• 31 تموز 2026
  • مقابلة خاصة

من دفاتري العتيقة

  

بقلم:  زيدان عبدالكافي كفافي

كان ذاك يوم من أيام شهر أيلول عام 1967ميلادية عندما قبلنا في برنامج قسم التاريخ والآثار في الجامعة الأردنية، كان عددنا 44 طالباً وطالبة منهم حسب ما أذكر سبع طالبات. وكانت جامعتنا الحبيبة يرأسها المرحوم معالي الأستاذ الدكتور ناصرالدين الأسد، وتتكون من ثلاث كليات (الآداب والعلوم والاقتصاد)، وعدد طلابها بضعة آلاف يعرف كل منهما الآخر. كنا ننتقل بالباص الذي يقف في طلعة الشابسوغ لننطلق من هناك باتجاه الجامعة، وكانت الأجرة قرش ونصف، وكان سائق الحافلة " أذكر أن أحدهم كان مميزاً عن غيره من السائقين، واسمه" محمد"، قد زخرف داخل الباص وزود نفسه بمجموعة من أشرطة الأغاني. كانت الطريق بين جبل الحسين والجامعة مربوطة بطريق ضيق يتسع لسيارتين، وفارغة إلاّ من حضانة البسطامي، وجرارات كاتربلر.

كان نظام التدريس في الجامعة حينها نظاماً فصلياً، وكان الطالب يحمل دفاتره تحت إبطه، ويجلس لامتحانات يومية ونهائية، وتصدر العلامات في نهاية الفصل وكان هناك الناجحون، والمكملون والراسبون. وكان على رأس قسم التاريخ والآثار الشيخ المعلم المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الكريم الغرايبة.  وكان لهذا الشيخ منهاجه في تعليم التاريخ، إذ ربط بين معارف التخصصين لأنه كان يرى في الآثار مختبراُ للتاريخ.  كان القسم يحبو على رجليه، عمره من عمر الجامعة (تأسس عام 1962م) وعدد أعضاء هيئة التدريس الأردنيين فيه لا يجاوز عدد أصابع اليد (أذكر منهم بالإضافة للدكتور الغرايبة، المرحوم الدكتور أحمد أبو حاكمه)، إذ حُمِل القسم في وقتها على أكتاف أعضاء هيئة تدريس كرام من مصر وسوريا، التحق بهم في عام 1970م المرحوم الدكتور عدنان الحديدي، إضافة لعدد من المعيدين الذين يتهيؤون للابتعاث للحصول على درجة الدكتوراة، وكان من بينهم خير ياسين، وعاصم البرغوثي، وصفوان التل، ونبيل الخيري.

انتهى العام الدراسي 1967/1968م وبدأنا الفصل الأول في السنة الثانية للعام الأكاديمي 1968/ 1969م، وكان البرنامج الفصلي يقرُّ من القسم وعلى الطالب أن يدرس جميع المواد المدرجة على البرنامج. وحصل أنه وفي الفصل الأول من هذا العام أدرجت مادة عنوانها "تاريخ الأردن عبر العصور" وأستاذها المرحوم الدكتور عبد الكريم الغرايبة الذي كلف المعيد محمد خير ياسين بأن ينوب عنه في تدريس جزء مادة تاريخ الأردن في العصور القديمة، وكان هذا هو اللقاء الأول مع أستاذنا الكبير محمد خير ياسين. ولم تمض مدة طويلة حتى تركنا كل من المعيدين خير، وعاصم، وصفوان إلى جامعاتهم المبتعثين إليها في أمريكا وتركيا (خير "قديم" وعاصم "كلاسيكي"، صفوان "إسلامي").

تخرج الفوج السادس من الجامعة الأردنية، ومن ضمنه، دفعتنا، في عام 1971م، وكان مكان حفل التخريج في ملعب كرة القدم "القديم" بالجامعة الأردنية، وتحت رعاية المرحوم جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله، وكان رئيس الجامعة حينها المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الكريم خليفة. كان عددنا تسع (أربع بنات وخمسة شباب)، وكان عدد خريجي الدفعة التي سبقتنا طالبان (حازم جاسر، وفؤاد بطاح)، تفرقنا بعد الحفل لمدة، لكن لم شمل بعضنا في عملنا بدائرة الآثار العامة.

شاءت ظروف العمل أن أنتقل من وظيفتي بدائرة الآثار العامة إلى العمل في متحف آثار الجامعة الأردنية في عام 1972م، بمعية زميل لي كان موظفاً في دائرة الآثار العامة اسمه "إبراهيم الحاج حسن"، عاد بعد مدة إلى عمله في دائرة الآثار العامة لكن حلّ محله لطفي خليل (الذي أصبح أستاذاً بقسم الآثار في الجامعة الأردنية لاحقاً). 

