- 12 آب 2026
- مقابلة خاصة
القدس - أخبار البلد - كتب المحرر الثقافي :
يسعدنا في ” أخبار البلد“ ان نقوم بنشر الدراسة الكاملة التي اعدها الباحث والكاتب الخبير بالشان المقدسي ” مازن الجعبري“ والتي تحمل عنوان ” الاقصى زمن الحرب“ ، تناول فيها بالبحث والفحص كيف تسرع اسرائيل خطواتها من اجل اعادة تشكيل الوضع القائم في المسجد الاقصى مستغلة عدة عوامل منها الداخلية الاسرائيلية ومنها الخارجية وسط غياب عربي واسلامي كامل .
ونحن اذ ننشر الدراسة نتقدم بالشكر الجزيل للصديق الباحث ”مازن الجعبري ” على ثقته ب ” أخبار البلد“ ومنحه فرص لمتابعي الشبكة للاطلاع على هذه الدراسة :
الملخص التنفيذي
تجادل هذه الورقة البحثية بأن إسرائيل لم تتعامل مع حالة الحرب والطوارئ على أنها ظرف أمني مؤقت، ومنفصل عن القدس، بل استغلتها كفرصة سياسية وأمنية؛ لتسريع مسار متراكم يهدف إلى إعادة تشكيل الوضع القائم في المسجد الأقصى. فمن خلال إغلاق المسجد، وتقييد وصول المصلين، وتوسيع تدخل الشرطة الإسرائيلية في تفاصيل الحركة والعبادة داخله، لم تعد المسألة مقتصرة على إجراءات أمنية عابرة، بل باتت تعكس تحولًا تدريجيًا في مركز القرار من المجال الوقفي والديني إلى المجال الأمني والسيادي الإسرائيلي.
ولا يكمن الخطر الأساسي في خطوة واحدة منفردة، بل في تراكم سياسات متداخلة تعمل على تفريغ الوضع القائم من مضمونه من دون إعلان رسمي بإلغائه. وتشمل هذه السياسات تقييد الحضور الإسلامي، وتوسيع الاقتحامات والطقوس اليهودية، وتحويل الشرطة إلى أداة لإعادة هندسة الحضور داخل المسجد، والدفع نحو غطاء تشريعي، ومؤسسي عبر مشاريع مثل: تعديل قانون الأماكن المقدسة، إضافة إلى تآكل الوظيفة العملية للوصاية الأردنية مع بقائها شكلية في الخطاب الدبلوماسي.
وتكتسب التطورات المرتبطة بمسيرة الأعلام، ومحاولات فتح المسجد الأقصى أمام اقتحامات غير مسبوقة في يوم الجمعة أهمية خاصة؛ لأنها تشير إلى انتقال ملف الأقصى من ضغط جماعات الهيكل وحدها إلى مستوى سياسي حكومي أوسع. فقد أظهرت عريضة وقّعها 22 سياسيًا إسرائيليًا-ومنهم وزراء بارزون-أن جزءًا مؤثرًا من المؤسسة السياسية الإسرائيلية بات يتعامل مع الاقتحامات على أنها تعبير عن السيادة الإسرائيلية على القدس، لا مجرد ممارسة دينية هامشية.
وتخلص الورقة البحثية إلى أن "السيناريو" الأكثر ترجيحًا هو استمرار التآكل التدريجي للوضع القائم، مع احتمال حصول قفزات تصعيدية مرتبطة بالأحداث الأمنية، أو المناسبات الدينية والقومية الإسرائيلية، أو التشريعات الجديدة؛ لذلك، فإن التعامل مع الأقصى يحتاج إلى مقاربة سياسية واستراتيجية مستمرة، لا إلى ردود فعل موسمية؛ لأن ما يجري ليس إدارة أزمة مؤقتة، بل محاولة لإعادة تعريف السيادة والوظيفة الدينية والإدارية للمسجد الأقصى.
الكلمات المفتاحية
(المسجد الأقصى، والوضع القائم، والطوارئ، والحرب، والوصاية الأردنية، والتهويد)
السؤال الرئيس
كيف تستغل إسرائيل ظرفية الحرب، وحالة الطوارئ؛ لتسريع إعادة تشكيل الوضع الراهن في المسجد الأقصى، وتحويل سلطة القرار فيه من الإطار الوقفي، والديني إلى النطاق الأمني، والسيادي الإسرائيلي؟
الفرضية المركزية
تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن إسرائيل لا تقتصر في استخدامها للحروب وحالات الطوارئ على تبرير تدابير أمنية مؤقتة في المسجد الأقصى، بل تسعى من خلال ذلك إلى تسريع مسار استراتيجي تراكمي يستهدف تفريغ الوضع القائم من محتواه العملي. ويتحقق ذلك عبر نقل السلطة العملية المتعلقة بفتح المسجد، وإغلاقه، وتنظيم الدخول إليه من دائرة الأوقاف الإسلامية إلى الشرطة الإسرائيلية، وتوسيع نطاق الوجود اليهودي التعبدي، وإضعاف الدور التنفيذي للوصاية الأردنية، ودعم هذا التغيير الميداني بمسارات سياسية وتشريعية ومؤسسية موازية.
