• 18 تموز 2026
  • مقابلة خاصة

 

 

 

 

بقلم : ا.د. زيدان عبدالكافي الكفافي

شاءت ظروف العمل والتخصص أن تربطني بوادي الأردن وأهله علاقة حب، يشهد عليها نهري الأردن "الشريعة"، والزرقاء، فالأول يمتد على مسافة تبلغ 105 كيلومتراً من جنوبي بحيرة طبرية وحتى مصبه في البحر الميت. وما زلت أذكر خطواتي الأولى حينما لامست قدماي مياه نهر الأردن عام 1975م، أثناء المسوحات الأثرية التي شاركت بها وأنا طالب ماجستير، وبإشراف باحثين كرام، هم، معاوية ابراهيم وخير ياسين وجيمس سيوار. بعدها شاركت وأشرفت في عدد من الأعمال الأثرية الميدانية، تتركز معظمها في الأغوار الوسطى، أذكرها من الشمال إلى الجنوب: أبو حامد (الكريمة)، تل المزار (أبو عبيدة)، دير علا، تل الحمه (2كم شرقي تل دير علا)، وأخيراً تل داميا. وأما وادي الزرقاء فحكايتنا مشتركه تضم تاريخ وآثار مواقع عين غزال/عمان، وجبل القلعة، والحسيّه/السخنة، وتل الحمه/ دير علا، وتل داميا.

يتميز موقع تل داميا، الذي يتمركز فوق سهول خصبة في منطقة تتصل مباشرة بمنطقة يسلم فيها نهر الزرقاء مياهه لنهر الأردن. وإذا كان نهر الأردن، الذي أطلق عليه من قبل أهل المنطقة وغيرهم اسم "الشريعة" يعدُّ حدوداً غربية للأردن، فإن نهر الزرقاء بطول حوالي 70 كيلومتراً هو خاصرة الأردن.  وعلى ضفتيهما بنيت قرى وبلدات، واعتبرهما البعض حدوداً طبيعة فاصلة تفصل بين دولتين. فنهر الأردن يفصل الأردن عن فلسطين، وهذه حدوداً قررها سايكس وبيكو، وأما نهر الزرقاء فقد كان فاصلاً بين دول عمون وآرام. لكن ما اكتشف من آثار يقول غير ما قال هؤلاء فالأردن متصل وليس منفصل عما حوله، لكن له شخصيته الحضارية والسياسية المتفردة، وهذا ليس مجال مقالتنا هذه.

ويمكننا القول أن لنهر ميزة عن غيره، ليس فقط أنه يغير مجراه بسرعة، وعدم صلاحيته لاستخدام القوارب، لكن بأهميته الدينية، إذ تعمد في مياهه السيد المسيح (عليه السلام). كذلك فإنه يصل فلسطين التاريخية بلبنان وسورية إضافة للأردن، ولهذا السبب اكتسبت الجسور المقامة عليه أهمية عسكرية، ودينية، واقتصادية.

تبنى الجسور لأغراض عسكرية، واقتصادية وتسهيل التواصل بين الناس. إذن لها فوائد جمة إذ أن انتقال الناس وتواصلهم تعني انتقال الأفكار والابتكار والإبداع بين الناس. يبني الناس الجسور لكي يتواصلوا لا أن يتحاربوا.  بنيت القرى والبلدات على بدايات ونهايات هذه الجسور وترك لنا سكانها آثارهم لتدل عليهم.  إذ عثرنا في تل داميا على مباني وقبور ومعبد، وأثبتت دراساتنا التي ستصدر في ثلاثة مجلدات (من المؤمل في شهر أيلول) على أن الموقع خدم أيضاً بأنه كان محطة على الطريق الواصلة إلى شرقه، وغربه، وشماله، وجنوبه. وهناك فصل كتبه شريكي في الحفرية الهولندي (الدكتور لوكاس بتيت) حول جسور داميا تؤكد ما نذهب إليه، وعنوانه:

  • Lucas Petit (Forthcoming). The Histography of the Damiya Bridges. Tell Damiya Archaeological Research in the Central Jordan Valley Between 2004-2019. Vol. 1. Lucas Petit and Zeidan Kafafi (eds). Leiden: Sidestone Press. 51-55.

حفزني هذا البحث كثيراً أن أبيّن أن جسور نهر الأردن مجتمعة كانت واصلة بين جميع الناس الذين عاشوا على ضفتيه في جميع العصور، وبين من سكنوا على ضفتيه من منبعه من جبل الشيخ (الحاصباني، وبانياس، ودان)، وحتى مصبه في البحر الميت.

