً يسعى لتهويدِها، والمسجدُ الأقصى باتَ رهينةً لـ "سيادةٍ بصريةٍ" ومنظومةِ استحواذٍ غاشمةٍ. لقد تبلورَ اليومَ إدراكٌ مريرٌ بأنَّ قرارَ الاحتلالِ التعسفيَّ بإغلاقِ المسجدِ ليسَ مجردَ إجراءٍ أمنيٍّ طارئٍ، بل هو جزءٌ من عدوانٍ ممنهجٍ. اليومَ، تتصاعدُ نداءاتُ "شدِّ الرحالِ" بضرورةِ الزحفِ نحو القبلةِ الأولى والاعتكافِ وإقامةِ الصلاةِ في رحابِها، رفضاً لتحويلِ المكانِ إلى رهينةٍ للتقلباتِ العسكريةِ، وتكريساً لليقينِ بأنَّ الوجودَ الفلسطينيَّ الحيَّ هو الصخرةُ الصمَّاءُ التي تتكسرُ عليها أوهامُ الاستحواذِ والسيادةِ الدخيلةِ.
بالرغمِ من جميعِ التحدياتِ والمكائدِ، ما زالَ بالقدسِ قلبٌ ينبضُ؛ حيثُ ينتظمُ المصلونَ في المسجدِ الأقصى، خاشعينَ ممتثلينَ في مشهدٍ تاريخيٍّ أيقونيٍّ يخرقُ عتمةَ المَحْوِ والإقصاءِ. وبرغمِ تبدّلِ ملامحِ المدينةِ ومحاولاتِ كتابةِ تاريخِها بلغةٍ دخيلةٍ، يبقى ذاك المرابطُ وتلكَ المحجبةُ بوقوفِهم الصامدِ عندَ عتباتِ الحرمِ الشريفِ 'الشاهدَ الحيَّ'؛ متحدينَ الامتثالَ لـ 'الأحاديةِ الإقصائيةِ'. فبالرغمِ من جميعِ العقباتِ، فلن يحولَ شيءٌ بيننا وبينَ المسجدِ الأقصى وقبةِ المعراجِ؛ إنَّ صاحبَ الحقِّ لا يموتُ، ويبقى يقينُ المرابطينَ هو الصخرةُ التي تتحطمُ عليها أوهامُ المَحْوِ والتهجيرِ، فـ {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً}.
*كاتب وفنان تشكيلي واستاذ علم اجتماع ومتخصص بالقدس