المقدمة: الأقصى بين الحرب والطوارئ
لم يعد المسجد الأقصى في المرحلة الراهنة مجرد ساحة دينية منعزلة عن التحولات السياسية والأمنية الأوسع، بل أصبح أحد أبرز المواقع التي تختبر فيها إسرائيل حدود السيطرة والسيادة في القدس. فقد أظهرت الحرب على إيران، وما صاحبها من إعلان حالة الطوارئ، أن إسرائيل تتعامل مع الأقصى باعتباره جزءًا من منظومة الأمن والسيادة، وليس مجرد مكان ديني خاضع لترتيبات تاريخية وقانونية خاصة. وفي هذا السياق جاء إغلاق المسجد، وإخلاؤه من المصلين، وفرض القيود في محيطه والبلدة القديمة باعتباره أكثر من مجرد إجراء أمني مؤقت؛ إذ كشف عن قدرة إسرائيل على تعليق الوظيفة الدينية الإسلامية للمكان متى اعتبرت أن الظرف الأمني يسمح بذلك أو يبرره.
غير أن خطورة هذه اللحظة لا تكمن في الإغلاق وحده، بل في كونه يندرج ضمن مسار متراكم يهدف إلى إعادة تشكيل الوضع القائم في المسجد الأقصى من الداخل. فبدلًا من إعلان إلغاء مباشر لهذا الوضع، وهو خيار عالي الكلفة سياسيًا ودينيًا وأمنيًا، تتحرك إسرائيل عبر خطوات تدريجية مثل: تقييد دخول المسلمين، وتوسيع الاقتحامات، والسماح بمظاهر تعبدية يهودية أكثر علنية، وتمديد أوقات الاقتحام، وتعزيز الدور التنفيذي للشرطة الإسرائيلية في إدارة الأبواب والحركة داخل المسجد. وبهذا المعنى، فإن ما يجري لا يتمثل في خرق منفرد للوضع القائم، بل في عملية تفريغ متواصلة لمضمونه، بحيث يبقى قائمًا في اللغة السياسية والدبلوماسية، بينما تتغير وظائفه الفعلية على الأرض.
وتتسارع هذه العملية في ظل صعود اليمين الديني والقومي المتطرف داخل الحكم الإسرائيلي، واتساع نفوذ جماعات الهيكل، وتحول مطالبها من خطاب هامشي إلى برنامج ضغط سياسي يجد صداه داخل مؤسسات الحكم. وتبرز دلالة ذلك في محاولات ربط اقتحامات الأقصى بمناسبات قومية إسرائيلية مثل: مسيرة الأعلام، وفي الدفع نحو فتح المسجد أمام اقتحامات غير مسبوقة يوم الجمعة، وهي خطوة تحمل معنى سياديًا واضحًا يتجاوز مسألة الزيارة أو العبادة. كما يظهر هذا التحول في محاولات إسناد التغيير الميداني بمسارات تشريعية ومؤسسية، مثل: تعديل قانون الأماكن المقدسة، بما قد يفتح الباب أمام توسيع نفوذ المرجعيات الدينية اليهودية الرسمية في تحديد معنى "المقدس" و"التدنيس" داخل فضاءات متنازع عليها.
تنطلق هذه الورقة من سؤال رئيسي: كيف توظف إسرائيل حالة الحرب والطوارئ؛ لتسريع إعادة تشكيل الوضع القائم في المسجد الأقصى، ونقل القرار فيه من المجال الوقفي والديني إلى المجال الأمني والسيادي الإسرائيلي؟ وتفترض الورقة أن الحرب لا تُستخدم فقط لتبرير إجراءات أمنية مؤقتة، بل لتسريع مسار استراتيجي أوسع يربط بين الأمن، والاقتحامات، والتشريع، وتآكل الوصاية الأردنية، بما يؤدي تدريجيًا إلى إعادة تعريف إدارة المسجد ووظيفته وهويته السياسية والدينية.
