- 2 آب 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : د. زيدان عبدالكافي كفافي
حملت قلمي عدة مرات لأسطر كلمات أنعي فيها ما يجري على الأرض من تدمير للتراث وللهوية الثقافية والتاريخية العربية، والتي حافظت عليها أجيال سابقة، إلاّ أن المداد لم يطاوعني، ووجدت قلمي يصرخ عالياً مقتدياً بحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". كما تذكرت أنني من الناس الذين كتبوا سابقاً مقالات علمية وعلى صفحات الصحف الأردنية اليومية مطالباً فيها بضرورة تعميم المعرفة بهذا التراث، وضرورة المحافظة عليه، وتسكت الجامعة العربية الآن عمّا يجرى في عدد كبير من البلدان العربية من تجريف لمستودعات الذاكرة، خاصة المواقع والمتاحف الأثرية في فلسطين (غزة والضفة الغربية، ولبنان، وسوريا، والعراق، واليمن). يا الله هل التقى ما نفذه الاحتلال الأمريكي، حين احتلاله للعراق في عدم اهتمامه بالمحافظة على وثائق تاريخنا، مع ما يجري الآن في فلسطين ولبنان وسوريا، ولبنان واليمن؟ إسرائيل تمحو كل ما يتعلق بخزان الذاكرة العربية حول تراثها الثقافي والتاريخي. أقر وأعترف أيها القرّاء الكرام أن صرخاتي المكتوبة والمحكية لم تلق حتى الآن آذاناً صاغية لا من أصحاب هذا التراث العرب، ولا من غيرهم، فوجدتني أرقب بحسرة وألم، وأهمس بداخلي كما يفعل غيري "لا حول ولا قوة إلاّ بالله. نرقب تجريف المواقع الأثرية، وتحطيم مقتنيات المتاحف العربية ولا نفعل شيئاً. أحاول الآن المقارنة بين ما جرى أثناء الفتوحات الإسلامية ، مع تفعله الآلة الصهيونية على أرض الواق في تدمير تراثنا، وأذكر نفسي وأقول: “يا الله كم كان الإسلام سمحاً حين أبقى على هذه الأوابد عند دخول جيش الإسلام فاتحاً، وداعياً الناس لدخول الإسلام. ألم يكن بمقدور جحافل الجيوش الإسلامية، على سبيل المثال لا الحصر، تدمير موقع مدائن صالح النبطي الواقع في شمال غربي المملكة العربية السعودية؟ ألم يبن مسجد عمر "رضي الله عنه" بين خرائب مدينة “دومة الجندل" عاصمة المملكة العربية القيدارية الواقع بالقرب من مدينة سكاكا في المملكة العربية السعودية؟ ".
يرتعش القلم في يدي في الوقت الذي تتصفح فيه ذاكرتي مناظر تدمير تراثنا العربي في عدد من البلدان العربية، وأجد نفسي مع غيري بين مطرقة التدمير، وسندان المحافظة على هويتنا العربية ممثلة بوثائقها الأثرية... أما زلنا نبكي على حريق مكتبة بغداد... ويسأل الإنسان نفسه: أليس قتل النفس التي حرم الله إلآّ بالحق جريمة؟ ألا يعني قتل هوية الإنسان سحب روحه عن جسده؟
لم يتبق لنا إلاّ الدعاء: "يا رب لا ملجأ إلاّ إليك، فالمؤسسات الدولية خافضة الصوت، مغمضة العينين، وأما نحن فلا حول لنا ولا قوة. رباه هل عاد المغول التتار إلى بلادنا ليمزقوا كتب مكتبة بغداد، ويحطوا تماثيل ملوك بابل وآشور الذين حطموا دولتي إسرائيل ويهوذا.
بين الهويات الجمعية والفرعية:
كان الجمع في بلاد العرب شيعاً متفرقة، جمعهم النبي الهاشمي محمد (صلى الله عليه وسلم) تحت راية واحدة، هي راية الإسلام. نعم كان هناك العرب المناذرة والغساسنة من يحكم على أجزاء من بلاد الرافدين وبلاد الشام، لكن العرب الغساسنة المسيحيين وقفوا إلى جانب أبناء العمومة في حروبهم ضد المحتلين الرومان البيزنطيين. وبعد أن اجتمع شمل وادي الرافدين وبلاد الشام ومصر، تكونت امبراطورية إسلامية أصلها في شبه الجزيرة العربية، وامتدت فروعها إلى من أواسط آسيا إلى الأندلس. تركت لنا هذه الإمبراطورية إرثاً عظيماً اشترك فيه العرب، والفرس، والكرد، والترك.
