- 30 آيار 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : ا.د. زيدان عبد الكافي الكفافي
كنت أجلس على الشرفة المبنية أمام مكتبتي متأملاً وروداً بألوانها المتعددة والمختلفة، وشردت بي الدنيا حتى وصلت إلى موضوع ساخن هو المكان الأصلي والأول للديانة اليهودية والعلاقة بين يهود فلسطين الأوائل ويهود اليمن الأوائل على الرغم من الفرق الزمني بين نشأة اسرائيل الموحدة (هذا إن وجدت...!) ومملكة حمير المثبتة تاريخاً. خاصة وأن مسألة أصل اليهودية مختلفٌ على أصل مكانها بين الباحثين الأكاديميين وغيرهم من غير المتخصصين المهتمين بهذا الموضوع... وكأن هذه المسألة هي أول الدنيا وآخرها، ولماذا تثار هذه المسألة الآن؟ لا أعرف...!
باعتقادي أن المرحوم كمال الصليبي عندما كتب كتابه المعنون "التوراة جاءت من جزيرة العرب" لم يخطر بباله أنه وضع حجر الأساس لمدرسة سيصبح لها أتباعاً وتُستَغل من جهات ما، بقدر ما فكر بطرح فكرة جديدة تعتمد على الاشتقاق اللغوي لأسماء الأماكن والأعلام. ناقش ما كتبه الصليبي وحاوره عددٌ من علماء اللغات السامية القديمة ولم يتفقوا وإياه على منهجه في تفسير أسماء المكان والأعلام الواردة في النصوص التوراتية ومطابقتها مع أخرى في الجزيرة العربية، ودعموا ما ذهبوا إليه بإثباتات علمية، وأذكر منهم المرحوم الأستاذ الدكتور محمود أبوطالب، والمرحوم الأستاذ الدكتور فالتر مولر / جامعة ماربورغ بألمانيا.
أما في الوقت الحاضر فهناك نقاش دار ويدور بين مدرسة فاضل الربيعي من جهة؛ ومجموعة أخرى من الباحثين الأكاديميين العرب يتزعمهم الأستاذ الدكتور محمد المرقطن/جامعة ماربورغ-ألمانيا من جهة أخرى. تنقل المدرسة الأولى الحدث التوراتي بقضه وقضيضه لليمن معتمدين في هذا على مقابلة الأسماء التوراتية مع أسماء مواقع يمنية، إضافة لإسقاط الظواهر الجغرافية الطبيعية (الجغرافيا التاريخية) على تلك اليمنية. كما أن لهذه المدرسة مريديها وتابعيها، وهم نشيطون جداً في تسويق ما يذهبون إليه.
وتوسع أحد أتباع مدرسة الربيعي في الرقعة الجغرافية التي دانت لليهودية، حيث ضم إليها حجاز الجزيرة العربية بطرحه في كتابه المعنون ب "التوراة الحجازية" ليقترح أن الكعبة المشرفة هي "الهيكل الأول" (الصفحات 187-191). ولمن يرغب التأكد بما ذكرته يمكنه قراءة ذلك في هذا الكتاب:
منصور، محمد 2020؛ التوراة الحجازية. تاريخ الجزيرة المكنوز. بيروت: الانتشار العربي.
ويقدم هذا الباحث حججه بعدم فلسطينية التوراة (الصفحات 16-23)
تعتمد المدرسة الثانية في تصديها لما تذهب إليه المدرسة الأولى على نتائج الحفريات الأثرية والنقوش. وقد تابعت حلقة على الإعلام المرئي (reel) لأحد علماء النقوش اليمنيين (الأستاذ الدكتور عارف المخلافي) يناقش فيها ما ذهب إليه الربيعي بقوله: "قام الباحثون الغربيون بنقحرة (Transliteration) نصوص المسند المكتشفة في اليمن للغة العبرية، فلما وقعت بين أيدي الربيعي ظن أن النقوش مكتوبة أصلاً بالعبرية".
دفعني هذا النقاش إلى التدخل بهذه الخاطرة القصيرة، لأنني سأُلتُ عن رأيي بالموضوع أكثر من مرة. فقلت في نفسي "لماذا لا أدخل إلى داخل المكتبة وأسطر بعض الأسطر حول الأمر"، فكان هذا الذي بين أيديكم. قررت أن يكون الكلام مختصراً، لكن معتمداً على مصادر أصلية ومبتعداً عن النصوص التوراتية التي هي عكازة الصهيونية والمسيحية المتصهينة. كما قررت أن أقدم حقائق تاريخية وأترك الحكم للقارئ.