وتسعى الورقة إلى تحليل هذا المسار عبر أربعة مستويات مترابطة هي: أولًا-الخلفية المتعلقة بالوضع القائم، والوصاية الأردنية وحدودها العملية، ثانيًا-توظيف الحرب والطوارئ في نقل قرار الفتح والإغلاق، وتنظيم الوصول إلى المجال الأمني الإسرائيلي، ثالثًا-تصاعد الاقتحامات، والطقوس اليهودية بوصفها أدوات لإعادة توزيع الزمن والحضور الديني داخل المسجد، ورابعًا-محاولات تثبيت هذه التحولات عبر مسارات سياسية وتشريعية، ومؤسسية. وتنتهي الورقة إلى قراءة استشرافية للمؤشرات التي ينبغي مراقبتها في المرحلة المقبلة، و"السيناريوهات" المحتملة لمسار السيطرة الإسرائيلية على الأقصى.
الوضع القائم والوصاية الأردنية: من الترتيب التاريخي إلى التآكل العملي
يُعتبر مفهوم "الوضع القائم" في المسجد الأقصى أحد المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة الصراع الراهن حول المسجد، ويُقصد به-في جوهره-بقاء المسجد الأقصى فضاءً إسلاميًا في إدارته، ووظيفته الدينية، وتشرف عليه دائرة الأوقاف الإسلامية، وتُمارس فيه العبادة الإسلامية، بينما يُسمح لغير المسلمين بالزيارة ضمن ترتيبات محددة لا تُنشئ حقًا تعبديًا أو سياديًا موازيًا. ومع ذلك، ظل هذا المفهوم-على الرغم من حضوره المستمر في الخطاب السياسي والدبلوماسي-عرضة لتفسيرات متباينة، خصوصًا مع إصرار إسرائيل على التعامل معه كترتيب قابل لإعادة التأويل الأمني والإداري، لا كالتزام ثابت يحكم علاقة الدولة المحتلة بالمكان المقدس.
وقد اكتسب الدور الأردني في المسجد الأقصى مكانة خاصة ضمن هذا الترتيب، سواء بحكم الرعاية التاريخية للمقدسات الإسلامية في القدس، أو من خلال الاعتراف السياسي بهذا الدور في معاهدة "وادي عربة". غير أن صياغة هذا الاعتراف بقيت عامة وفضفاضة؛ إذ تحدثت المعاهدة عن "احترام" إسرائيل للدور الأردني الخاص في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، دون أن تحدد بوضوح الصلاحيات التنفيذية للأردن أو للأوقاف داخل المسجد، ولا حدود تدخل الشرطة الإسرائيلية في الأبواب، والحركة، والفتح والإغلاق، وتنظيم الوصول. ولهذا، فإن الإشكالية لم تكن في غياب الاعتراف بالدور الأردني، بل في تحوله إلى اعتراف سياسي عام لا يمنع عملياً انتقال أدوات السيطرة اليومية إلى سلطات الاحتلال.
وتعمّق هذا الغموض لاحقًا مع تفاهمات عام 2015م، التي جاءت في أعقاب التوترات الواسعة في المسجد الأقصى، وبوساطة أمريكية بين الأردن وإسرائيل، وأعادت التأكيد على الصيغة التي تقول: إن المسلمين يصلّون في الأقصى، وأن غير المسلمين يزورونه. غير أن هذه التفاهمات، على الرغم من تأكيدها اللفظي على عدم تغيير الوضع القائم، وأبقت بصورة غير مباشرة حق غير المسلمين في الزيارة تحت الإدارة الأمنية الإسرائيلية، دون أن تمنح الأوقاف، أو الوصاية الأردنية صلاحيات تنفيذية واضحة؛ لضبط حدود هذه الزيارة. وقد أتاح هذا الترتيب لإسرائيل أن توسّع معنى "الزيارة" تدريجيًا، بحيث لم تعد مجرد دخول محدود ومنضبط، بل أصبحت إطارًا مرنًا تُدخِل من خلاله جماعات الهيكل مطالبها المتعلقة بالطقوس، والنصوص الدينية، وتوسيع أوقات الاقتحام، والسعي إلى فرض حضور تعبدي يهودي داخل المسجد. وهكذا تحوّل الغموض في التفاهمات إلى مساحة سياسية وأمنية تستخدمها إسرائيل؛ لإعادة تعريف حدود المسموح والممنوع داخل الأقصى.