كانت بدايات سبعينيات القرن الفائت جميلة ومثمرة على الجامعة الأردنية، إذ عاد عدد من مبعوثيها بعد اكتمال دراساتهم للدكتوراة للعمل في الجامعة كما تم تعيين آخرين، وأذكر منهم في قسم التاريخ والآثار، كل من، مع حفظ الألقاب: علي المحافظة (تاريخ حديث)، محمد عدنان البخيت (تاريخ إسلامي) أمين محمود (تاريخ حديث)، ومحمد عبده الحتامله (تاريخ أندلسي)،محمود أبو طالب (تاريخ قديم)، أحمد الشبول (تاريخ إسلامي)، عاصم البرغوثي (آثار يوناني- روماني)، محمد خير ياسين (آثار قديمة)، صفوان التل (آثار إسلامية)، ونبيل الخيري (آثار الأنباط)،" وأعتذر إن نسيت بعضهم"، وقد حمل هؤلاء قسم التاريخ والآثار على أكتافهم، خاصة بعد أن انضم إليهم المرحومين الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الدوري، وصالح الحمارنة.  وكان لي مع كل واحد من هؤلاء قصة/قصص جميلة، ولهم جميعهم فضل علي في دراستي الجامعية.  لكن سيقتصر حديثي هذه المرة عن واحد منهم، وهو محمد خير ياسين وهو من سليل عائلة المصري النابلسية المعروفة.

كان من حسن طالعي أنه تم في عام 1972/1973م انفكاك شعبة الآثار عن شعبة التاريخ، وتأسيس قسم منفصل للآثار، تلاه في عام 1973م البدء ببرنامج ماجستير في الآثار، فسجلت فيه طالباً إضافة لعملي أميناً لمتحف الآثار. نتيجة لهذا ازداد احتكاكي بالأستاذ الدكتور محمد خير ياسين نتيجة للدراسة والعمل الميداني. قد يعتقد من يقرأ هذا الكلام أنني أسرد أمراً شخصياً، لكني أقدم معلومات حول جامعتنا الأم في تلك المرحلة والعلاقات الإنسانية التي كانت قائمة بين الناس فيها، من خلال علاقتي مع أستاذ قضى ردحاً من الزمان في خدمة الجامعة الأردنية. 

يمثل شتاء عام 1975م المشاركة الميدانية الأولى لي مع الدكتور خير ياسين، إذ اتفق هو والدكتور معاوية إبراهيم (حينها مساعد مدير دائرة الآثار العامة)، والدكتور جيمس سيوار (المركز الأمريكي للأبحاث الشرقية في عمان على اجراء مسوحات أثرية تغطي غور الأردن من العدسية الشمالية في الشمال حتى البحر الميت في الجنوب. وحيث أنني كنت من موظفي الجامعة الأردنية، وطالباً في برنامج الدراسات العليا فيها، شاركت فيها من حسن الحظ، فأصبحت على مسافة قريبة جداً من الدكتور خير.

اقتضت طبيعة العمل في المسح الأثري أن ينقسم الفريق المشارك فيه إلى فرق عدة.  وقد ضم فريق العمل الذي ضم بالإضافة للمشرفين الثلاث (خير ومعاوية وجيم) من دائرة الآثار العامة كل من: صيري العبادي (آثاري) ومحمد مرشد (مصور) ومحمد أمين؟ (مساح)، وعلي عبد الرسول، وخميس (عمال فنيين)؛ ومن الجامعة الأردنية زيدان كفافي؛ ومن المركز الأمريكي: سو سيور. كنت أحياناً أكون في فريق الدكتور خير، وحيث أننا كنا نقضي الوقت سيراً على الأقدام للتعرف على المواقع الأثرية، وتسجيلها، وتصويرها، ثم يتم تثبيتها على الخارطة بواسطة المساح حسب الإحداثيات الجغرافية، كان هذا يفسح المجال للأحاديث الجانبية، وكان بيني وبين الدكتور خير الكثير منها.  وكانت هذه المسوحات سبيلاً للدكتور خير أن يتعرف أكثر على طالبه.

بعد انتهاء موسمي مسوحات الأغوار (1975 و1976) اتفق خير ياسين من الجامعة الأردنية، وجيمس بريتشارد من جامعة بنسلفانيا الأمريكية في عام 1977م على التنقيب في تل السعيدية، الذي لا يبعد كثيراً إلى الشرق من نهر الأردن. وحضر الفريقان تأهباً للتنقيب في التل، لكن ومنذ اليوم الأول للعمل تم اكتشاف أن المواقع قد تعرض للقصف من القوات الإسرائيلية وأن هناك بقايا ألغام عسكرية أردنية فيه، مما يشكل خطراً على المشاركين بالتنقيب، فاضطر الفريق لوقف العمل. نتيجة لهذا رجع بريتشارد إلى بلاده أما خير ياسين فانتقل إلى تل المزار للتنقيب فيه، وحمل معه من أراد من الفريق الأمريكي، وانضممت أنا للفريق. وكان مكان سكن الفريق في مزرعة الجامعة الأردنية، وأحضر الدكتور خير زوجته "السيدة رابحة المصري" لتعتني بوجبات الطعام، علماً أن لها ابنة صغيرة لم تبلغ السنة من عمرها. وكان لي مع هذه الابنة قصصاً، إذ كانت ضحكتي وأنا شاب مجلجلة (اختفت مع تقدم العمر)، وكانت المسكينة تخاف كلما سمعتني أضحك ، ولن أنسى أن الدكتور خير هو من تكفل بنفقات أكل الفريق خلال هذا الموسم.