وحيث أننا لم نستطع حتى الحاضر العثور على شواهد أثرية تدل على بناء الجسور فوق نهر الأردن أقدم من العصر الروماني، فإننا نراهن على أن الناس وفي العصور البرونزية والحديدية (حوالي 3500 – 332 قبل الميلاد) قد استخدموا المخاضات في النهر، على الأغلب، مثل مخاضة داميا، ليتواصلوا مع بعضهم بعضاً، وربما بنوا أيضاً جسوراً خشبية لم تستطع أن تقاوم الظروف الجوية، وعاديات الزمان.

 جاء اليونان وتبعهم الرومان إلى بلادنا في حوالي (332 قبل الميلاد)، وبقوا فيها حتى الفتح الإسلامي في سنة 636م، أي ما يقارب الألف سنة من الاحتلال. ولتسهيل حركة جيوش هؤلاء قاموا ببناء الجسور المبنية من الحجارة فوق أماكن مختارة من النهر، وكانت هذه الجسور تربط الطرق والمسالك العسكرية والتجارية، خاصة بين مدن الديكابوليس والساحل الفلسطيني والبوادي مع بعضها بعضاً. أما بعد الفتح الإسلامي فيظهر أن الناس استخدموا الجسور البيزنطية في بادئ الأمر حتى الفترة المملوكية حين بنوا جسوراً جديدة وجددوا الجسور القديمة أشهرها الجسر الذي بناه الملك الظاهر بيبرس في داميا والذي يحمل نقشاً تأسيسياً بخلد اسم من بناه. استمرت هذه الجسور في الخدمة خلال فترة الحكم العثماني، لكن أجريت عليها أعمال صيانة وتصليحات دورية، وبقيت تمثل نقاطاً لعبور الناس، والقوافل، والحجاج، والعسكر. وأما في العصر الحديث فقد بنيت جسوراً جديدة من أبرزها: جسر الشيخ حسين، وجسر الملك حسين، وجسر الأمير محمد ومن الواجب قوله أن عدداً من هذه الجسور الجديدة أنشأت في أماكن تلك الأقدم منها. 

أكثر ما دفعني للتفكر في أمر بناء جسور فوق مياه الأنهر والبحيرات، هو، أنني عملت قبل تقاعدي من جامعة اليرموك، شريكاً لفريق هولندي في التنقيبات الأثرية بتل داميا والذي يبعد حوالي 500 متراً إلى الشرق من نهر الأردن، وكان ولا زال هذا المكان معبراً واصلاً بين ضفتي النهر. وكنت وصحبي وزوار الحفرية نذهب لنسلم على مياه النهر، ونقف داخل نقطة حدودية بنتها القوات المسلحة الأردنية لنستطلع ما حولنا. كنا نرى أن المنطقة مليئة بالجسور التي بنيت في القديم والحديث، وكلها لها طرفين الأول منها في الأردن والثاني في فلسطين، وتصور أن الناس كانت تسير فوق هذه الجسور في كلا الاتجاهين. ومن هذه الجسور جسر لفت انتباهنا، هو جسر خرساني دمر في حرب الكرامة، ولا زال خرقه واضحاً للعيان، سألت نفسي: هل بني هذا الجسر الواصل كي يهدم في الحرب؟  لا، ولكنه بقي شاهداً على انتصار معركة الكرامة.

الجسر هو وسيلة تواصل، وسلام بين الناس، لقد ربط الشارع الذي كان يمر ببلدة داميا ليصل إلى الجسر بين مدينة السلط في الشرق ومدينة نابلس في الغرب. وكان الناس قد بنوا لأنفسهم على جانبي الشارع بيوتاً من الطين ما تزال بقاياها شاهدة للعيان، لم يبق من أبنية بلدة داميا المهجرة سوا بناء المدرسة المبني من الحجارة. وحيث أن التدمير كان بسبب الحرب، وضماناً لسلامة أهل البلدة قامت الحكومة الأردنية ببناء مساكن جديدة لأهل البلدة في منطقة ليست بعيدة عن "داميا الأصل"، وأسمتها "داميا الجديدة". لكن داميا ارتبطت في العصر الحديث ولا تزال بعشيرة الرماضنه، وهي أحد فخود عشائر عباد، وتذكر المصادر أن معظم أراضي غور داميا كانت ولا تزال ملكاً لهم، وأن سكان المنطقة لا زالوا يعملون بالزراعة وتربية المواشي.

التواصل بين ضفتي النهر لم يكن فقط من منطقة العارضة/داميا للربط بين نابلس والسلط، لكن الجسور بنيت فوق مياه نهر الأردن من أقصى شماله إلى أبعد نقطه في جنوبه لتربط بين ضفتيه بوشائج عائلية ومصالح اقتصادية متبادلة. لك الله يا نهر الأردن كم أنت مقدس حتى بأسماء جسورك (يعقوب، وحسين ومحمد)، وبمياهك التي تعمد بها المسيح عليه السلام والناس من بعده. ونقدم أدناه لمحة مختصرة لبعض هذه الجسور.