وفي هذا السياق، يمكن التمييز بين مستويين للوصاية الأردنية هما: أولا-مستوى شكلي، وثانيا-مستوى دبلوماسي ما زال قائمًا في البيانات، والاتصالات الرسمية، ومستوى عملي تنفيذي يتعرض للتآكل المتواصل. فالوصاية لا تُلغى رسميًا، لكنها تُفرّغ من مضمونها عندما تتحكم الشرطة الإسرائيلية بالأبواب، وتفرض الإبعادات، وتحدد من يدخل ومن يُمنع، وتتدخل في حركة المصلين، وتملك القدرة على إغلاق المسجد، أو فتحه تحت عنوان الأمن والطوارئ. وبذلك تصبح الأوقاف حاضرة إداريًا ورمزيًا، لكنها مقيّدة عمليًا أمام سلطة أمنية إسرائيلية تملك أدوات القرار اليومي داخل المسجد ومحيطه.
وتظهر خطورة هذا التحول في أن إسرائيل لا تحتاج إلى إعلان إلغاء الوضع القائم، أو الوصاية الأردنية بصورة مباشرة، لأنه قد يفتح مواجهة سياسية ودينية واسعة. وبدلًا من ذلك، تعتمد نمطًا تراكميًا يقوم على نقل الوظائف واحدة تلو الأخرى: من إدارة الأبواب، إلى ضبط الوجود البشري، إلى تنظيم الاقتحامات، إلى التدخل في المرافق الداخلية، ثم محاولة إسناد هذه الوقائع بمسارات قانونية وتشريعية. وبهذا المعنى، فإن بقاء الوضع القائم في الخطاب الرسمي لا يعني بقاءه في الممارسة الفعلية؛ إذ يمكن أن يستمر الاسم بينما يتغير المضمون تدريجياً.
من هنا، فإن ما جرى خلال الحرب والطوارئ لا يمكن فهمه بوصفه حدثًا منفصلًا عن هذا المسار. فإغلاق المسجد الأقصى، وإخلاؤه من المصلين لم يكن مجرد إجراء أمني طارئ، بل تعبيرًا مكثفًا عن واقع سبق أن تبلور تدريجيًا، وهو أن القرار الفعلي في لحظات الحسم لم يعد بيد الأوقاف، بل بيد الشرطة الإسرائيلية. وهذا ما يجعل الحرب لحظة كاشفة؛ فهي لم تخلق تآكل الوضع القائم، لكنها كشفت المستوى الذي وصل إليه هذا التآكل، وفتحت المجال أمام تسريعه وتطبيعه.
• الحرب والطوارئ: الأمن كأداة لإعادة تشكيل السيطرة على الأقصى
أظهرت الحرب على إيران-في سياق التصعيد الإقليمي الأوسع، وحرب الإبادة على غزة-أن إسرائيل لا تتعامل مع المسجد الأقصى-في أوقات التصعيد الكبرى-بوصفه مكانًا دينيًا ذا ترتيبات تاريخية خاصة، بل بوصفه مجالًا أمنياً قابلاً للإغلاق، والتقييد بقرار من الشرطة والسلطات الإسرائيلية. فقد صاحب إعلان حالة الطوارئ الأخيرة خلال الحرب مع إيران، إغلاق المسجد وإخلاؤه من المصلين، مع فرض قيود واسعة في محيطه، وفي البلدة القديمة، ورغم تقديم هذه الخطوة إسرائيليًا بوصفها استجابة أمنية ظرفية مرتبطة بالطوارئ، فإنها حملت دلالة أعمق تتصل بمسألة السيطرة الفعلية، ومن يملك قرار فتح المسجد، وإغلاقه، وتنظيم الوصول إليه؟
ولا تكمن خطورة الإغلاق في كونه إجراءً أمنيًا منفردًا، بل في أنه يمس جوهر إدارة المكان، فالأوقاف الإسلامية قد تبقى حاضرة على أنها الجهة الدينية والإدارية التاريخية، غير أن فترة الطوارئ تكشف أن القرار التنفيذي الحاسم ينتقل إلى الشرطة الإسرائيلية، وهذا يعني أن إسرائيل لا تكتفي بالتحكم في محيط المسجد، أو أبوابه الخارجية، بل تفرض نفسها مرجعية فعلية لتحديد متى يعمل المسجد على أنه مسجد، ومتى تُعلّق وظيفته الدينية، ومن يُسمح له بالوصول إليه، ومن يمنع أو يبعد عنه. وبهذا المعنى، يتحول "الأمن" من ذريعة إجرائية إلى أداة لإنتاج سيادة يومية على المكان.