حض الإسلام، وأوصى الرسول محمد وخلفائه لقادة الفتوحات الإسلامية، على عدم التعرض لدور العبادة والناس أثناء حروبهم. أقارن الآن ما يجري على ساحتنا العربية كيف تقوم الآلة الانجلو-صهيونية بتدمير كل شيء في بلادنا (الإنسان والتراث). ونتيجة للضعف العربي، بدأ أجناس وأعراق من عالمنا العربي تطل برأسها مناديه بأنهم من أصل غير عربي.... أصبح سكان شمالي بلاد الرافدين كرد وسريان وآشوريين (وهم كذلك، لكنهم شلحوا عباءة العروبة) وغيرهم من الأعراق الأخرى الساكنة على أرض بلاد العرب. ما جمعه الإسلام يفرقه الصهاينة في الوقت الحاضر، عدنا إلى مملكة "باشان" التوراتية، عوضاً عن حوران...الإسلام جمع أهل العروبة بغض النظر عن دياناتهم أو أعراقهم، لكنهم ينفضون الآن من تحت هذه الراية. لهذا أضع بين يدي القرّاء كلمات أذكرهم فيها بجزء من كل من حضارتنا العربية قبل الإسلام، الحضارة الآشورية، داعياً المولى أن تجد الاهتمام الكافي منهم.
الهوية الآشورية العربية، مثالاً:
يتفق الباحثون، ودون دليل كتابي، أن أقواماً خرجت في نهاية الألف الرابع وبداية الثالث قبل الميلاد نتيجة لتغير مناخي من جزيرة العرب باتجاه الشمال قاصدين حوضي دجلة والفرات، حيث طبيعة الحياة الموائمة، وكان من بين هؤلاء الآشوريين الذين استقر بهم المقام في المنطقة الشمالية من العراق الحالي، وبالتحديد بين مدينتي الموصل والشرقاط (أنظر الخارطة). وأسسوا في هذه المنطقة مدينة أسموها "آشور" نسبة إلى الإله السامي "آشور"، فصارت المنطقة بأسرها تسمى باسم "آشور".
لم يكن الآشوريين معزولين عن محيطهم، بل كانوا على تواصل دائم مع أواسط وجنوبي وادي الرافدين، حيث كانت تحكم الدولة الأكادية، فأخذوا عن الأكاديين أبناء عمومتهم فنون الكتابة والعمارة والفنون. ونتيجة لموقعها المتوسط بين عدد من الممالك القوية سواء في وادي الرافدين أو بلاد الأناضول أو بلاد فارس، فقد كانت مطمعاً لهذه الدول. لذا أسس ملوكها جيشاً قوياً تدافع به عن نفسها، فوصفت آشور على هذا الأساس بأنها "دولة عسكرية" خاصة أنها استطاعت خلال الألف الأول قبل الميلاد احتلال والسيطرة على مناطق واسعة من بلدان الشرق الأدنى القديم، بل استطاعوا احتلال الدلتا المصرية. وعلى الرغم من هذا، فقد كان أهل آشور أصحاب تجارة، فأسسوا لهم مستعمرات تجارية كان منها تل المؤرخة للنصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد في بلاد الأناضول.
عاشت آشور منذ وجودها في الألف الثالث قبل الميلاد وحتى نهايتها في عام 612 قبل الميلاد عدة تقلبات سياسية قسّمها الباحثون إلى ثلاث مراحل، هي:
1. المرحلة المبكرة (الألف الثالث - 1594 قبل الميلاد): تأسست في هذه المرحلة مدينة آشور في مكان يبعد حوالي 80 كيلومتراً إلى الجنوب من مدينة الموصل، واتخذها الآشوريون عاصمة لهم. لكنها خضعت في بداية عهدها للمدن السومرية المنتشرة في وسط وجنوبي وادي الرافدين، ومن ثم للدولة الأكادية، ومن بعدها لأسرة أور الثالثة التي حكمت في الفترة بين حوالي 2100 - 2000 قبل الميلاد.. لكن آشور استقلت في حوالي 1894 قبل الميلاد، أي في نفس الوقت الذي ظهرت فيه الدولة البابلية الأولى (دولة حمورابي) في بابل. ومن أشهر ملوك آشور في هذه المرحلة "شمشي أداد 1815 - 1782 قبل الميلاد"، والذي قام بعدة فتوحات عسكرية. لكن هذا الاستقلال لم يدم طويلاً حيث احتلها الملك البابلي حمورابي وأتبعها لنفوذ مملكته.