ماذا تقول الدراسات التاريخية حول فلسطين؟
أثبتت الحفريات الأثرية التي جرت في فلسطين أن الناس تواجدوا على أرضها، خاصة في منطقة جبال الجليل والكرمل، قبل أكثر من مليون سنة من الحاضر. وبقيت مأهولة بالسكان حتى الوقت الحاضر، لكن هذا الانسان نقل نفسه نقلات حضارية متتالية فبنى القرى والمدن والدول، وتنقل الناس بين ديانات وثنية وسماوية متعددة. وبطبيعة الحال لم يكن سكانها، كما هو حال بلاد الشام من صنف واحد أو دين واحد، بل من أعراق وديانات مختلفة، وما الديانة اليهودية إلاّ واحدة من هذه الديانات التي اعتنقتها طائفة قليلة من سكان فلسطين على فترات متباعدة خلال الألف الأول قبل الميلاد. فالطائفة اليهودية هي على الدوام تشكل جزء من كل في المجتمع الفلسطيني.
نبدأ الكلام حول دولة يهود سكان فلسطين المزعومة في القرن العاشر قبل الميلاد والتي لم تذكر لا هي ولا حتى عاصمتها "أورشليم" في أي مصدر تاريخي خارج النصوص الدينية. كما أن المنقبين الإسرائيليين واللاهوتيين نبشوا أرض القدس من نهاية القرن التاسع عشر وحتى الحاضر ولم يعثروا على أي أثر لهذه المملكة أو الدولة. لكننا لن ننكر أن أتباع الديانة اليهودية في فلسطين قد أسسوا لهم كيانين متصارعين على رقعتين من أرض فلسطين التاريخية، أحدهما على جزء من أرض شمالي فلسطين أسسته عائلة اسمها "بيت عمري" وورد ذكره في المصادر الآشورية المكتوبة من القرن التاسع قبل الميلاد، وقضى عليها الملك "سرجون الثاني" في عام 722 قبل الميلاد، ولم تقم لها قائمة بعد هذا.
الوحدة السياسية الثانية تأسست في مناطق القدس وبيت لحم والخليل وقضى عليها الملك الكلداني "نبوخذنصر" في عام 586 قبل الميلاد. وأما الساحل الفلسطيني فامتدت سيطرة الممالك الفينيقية (انظر الخارطة) على جزء منه حتى وصلت إلى حيفا، وسيطرت على المنطقة الواقعة إلى الجنوب من حيفا جماعة تعرف باسم "شعب البلست"، لكني أزعم أن هؤلاء اليونانيين المهاجرين وعندما جاؤوا إلى هذه المنطقة في حوالي 1200 قبل الميلاد وجدوها عامرة بمدن كنعانية، مثل أبو حوام ودور، علماً أنهم كانوا على تواصل معهم في السابق عن طريق التجارة بشهادة القطع الأثرية التي عثر عليها في هذه المدن مستوردة من قبرص وبلدان بحر إيجه. ومع مرور الزمان اختلط هؤلاء اللاجئون اليونانيون مع سكان المدن الكنعانية فضاعوا في وسط الزحام، وتشكل خليط عرقي استطاع تأسيس دولة هي "فلستين". أما منطقة النقب فقد سيطر الإدوميون على أجزاء كبيرة منها أثناء العصر الحديدي، وعليها بالكامل في العصور الكلاسيكية حين شكلت جزءاً من "إيدوميا".
من هنا نرى أن دولة اسرائيل الكبرى لشعب الله المختار التوراتية المزعومة لم تسيطر إلاّ على مساحة صغيرة من أرض فلسطين. كما ونود أن ننبه إلى أن الكلدانيين لم يسبوا جميع يهود فلسطين إلى بابل، إذ أخذوا معهم أهل البيت المالك والكهنة والصناع فقط، وأبقوا على الفلاحين وكبار السن. وبقي هؤلاء المسبين في بابل لفترة من الوقت حتى سمح الملك الفارسي قورش (حوالي 539 قبل الميلاد) لمن يرغب منهم بالعودة إلى "أورشليم" فليرجع، مكافأة لهم على مساعدتهم في هزيمة البابليين. وبعد عودة جماعات منهم قام كل من "عزرا" و "نحميا" بكتابة أول نسخة من التوراة. والقارئ لنصوص هذه النسخة والمطلع على نصوص الديانات الرافدية بإمكانه التأشير على مواضع ومعلومات مقتبسة من هذه النصوص.