ولم يبدأ هذا المسار مع الحرب الحالية، بل يتصل بتراكم سابق من السياسات الإسرائيلية التي نقلت التعامل مع الأقصى تدريجيًا من إطار ديني ووقفي إلى إطار أمني وشرطي. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في الإبعادات، وتشديدًا على أبواب المسجد، وتدخلًا متكررًا في حركة المصلين، والدروس الدينية، وحضور المرابطين والحراس؛ مما جعل الشرطة الإسرائيلية فاعلًا يوميًا داخل المسجد، ومحيطه، لا مجرد قوة منتشرة خارجه. وفي سياق حرب الإبادة على غزة، والتصعيد الإقليمي، اتسع هذا الحضور الأمني، وارتبط بتقييد الوجود الإسلامي في الأقصى، وبمحاولة منع المسجد من أداء دوره السياسي، والرمزي في التعبير عن التضامن مع غزة.
وتُظهر هذه السياسات أن إسرائيل تختبر في كل جولة تصعيد، وتفرض ما يمكن فرضه داخل الأقصى دون الوصول إلى انفجار شامل، فالإغلاق الكامل، أو تقييد الدخول، أو التحكم بالأبواب، أو التدخل في حركة المصلين، ليست إجراءات منفصلة عن بعضها، بل حلقات في سياسة واحدة تقوم على تحويل الاستثناء الأمني إلى قاعدة قابلة للتكرار، وكلما تكرّر هذا النمط دون مواجهة قادرة على كبحه، تحوّل تدريجيًا من إجراء استثنائي إلى آلية إدارة شبه اعتيادية، بما يسهّل على إسرائيل ترسيخ فكرة أن المسجد الأقصى، في لحظات الأزمة، يقع عمليًا تحت القرار الأمني الإسرائيلي الكامل.
وفي هذا الإطار، يصعب عزل الحرب والطوارئ عن صعود اليمين الديني، والقومي المتطرف في إسرائيل، أو عن الدور المتزايد لوزارة الأمن القومي، والشرطة في إعادة صياغة إدارة الأقصى، فالشرطة لم تعد تعمل فقط بوصفها جهازًا لضبط الاحتكاك أو منع (الاضطرابات)، بل باتت تُستخدم كأداة سياسية لترجمة رؤية أكثر تقدمًا نحو فرض السيادة الإسرائيلية على المسجد، ومن هنا تصبح قراراتها المتعلقة بالإغلاق، والإبعاد، وتنظيم الاقتحامات، والتعامل مع الطقوس اليهودية، جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الوضع القائم، وليست مجرد ردود أمنية ظرفية.
وانطلاقا مما سلف فإن الحرب على إيران -في سياق التصعيد الإقليمي الأوسع وحرب الإبادة على غزة-لم تخلق مسار السيطرة الإسرائيلية على الأقصى، لكنها كشفت مستوى تقدّمه، وسرّعت بعض أدواته، فالفترة الحربية تمنح إسرائيل غطاءً إضافيًا؛ لتجريب سياسات يصعب تمريرها في الظروف العادية، وتسمح لها بإعادة تعريف الحدود بين "الإجراء الأمني المؤقت"، و"الحق السيادي الدائم". ومن هنا فإن الخطر لا يكمن فقط في إغلاق الأقصى خلال الحرب، بل في أن يتحول هذا الإغلاق إلى سابقة سياسية وأمنية تستدعى لاحقًا عند كل تصعيد أو مناسبة، مما يجعل قرار المسجد في الفتح، والإغلاق، والوصول، والحضور، أكثر ارتباطًا بالمنظومة الأمنية الإسرائيلية، وأقل ارتباطًا بالوضع القائم، والوصاية، ودائرة الأوقاف.
• من تقييد الحضور الإسلامي إلى توسيع الطقوس اليهودية
إن إعادة تشكيل الوضع الراهن في المسجد الأقصى لا تقتصر على تحويل سلطة القرار بشأن الفتح والإغلاق إلى المجال الأمني الإسرائيلي، بل يشمل أيضًا إعادة تنظيم الحضور الديني داخل المسجد ذاته، فالنهج الإسرائيلي يعتمد أولا- على تقليص الوجود الإسلامي الحر عبر التضييقات، والإبعادات، والتفتيش، والتحكم في الأبواب، وثانيا- يعتمد على توسيع الوجود اليهودي المنظم، وتحويل الاقتحامات من (زيارات محدودة) إلى ممارسات تحمل دلالات تعبدية، وسيادية متزايدة، وبذلك، يتحول الصراع على الأقصى إلى صراع حول الزمن، والتواجد، والوظيفة، وليس مجرد صراع على الدخول إلى المكان فحسب.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في استهداف الوجود الإسلامي داخل المسجد، سواء من خلال ملاحقة المرابطين، أو إبعاد المصلين، أو تقييد حركة الحراس، وموظفي الأوقاف، أو التدخل في الدروس، والخطب، والأنشطة الدينية. وتكمن خطورة هذا المسار في كونه لا يهدف فقط إلى فرض الأمن داخل المسجد، بل إلى إضعاف العنصر البشري الإسلامي الذي يشكل فعليًا، ورمزيًا، خط الدفاع الأول عن هوية المكان ووظيفته، وفي سياق حرب الإبادة على غزة، اتخذ هذا التقييد بعدًا إضافيًا، حيث تم التضييق على أي تعبير ديني، أو سياسي داخل الأقصى يتعلق بغزة، أو يعكس حضورًا فلسطينيًا جامعًا.