2. المرحلة الوسيطة (حوالي 1594 - 911 قبل الميلاد): تولى الحكم في بابل بعد سقوطها على يد الحثيين سكان آسيا الصغرى (تركيا الحالية) في عام 1594 قبل الميلاد قبائل قدمت من جبال زاغروس الشرقية تعرف باسم "الكاشية". وصادف هذا الأمر ظهور مجموعة من الأمراء الأقوياء في آشور، وهؤلاء أعادوا لآشور هيبتها وسلطتها خاصة بعد أن نجحوا في صد هجوم الآراميين في الغرب والحوريين والحثيين القاطنين في أعالي دجلة والفرات والخابور، وكذلك أطماع الكاشيين في بابل. وقد أطلق الباحثون على هذه المرحلة اسم "العهد الآشوري الوسيط".
حكم على آشور في هذه المرحلة مجموعة من الملوك الأقوياء، نذكر من بينهم: آشور أوبلط الأول، شلمنصر الأول، توكلتي نينورتا، وتجلات- بلاسّر الأول. وبعد وفاة هذا الملك الأخير تولى الحكم على آشور مجموعة من الملوك الضعاف، مما أفسح المجال لمجموعة من القبائل الآرامية التي كانت تسكن حوض الفرات الأوسط في غربي آشور أن تتقدم باتجاه الشرق وتستقر في مناطق واقعة تحت السيطرة الآشورية.
3. المرحلة الحديثة "الإمبراطورية" (حوالي 911 - 612 قبل الميلاد): وتقسم هذه المرحلة إلى مرحلتين فرعيتين، ويفصل بينهما مرحلة ضعف مرت على آشور، وتنتهي بسقوط العاصمة "نينوى" في عام 612 قبل الميلاد على يد تحالف البابليين الجدد في العراق والميديين في بلاد فارس. لقد بلغت آشور في هذه المرحلة شأواً عظيماً من التقدم والازهار والتوسع العسكري، وسيطرت على مناطق في آسيا الصغرى، وبلاد الشام، وسواحل الخليج العربي وأجزاء من وادي النيل. وحكم في هذه المرحلة عدد من الملوك العظام لا نستطيع في هذه العجالة إيفائهم حقهم، لكننا نذكر منهم (آشور ناصر بال الثاني "884 - 858 قبل الميلاد") الذي جدد بناء العاصمة الجديدة كالح (نمرود)، وبنى له فيها قصراً منيفاً زين جدرانه بألواح رخامية كبيرة حفرت عليها رسومات تمثل إحداها مناظر للملك وهو في الصيد أو الحرب. وتبعه في الحكم (شلمنصر الثالث "حوالي 858 - 824 قبل الميلاد") الذي أكمل الفتوحات التي بدأها والده حيث قضى على أحلاف الممالك الآرامية، وسحق اليهود في فلسطين، كما هاجم القبائل العربية التي كانت متواجدة في الصحراء.
حكم بعد شلمنصر الثالث ابنه "أدد نيراري الثالث" تبعه ملوك ضعاف نشبت على أثرها ثورة داخلية في مدينة نمرود نتج عنها تولي الملك (تيجلات - بلاسّر الثالث "حوالي 745 - 727 قبل الميلاد") وكان ملكاً قوياً استطاع أن يعيد لآشور هيبتها بين الأمم الأخرى. فقد قام هذا الملك بالقضاء على جميع أعدائه، فهاجم الممالك الآرامية، خاصة مملكة دمشق في سنة 732 قبل الميلاد، كذلك حارب القبائل العربية في الصحراء وفتح عدة مدن على سواحل البحر المتوسط الشرقية الواقعة في المسافة بين خليج الإسكندرونة وحتى غزة، ووصل إلى الحدود المصرية. ويظهر أنه أراد من هذا التوسع العسكري توحيد البلاد ذات الأصول الواحدة والأرضية المشتركة من لغة سامية مكونة من لهجات متعددة كما أنها تحمل نفس العادات والتقاليد.