أدى دخول جيوش الاسكندر المكدوني للمنطقة في عام 332 قبل الميلاد إلى وجود ثقافة وحضارة وديانة يونانية جنباً إلى جنب مع مظاهر الحضارة الشرقية. وبعد مدة وجد أصحاب الديانة اليهودية في "أورشليم" أنفسهم في ورطة، إذ تهلين (نسبة إلى الحضارة الهيللينية) أعداد كبيرة من أصحاب الديانة اليهودية، علماً أنها ديانة مغلقة على نفسها. أدى هذا الأمر إلى حدوث ثورات يهودية محلية في فلسطين ومنها الثورة المكابية في عام 164 قبل الميلاد. واستطاع المكابيون/الحشمونيين انشاء دولة لهم (140 – 37 قبل الميلاد).
لو أغمضنا عيوننا، وقبلنا بادعاء التوراة دون أن نعمل عقولنا وفكرنا بشجرة عائلة سيدنا ابراهيم (عليه السلام) وقبلنا أنه خرج من أور بجنوب العراق وذهب من هناك إلى حرّان بجنوبي شرقي تركيا الحالية، بعدها إلى الخليل، ومن ثم إلى مصر، وبعدها إلى "بكة" بالحجاز، لا بد لنا من أن نفترض قدرته على التكلم بلغات جميع سكان هذه المناطق، وفهمها. طبعاً، لا نستطيع قول غير هذا القول. وما ينسحب على ابراهيم ينسحب على ذريته التي حصلت على شهادات ميلاد من التوراة.
لا تكتمل القصة التوراتية الدينية إلاّ بالمرور على أعمدتها، وهي: قصص إبراهيم، واسحق (ابن سارة المحظية عند إبراهيم)، ويعقوب (الذي أسماه الرب "إسرائيل" للسبب الذي تعرفونه)، ويوسف (الذي أسقطه إخوانه بالبئر، وانتشله التجار المدينيين، ثم تعيينه على خزائن الفرعون المصري)، وبعدها دور موسى (زعيم قومه، وأمره الرب وساعده في الخروج من مصر)، بعدها يأتي يوشع الذي تسلم القيادة بعد موسى وعبر بأهله (العبرانيين) نهر الأردن، فهاجموا المدن الكنعانية واحتلوها (وهذا لم يثبت حتى الآن، وتبقى قصة توراتية)، ثم تقاسمت القبائل العبرانية الاثنتي عشرة البلاد بينها. وأسأل نفسي السؤال الآتي: هل ذكرت النقوش والكتابات اليمنية أسماء هؤلاء الأنبياء؟ الجواب لا، حتى الآن.
على أي حال، تبقى هذه المعلومات والشخصيات الدينية حبيسة النصوص الدينية ويجب ألاّ تعدُّ مصدراً لكتابة تاريخ المنطقة في العصور القديمة. كما نود أن نؤكد أننا لا ننكر وجود هؤلاء ونبوتهم لعدم ذكرهم في المصادر التاريخية المكتوبة قديماً، إذ ربما يكشف المستقبل ما لم يظهر في الماضي.
الديانة في حمير اليمن
يرى بعض العلماء اليمنيين أن العصور التاريخية في اليمن تبدا في حوالي 1000 قبل الميلاد وتميزت بازدهار تجارة اللبان، وتحكّم اليمنيون بطريق التجارة الممتدة من اليمن إلى غزة. كما شهدت هذه الفترة الهجرة السبأية إلى شرقي إفريقيا (منطقة القرن الأفريقي)، وتأسيسهم حضارة جديدة هناك. وانعكست تجارة اللبان والبخور ايجابياً على المجتمع اليمني في ذلك الوقت، حيث شهدت البلاد ثراءً وازدهاراً تحدث عنها الكتّاب الكلاسيكيون اعتبارا من القرن الخامس قبل الميلاد. ومن المتفق عليه اليوم بين الباحثين بأن الممالك العربية الجنوبية نشأت في حوالي القرن الثامن ق.م. وأن بداية انتشار استعمال الابجدية المسندية يعود الى بداية الالف الاول قبل الميلاد، وظهر في هذا الوقت التحول التدريجي من العصر البرونزي الى العصر التاريخي.