في المقابل، لم تعد الاقتحامات اليهودية مجرد دخول مجموعات صغيرة إلى ساحات المسجد تحت حماية الشرطة، بل تطورت نحو طقوس أكثر علنية وتنظيمًا، فقد ظهرت ممارسات مثل: السجود الملحمي، والانبطاح، والغناء، والرقص الجماعي، ورفع النصوص، والصلوات المطبوعة، مما يعكس تحولًا من منطق "الزيارة" إلى منطق "العبادة" داخل المسجد، وتكمن أهمية هذه التحولات في أنها تراكم وقائع يومية صغيرة، ولكنها تخلق مع مرور الوقت اعترافًا فعليًا بحق ديني يهودي متسع داخل الأقصى، حتى دون إعلان رسمي بتغيير الوضع القائم.
وتتجلى دلالة هذا التحول بوضوح في قرار الشرطة الإسرائيلية بالسماح لليهود الذين يصعدون إلى المسجد بحمل أوراق صلاة مطبوعة، وفي تمديد ساعات زيارة اليهود، والسياح خلال شهر رمضان. وتبدو هذه الخطوات إجرائية في ظاهرها، ولكنها تحمل معنى سياسيًا ودينيًا أعمق؛ اذ تنقل الشرطة من موقع "التغاضي" عن بعض الممارسات إلى موقع "التنظيم والمشاركة". فالسماح بالنصوص المطبوعة يعني فعليًا الاعتراف بإمكانية أداء الصلاة، وتمديد الساعات يعني أن الوقت المخصص للتواجد اليهودي داخل الأقصى أصبح قابلاً للتوسع، والتفاوض، والفرض التدريجي.
ولا ينفصل ذلك عن الدور الذي تقوم به جماعات الهيكل في دفع هذا المسار إلى الأمام، فهذه الجماعات لا تتعامل مع الاقتحامات باعتبارها غاية نهائية، بل كأداة تراكمية لإعادة تعريف علاقة اليهود بالمكان؛ تمهيدًا لفرض وجود تعبدي أوسع، ثم تحويل هذا الوجود إلى واقع سياسي وقانوني. ولذلك، فإن مطالبها لا تقتصر على زيادة أعداد المقتحمين، بل تمتد إلى توسيع أوقات الاقتحام، وإضافة فترات مسائية، وإدخال أدوات دينية، وتثبيت الصلوات العلنية، وربط هذه المطالب بخطاب السيادة الإسرائيلية على القدس والأقصى
في هذا السياق، تصبح الشرطة الإسرائيلية جزءًا محوريًا من إعادة هندسة التواجد داخل المسجد، فهي لا تضبط الاحتكاك بين طرفين متساويين، بل تفرض ترتيبًا هرميًا واضحًا مثل: التضييق على الوجود الإسلامي من جهة، وتسهيل متزايد للوجود اليهودي التعبدي من جهة أخرى. وهذا ما يجعل الادعاء الإسرائيلي بأن ما يجري في الأقصى يندرج في إطار "حرية العبادة" ادعاءً مضللاً؛ لأن حرية العبادة هنا لا تمارس في فضاء محايد، بل تحت سلطة احتلال تستخدم أدوات الدولة، والشرطة، والقانون؛ لإضعاف الوظيفة الإسلامية للمكان، وإنتاج وظيفة دينية، وسيادية جديدة تخدم المشروع الإسرائيلي.