يتكون موقع تل المزار الأثري من مكانين: الأول هو التل نفسه، والثاني هو المقبرة الأثرية التابعة للتل، ومن هنا أصبح وجوباً عليه أن يعين أحداً للإشراف على التنقيب في المقبرة، فكنت أنا.

بدء العمل بتقسيم كل من التل الرئيسي والمقبرة إلى مربعات شبكية حسب اًصول التنقيبات الأثرية، وبدأنا العمل.  وكما هي العادة في التنقيبات الأثرية، لا يستطيع المنقب التكهن بما تخبئه الأرض، لكن أرض مقبرة تل المزار أعطت الدكتور خير الكثير من المكتشفات الأثرية المهمة مما جعل الحفرية قبلة للزائرين، إذ زارها وفد من كلية الآداب، خاصة أساتذة قسم الآثار ، وكان على رأسه عميد الكلية الأستاذ الدكتور عبد الكريم الغرايبة. ومن بين الزيارات الأخرى التي تركت أثراً في ذهني زيارة الإنجليزي لانكستر هاردنغ، مدير دائرة الآثار الأردني الأسبق، فكم تقت للتعرف عليه.

ومن الواجب ذكره أنه تم نشر عدد من الأبحاث والكتب حول نتائج هذه الحفرية، كذلك كانت مكتشفاتها الأثرية موضوعات لرسائل الماجستير لطلبة قسم الآثار في الجامعة الأردنية.  

ناقشت يوم 19/ 6/ 1977م رسالتي للماجستير، وكنت أول طالب في الجامعة الأردنية يحصل على درجة الماجستير في الآثار من الجامعة، سافرت بعدها يوم 6/ 10/ 1977م إلى المانيا لاستكمال دراستي للدكتوراة في جامعة برلين الحرة/المانيا الغربية، حينها. وبما أن قسم الآثار في الجامعة الأردنية لم يرغب بالالتزام معي، على الرغم من أنني حاصل على بعثة من المؤسسة الألمانية الأكاديمية للتبادل الأكاديمي، وكنت موظفاً عندهم، وأول خريجي الماجستير، قررت أن آخذ إجازة دون راتب من العمل في الجامعة، استقلت بعدها بسنة نهائياً من عملي في الجامعة.  وعلى الرغم من افتكاكي من العمل في الجامعة، وبعد المسافة بين الدكتور خير وبيني، إلاّ أننا ظللنا على تواصل. وأذكر أنه زارني في برلين، وذهبنا معاً لزيارة متحف "البيرغاموم" ببرلين الشرقية، آنذاك، كما أنه عرض علي العودة للعمل في الجامعة الأردنية. 

شاءت الأقدار أن يعين الدكتور معاوية إبراهيم في جامعة اليرموك أستاذاً للآثار، وكان صاحب مشروع جديد في الدراسات الأثرية، وعلى مقربة من صاحب القرار، فأوصى بتعييني في جامعة اليرموك.  وصلني كتاب للتعيين في جامعة اليرموك وأنا في مرحلة مناقشة رسالة الدكتوراة، فذهبت إلى الجميلة إربد، وبقيت فيها ثمان وثلاثين سنة.

التحقت بعملي في جامعة اليرموك يوم 13/2/ 1982م، وبقي العمل الميداني يسير في عروقي، ومن هنا بدأت أبحث عن موقع أثري أعمل به، فكان موقع جبل أبو الثواب، الواقع على الطريق الرئيسي بين عمّان واربد، قرب جامعة فيلادلفيا. كان الموقع مهدداً بالزوال، وهذا ما حصل، نتيجة توسعة الطريق الرئيسي بين العاصمة عمان وإربد، إذ زال الآن عن وجه الأرض. وكان الدكتور أول الزائرين والسائلين عن الحفرية ونتائجها. 

طاف بنا الزمان بعدها، وأخذنا إلى محطات وظيفية وحياتية، وأصبحت من سكان إربد والدكتور خير من سكان عمان، نزور بعضنا بين الفينة والأخرى، حتى تقاعد هو من العمل، تبعته أنا، لكننا اتفقنا على العودة معاً إلى حضن الجامعة الأردنية، وكان اللقاء في صيف 2024م في متحف الآثار حيث كانت البدايات، وتبقى الصلات الإنسانية والمحبة فوق كل مصلحة شخصية. أطال الله في عمر أستاذي الدكتور محمد خير المصري.