اختلفت الروايات في كيفية دخول الديانة اليهودية لليمن، فمنهم من قال أن بلاد اليمن بشكل خاص، وجنوبي شبه الجزيرة العربية بشكل عام، هي تجارة اللبان والبخور وكانت هناك طرق تجارية تربط هذه المنطقة مع جنوبي بلاد الشام وأن تجاراً يهوداً دخلوا إليها عن طريق التجارة. ومن المعلوم أن الطريق التجاري هذا ازدهر خلال الفترات السابقة لقدوم الرومان، خاصة ابتداء من بداية النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد. يرى باحثون آخرون أنه وبعد دخول الكلدانيون البابليون وقضائهم على الوحدة السياسية "يهوذا" في 586 قبل الميلاد، هاجر بعض من يهود فلسطين إلى جنوبي الجزيرة العربية، تبعتهم عائلات يهودية أخرى بعد تدمير الرومان للملكة الحشمونية في حوالي 37 قبل الميلاد.
أما بخصوص مملكة حمير المتهودة، فقصتها على النحو الآتي، إذ اختلف الدارسون حول بداية تأسيس مملكة حمير، فمنهم من قال أنها ظهرت في عام 109 قبل الميلاد، بينما رأى آخرون أنها كانت في حوالي 115 قبل الميلاد والفرق بينهما ليس بكبير؛ وكانت عاصمتهم ظفار "يريم". لكنها ظهرت على مسرح الأحداث في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد بعد أن خرجت من تحت عباءة دولة قتبان وبدأت بتوسيع حدودها على حساب مملكة سبأ بعد أن ضعفت بسبب الحملة العسكرية الرومانية على جنوب الجزيرة العربية في عام 25- 24 قبل الميلاد. وبعد استيلائهم في حوالي 280 ميلادية على مأرب عاصمة السبأيين تلقب ملوك حمير باسم "ملك سبأ وذي ريدان". ومع نهاية القرن الثالث الميلادي اتحدت مملكتا سبأ وحمير في دولة واحدة. واستطاع الملك الحميري "ياسر يهنعم" في عام 275 قبل الميلاد بطرد الأحباش من على سواحل البحر الأحمر، وكانوا قد سيطروا عليها خلال القرن الرابع قبل الميلاد.
يذكر أحد النقوش المسندية من اليمن أن الملكين الحميريين "ياسر يهنعم"، وابنه "شمر يهرعش الذي تولى الحكم من بعده في سنة 287 ميلادية" احتلا العاصمة السبأية مأرب، بل تمت مراسم اعتلائهما للعرش في مأرب. وبعد هذا توجه الملك الحميري "شمر يهرعش" إلى حضرموت واستولى على ظفار. ويعدّ هذا الملك الذي حكم في الفترة بين حوالي 287 - 310 ميلادية أول من حمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات" مما يدل أن تغير الاسم جاء بعد احتلاله لحضرموت ومنات، حيث عثر على نقش يشير إلى انتصاره على ملك حضرموت "شرح إل".