وعليه فإن التحول الأعمق لا يرتبط فقط بتزايد أعداد المقتحمين، بل بتغيير مضمون الاقتحام ذاته، فكلما انتقلت "الزيارة" من عبور منظّم إلى ممارسة تعبدية، وكلما اتسعت الصلاة من فعل فردي محدود إلى طقس جماعي معلن، وكلما أصبح زمن الاقتحام قابلاً للتمديد والتثبيت، اتجه الأقصى نحو إعادة ترتيب تدريجية للزمن الديني والوظيفة الرمزية وحدود الاعتراف. وهنا تكمن خطورة تفريغ الوضع الراهن بأن يستمر قائماً في الصياغة الرسمية، بينما يتبدل فعليًا مضمون الحضور الديني داخل المسجد.
• مسيرة الأعلام، واقتحام الجمعة: من ضغط جماعات الهيكل إلى تبن سياسي حكومي
تُعدّ مسيرة الاعلام إحدى أبرز الفعاليات التي تستخدمها إسرائيل في إعادة إنتاج خطاب السيادة على القدس، ولا سيما في البلدة القديمة، ومحيط المسجد الأقصى، فهي لا تقتصر على كونها نشاطًا قوميًا، أو احتفالًا سنويًا، بل تُستخدم كأداة رمزية، وسياسية؛ لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على المجال العام في القدس، وفرض حضور استعراضي داخل أكثر المناطق حساسية دينيًا وسياسيًا. ومن هنا، فإن ارتباط مسيرة الأعلام بملف الأقصى ليس عَرَضيًا، بل يعكس محاولة لدمج السيطرة على المدينة بالضغط المتزايد على المسجد، بحيث يصبح هذا النشاط القومي مدخلًا إضافيًا لاختبار حدود الوضع القائم.
وتكتسب محاولة فتح المسجد الأقصى أمام اقتحامات المستوطنين يوم الجمعة أهمية خاصة، لكونها تمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة الاستهداف، فالأقصى لم يكن يُفتح عادةً أمام الاقتحامات في يوم الجمعة؛ نظرًا لخصوصية الصلاة، والحضور الإسلامي المكثف، ولذلك فإن الدفع نحو اقتحامه في هذا اليوم لا يمكن قراءته كإجراء تنظيمي عادي، بل كاختبار سياسي، وأمني لفرض قاعدة جديدة. فإذا نجحت إسرائيل في كسر هذا الحاجز، فإنها لا توسّع زمن الاقتحام فحسب، بل تضرب أحد الرموز المركزية للحضور الإسلامي الأسبوعي في المسجد.
وقد تجلّت خطورة هذا التطور في العريضة التي وقّعها 22 سياسيًا إسرائيليًا-من بينهم وزراء بارزون-للمطالبة بفتح المسجد الأقصى أمام اقتحامات المستوطنين يوم الجمعة 15/5/2026، في الذكرى العبرية لاحتلال القدس، وتكمن أهمية العريضة في كونها لا تعبّر فقط عن ضغط صادر عن جماعات الهيكل، بل عن انتقال هذا الضغط إلى مستوى سياسي حكومي أوسع، شارك فيه وزراء وأعضاء كنيست من حزب الليكود، والصهيونية الدينية، وهذا يعني أن اقتحام الأقصى لم يعد مطلبًا هامشيًا لجماعات دينية متطرفة فحسب، بل بات يحظى بإسناد سياسي من داخل بنية الحكم.
وتكشف صياغة المطالبة بفتح الأقصى "بشكل يعبر عن سيادة إسرائيل على القدس" عن جوهر التحول الجاري. فالمسألة هنا لا تتعلق بحرية زيارة، أو حق فردي في الوصول إلى مكان مقدس، بل بتوظيف الاقتحام كفعل سيادة. وبهذا المعنى يصبح دخول المستوطنين إلى الأقصى يوم الجمعة تحقيقا لرسالة سياسية أكثر من كونه ممارسة دينية، والرسالة مفادها أن إسرائيل قادرة على إعادة تحديد الزمن الديني للمسجد، وعلى كسر القيود التي كانت تحدّ من الاقتحامات، وعلى تحويل المناسبات القومية الإسرائيلية إلى محطات لفرض وقائع جديدة داخل الأقصى.