أما خلفه الملك (شلمنصر الخامس "حوالي 727 - 722 قبل الميلاد") فحاصر مدينة السامرة عاصمة مملكة اسرائيل لمدة ثلاث سنوات وذلك لامتناعها عن دفع الجزية له. لكن سقوط المدينة وسبي أهلها إلى بابل لم يتم إلاّ في عهد خلفه الملك (سرجون الثاني "حوالي 722 - 705 قبل الميلاد"). وبالإضافة للسامرة قام سرجون الثاني بمحاربة واسقاط عدد من المدن في بلاد الشام، خاصة تلك الواقعة على شواطئ البحر المتوسط الشرقية. ومن أهم ما قام به هو محاربة مملكة بابل واتباعها إلى حكمه، كما بنى عاصمة جديدة تبعد حوالي 12 كيلومتراً إلى الشمال من نينوى، وأسماها "دور - شاروكين" والتي تسمى باسم "خورسباد" في الوقت الحاضر. وبنى فيها قصراً عظيماً زين مداخله ومداخل عاصمته بتماثيل كبيرة الحجم مثل الثيران المجنحة.
توفي سرجون الثاني أثناء قيامه بغزوة على أعدائه بشمالي البلاد فتولى الحكم من بعده ابنه (سنحاريب "حوالي 705 - 681 قبل الميلاد"). وثر هذا الملك ألا يسكن في عاصمة والده فانتقل إلى مدينة نينوى. وقاد سنحاريب عدداً من الحملات العسكرية وصل بعضها إلى سواحل بحر إيجه، كما قضى على أحلاف دويلات صور وصيدا وعسقلان وحاصر مدينة أورشليم عاصمة مملكة يهوذا. لكن سنحاريب قضى في عام 681 قبل الميلاد نتيجة مؤامرة من أحد أبنائه بالتعاون مع بعض رجال الحكم.
تولى الحكم من بعد سنحاريب عدداً من الملوك الأقوياء من أمثال (أسرحدون " حوالي 681 - 669 قبل الميلاد") الذي جرد عدة حملات عسكرية على بلاد الشام وغزا مصر. أما الملك (آشور بنيبال "حوالي 669 - 629 قبل الميلاد") فقد كان مولعاً بالآداب والفنون الجميلة، كما أنه أكمل حروب والده في مصر. لكن حدثت بعد وفاته منازعات على العرش، واستلم دفة الأمور في آشور عدد من الملوك الضعاف، فانفصلت عن الدولة عدد من المقاطعات التي كانت تابعة لها. كذلك ظهر حاكم قوي في بابل اسمه "نبوبلصر" الذي استطاع أن يؤسس في حوالي 626 قبل الميلاد سلالة جديدة حكمت في بابل اسمها "الدولة البابلية الحديثة". ونتيجة لضعف آشور طمعت بها أيضاً الدول الأخرى المحيطة مثل "الميديون" في فارس، فتحالفت ميديا وفارس معاً واستطاعتا في عام 612 قبل الميلاد اسقاط الدولة الآشورية.
هذا موجز عن انجازات مملكة عربية قامت في منطقة شمالي وادي الرافدين، ترك لنا ملوكها إرثاً حضاريا ضخماً مثل القصور والمعابد والمباني الأخرى المزخرفة بزخارف فنية رائعة وتماثيل ضخمة ومليئة بالقطع الأثرية والنصوص الكتابية التي تحكي حكاية وطن امتدت على مدى زمني بلغ حوالي الألفي عام. يكافأ هؤلاء الملوك العرب اليوم بتدمير تراثهم المادي وتحطيم وثائقهم المكتوبة وغير المكتوبة التي يخلد بعضها انتصاراتهم على أعدائهم.
من شمالي العراق، ومن جبال كردستان، قام سرجون الثاني مدمر عاصمة اسرائيل، من هنا جاء صلاح الدين محرر القدس. آه يا آشور... يا وجعي ويا ألمي... لمن أشكي همّي...لكن من يسمع؟ ألا تنبت الأزهار وتبرعم الأشجار في الربيع؟ فلماذا كان ربيعنا خريف سقطت فيه الأوراق عن العورات؟ وتتعرى أشجارنا في ربيعنا...لكن عزاءنا القول أن في الحقل العربي نفسه أزهار زكية الرائحة...وأشجار لا تزال واقفة...وتموت واقفة كما هم شهداؤنا.