وأما بالنسبة بخصوص ديانة الحميريين فقد تدرجوا في عبادة المعبود، فكانوا وثنيين فعبدوا الثالوث المقدس المكون من: الشمس، والزهرة، والقمر، لكن عبادة هذا الثالوث انتهت منذ عهد الملك "أب كرب أسعد المعروف باسم "أسعد كامل" "حوالي 380 – 440 ميلادي"، ويزعم بعض الباحثين أنه أول من "تهود" من التبابعة، علماً أن النقوش المؤرخة من عهده لا تذكر هذا. ومما يذكر بهذا الصدد أن الملك المسيحي الامبراطور قسطنطين أرسل في عام 342 ميلادية حملة تبشيرية إلى ظفار في اليمن، وعرضت على ملكها بناء كنيسة لتسهيل انتشار الديانة المسيحية في البلاد. هذا مع العلم أن الحبشة (أكسوم) المسيحية كانت منتشرة في هذه البلاد في ذلك الوقت، فلقي هذا الأمر ترحيباً من الحميريين وتشجعاً من الأحباش. وكانت الديانة المسيحية في اليمن على مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح. لكن تأكد للحميريين أن تدخل بيزنطة في ذلك الوقت، ممثلة بمملكة الحبشة "أكسوم"، في اليمن لم يكن لدوافع دينية فقط، وإنما للسيطرة على البلاد وبهذا يسيطرون على التجارة بقضها وقضيها. نتيجة لهذا الأمر، شجعوا الديانة اليهودية ليس حباً بها وإنما نكاية بالبيزنطيين والأحباش، كما اعتمد الملك اليمني "ذو نواس 517- 525 ميلادية" الديانة اليهودية كديانة رسمية لدولته وفرضها على شعبه مناكفة للنصارى من مواطنيه، ودعمه بهذا الفرس. لم تكن يهودية اليمن حاخامية (تفسير الحاخامات للشريعة والتلمود والتقاليد الشفوية بعد 70 ميلادية)، بل ربّانية (خدمة الشعائر الدينية والهيكل). ومن هنا دارت حرب بين الأحباش المدعومين من بيزنطة، واليمنيين المدعومين من الفرس، مما أدى إلى أن تفقد حمير في عهد الملك "ذو نواس" أجزاء من البلاد، مثل ظفار وما جاورها لمصلحة الأحباش. وينسب إلى هذا الملك قتل نصارى نجران في حادثة الاخدود. مما تقدم نرى أنه كان هناك اتفاق للمصالح بين الأحباش والرومان للسيطرة على جنوبي الجزيرة العربية، كما كان حال الفرس.
ختاماً، نرى أن الديانة اليهودية كانت زائرة عابرة في اليمن، وأن أصولها بدأت مع موسى المصري الأصل حسب ما تذكره الروايات التوراتية، وهو الذي نشر ديانته بين القبائل المحلية في جنوبي بلاد الشام وشمال غربي الجزيرة أولاً. ولم يخرج النبي موسى وشجرته العائلية من بين صفحات الكتب الدينية.
نود أن نسأل السؤال الآتي: لماذا تثار قضية اليهود والتوراة والإصرار على أن أصلهما من اليمن في هذا الوقت بالذات؟ علماً أن كمال الصليبي طرح فكرته لأول مرة في مؤتمر عقد في جامعة الملك سعود عام 1978ميلادية، وعندما ناقشه العلماء المشاركين بالمؤتمر سحب بحثه ولم ينشره في مجلد أعمال المؤتمر (معلومات حصلت عليها من زملاء شاركوا في المؤتمر). من هي الجهة المستفيدة من نقل القصة التوراتية من فلسطين إلى اليمن؟ نعم تسيطر الصهيونية على فلسطين الجغرافية الآن، فهل نساعدها في مدِّ نفوذها إلى الجزيرة العربية؟
أرى أن الحُكم حول أصل التوراة ليس للربيعي ولا للمرقطن لكن للسجل الحضاري الفلسطيني واليمني، وعلينا أن نترك التوراة جانباً وأزعم أن التوراة التي بين أيدينا هي التي جمعها عزرا ونحميا بعد عودتهم من بابل ولا علاقة لها بموسى. يجب ألا نشغل بالنا بهذه القضية التي لا تخدم سوى الصهاينة، فهم الذين يجادلون أن جبل اللوز بشمال غربي الجزيرة العربية هو جبل موسى، هم الآن يحاولون أن يرسموا حدود خارطة نتنياهو. وكما ذكرنا أعلاه، انتشرت اليهودية بين قليل من سكان فلسطين، وأنهم كانوا جزءاً بسيطاً من المجتمع المحلي الكنعاني، وأنهم سيطروا في فترة قصيرة على بعض مناطق أرض فلسطين، ولم يسيطروا عليها جميعها.
أترك لكم الحكم بعد أن وضعت بين أيديكم مصادر بحث كل من المرحوم فاضل الربيعي ومحمد المرقطن، ولهما كل الاحترام على الصعيد الشخصي.
عمان في 20/ 5/ 2026م
* أستاذ شرف – جامعة اليرموك