جسر بنات يعقوب:

لا يرتبط اسم الجس باسم النبي يعقوب بن اسحق بن إبراهيم كما يتبادر للذهن عند سماع الاسم لأول مرة، لكنه نسبة لدير القديس يعقوب في مدينة صفد بشمالي فلسطين الذي بناه الفرنجة (الصليبيون) حين حكمهم على البلاد، كما أنهم أسسوا مركزاً جمركياً عند هذا الجسر، فاطلقوا اسم الدير الموجود في مدينة صفد على الجسر المبني فوق نهر الأردن وذلك لقربه من المكان. تذكر المصادر أنهم أشادوا قلعة بالقرب من الجسر استولى عليها صلاح الدين بعد انتصاره في معركة حطين ولا تزال بقايا بنائها واضحاً للعيان.

غير أن هناك روايات أخرى تذكر أن الذي بنى الجسر هو صلاح الدين الأيوبي لربط طرق القوافل القادمة من فلسطين إلى دمشق، وأن الملك الظاهر بيبرس قد جدده. وذكر مؤرخو القرن الرابع عشر الميلادي الذين رافقوا القوافل في طريقها من فلسطين إلى دمشق أنهم كانوا يعبرون نهر الأردن ثم يستريحون في خان بالقرب من الجسر. بني جسر بنات يعقوب من الحجارة البركانية السوداء التي تكثر في المنطقة، ورفع على أربع قناطر، وحافظ على أهميته الاستراتيجية عبر العصور التاريخية.

تم تدمير الجسر أكثر من مرة ابتداء من الحرب العالمية الأولى حين فجره الجيش العثماني أثناء انسحابه من فلسطين، والعصابات الصهيونية بعد ذلك. لكن هذا الجسر يبقى شاهداً على أنه كان يصل فلسطين بجنوبي سوريا. 

جسر المجامع:

يطلق اسم جسر المجامع على ثلاثة جسور بنيت في منطقة المجامع الواقعة جنوبي بلدة الباقورة الأردنية، وتعود بتاريخها إلى الفترات الرومانية والعثمانية والانتداب البريطاني. وبني في المنطقة نفسها خان مملوكي وبناء محطة روثنبيرغ لتوليد الكهرباء

يجادل الباحثون أن الجزء السفلي من بناء الجسر يعود للفترة الرومانية (63 قبل الميلاد – 324 ميلادية)، وأنه وخلال العصور الإسلامية الوسطى أضيف للبناء أقواس مدببة الرأس. زاره عدد من الرحالة المسلمين ومنهم (المقدسي 945- 991م) ووصفوا الجسر بأنه كبير ومبني بالطرف الجنوبي لبحيرة طبرية، وأضاف آخرون أنه تم ترميمه واصلاحه خلال حكم صلاح الدين الأيوبي (1174-1193م).  كما وتشير مصادر تاريخية مخطوطة إلى أن السلطان المملوكي برقوق هو من قام ببناء الجسر في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي. وكان هذا الجسر هو الحبل السري بين مدينتي اربد في الأردن وبيسان في فلسطين.

جسر الغوارنية:

بني هذا الجسر الخشبي في عام 1885 ميلادية فوق نهر الأردن في المنطقة الممتدة بين وادي النويعمه بالقرب من مدينة أريحا بفلسطين، ووادي نمرين الذي يصب في نهر الأردن من جهته الشرقية بالقرب من مدينة الشونة الجنوبية. يمتاز الجسر بسقفه الجملوني الشكل، ويبلغ طوله 45.5 متراً وعرضه 3.5متراً وارتفاعه 4.14م. تم تدمير الجسر بالكامل على يد القوات البريطانية في عام 1918م وبنت جسراً آخر مكانه في عام 1919م اسموه جسر اللنبي والذي هو جسر الملك حسين.

الجسور تبني علاقات وتنقل أفكاراً، وعندما تهدم يشهد ما يتبق من حجارتها على وجودها كما هي ذاكرة الناس.

أهم المراجع

  • مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين.
  • Lucas Petit (Forthcoming). The Histography of the Damiya Bridges. Tell Damiya Archaeological Research in the Central Jordan Valley Between 2004-2019. Vol. 1. Lucas Petit and Zeidan Kafafi (eds). Leiden: Sidestone Press. 51-55.
  • Saad Mohammed Hassain. The Architecture of Two Bridges across the Jordan River during the Mamluk Era. Annals of the Faculty of Arts, Ain Shams University, 43 (2015): 287–310.