كما أن مشاركة شخصيات سياسية، ووزارية في دعم هذه الخطوة تكشف تنافسًا داخل اليمين الإسرائيلي حول من يمتلك قرار الأقصى، ومن يجني مكاسب فرض الوقائع فيه، فبينما ارتبطت السنوات الأخيرة بصعود دور إيتمار بن غفير، وجماعات الهيكل في الدفع نحو تغيير قواعد التعامل مع المسجد، تُظهر عريضة مسيرة الأعلام أن قوى أوسع داخل الليكود، والحكومة تسعى أيضًا إلى الظهور بوصفها شريكًا في فرض السيادة على الأقصى، وهذا يعكس انتقال الملف من ضغط أيديولوجي خارجي إلى جزء من التنافس السياسي داخل المؤسسة الحاكمة نفسها.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن خطورة مسيرة الأعلام لا تكمن فقط في احتمالات الاحتكاك الميداني، بل في قدرتها على إنتاج سوابق، ففي كل مرة يجري فيها توسيع المسار، أو رفع مستوى الشعارات، أو ربط المسيرة باقتحام الأقصى، أو فتح باب جديد أمام حضور المستوطنين، تتحول المناسبة إلى مختبر سياسي وأمني لتوسيع السيطرة. وإذا كانت الحرب والطوارئ تمنح إسرائيل غطاءً أمنيًا، فإن مسيرة الأعلام تمنحها غطاءً قوميًا وسياديًا؛ وفي الحالتين، تُستخدم اللحظة الاستثنائية لإحداث تغيير قد يتحول لاحقًا إلى جزء من الإدارة المعتادة للمسجد.
ومن ثمّ فإن ربط اقتحام الأقصى بمسيرة الأعلام يكشف أن تغيير الوضع القائم لا يجري فقط من خلال الأوامر الشرطية، أو المسارات التشريعية، بل أيضًا عبر توظيف المناسبات القومية الإسرائيلية كأدوات لإنتاج وقائع جديدة في المسجد ومحيطه. ففي هذه الحالة، لا تعود المسيرة مجرد حدث رمزي في القدس، بل تتحول إلى منصة لاختبار حدود السيطرة على الأقصى وتوسيعها. وبهذا المعنى، يتقاطع في المسجد البعد الأمني مع البعد القومي، والديني، والقانوني في مسار يهدف إلى نقل الاقتحام من فعل تؤمّنه الشرطة إلى إعلان سياسي عن السيادة الإسرائيلية.
• التأسيس القانوني والمؤسسي: قانون الحاخامية، وقانون الأماكن المقدسة
لا تكتفي إسرائيل بإحداث وقائع على أرض الواقع داخل المسجد الأقصى ومحيطه، بل تسعى أيضًا إلى دعم هذه الوقائع بمسوغات قانونية، ومؤسسية تضفي عليها طابعًا أكثر رسوخًا، واستدامة. فالتغيير الذي يبدأ عبر تدخلات الشرطة، أو الاقتحامات، أو تمديد ساعات الزيارة، أو التدخل في المرافق الداخلية يصبح أشد خطورة عندما يجد له سندا في التشريعات، أو في قرارات المحاكم، أو في صلاحيات المؤسسات الدينية الرسمية. ووفقاً لهذا المنظور، فإن السيطرة على الأقصى لا تتم فقط من خلال القوة الأمنية، بل أيضًا من خلال هندسة قانونية تعيد تحديد المرجعيات التي تبت في معنى "المقدس" ونطاق "الانتهاك" وصلاحيات الإدارة.
يعد مشروع تعديل "قانون الأماكن المقدسة" أحد أبرز الدلائل على هذا التوجه، فقد تمت الموافقة على المشروع بالقراءة الأولى في الكنيست في 25 شباط 2026، وهو يفتح الباب-وفقًا للتحليلات المتداولة، أمام منح الحاخامية الرسمية الإسرائيلية-دورًا أوسع في تحديد ماهية "التدنيس" في الأماكن التي تعتبر مقدسة يهوديًا، وتكمن خطورة هذا التعديل في المرونة التي يتسم بها القانون الأصلي نفسه، إذ لا يحدد بشكل واضح ماهية "الأماكن المقدسة"، ولا الجهة التي تملك سلطة تعريفها، ولا المرجعية النهائية لتحديد معنى "التدنيس". وهذا الغموض يسمح بتوظيف القانون في المستقبل؛ لتوسيع نفوذ الحاخامية إلى مناطق متنازع عليها، بما في ذلك المسجد الأقصى، دون الحاجة إلى النص على ذلك صراحة منذ البداية.
وتتفاقم خطورة هذا التوجه؛ لأنه يأتي من "مدخل بعيد" ظاهريًا عن الأقصى، فالنقاش المباشر يدور في أحد جوانبه حول ترتيبات الصلاة اليهودية عند حائط البراق، وحول الخلافات بين التيارات الدينية اليهودية التقليدية، والإصلاحية، والنسوية بشأن طبيعة الصلاة هناك، غير أن هذا النقاش يمكن أن يتحول إلى بوابة تشريعية أوسع تمكن الحاخامية الرسمية من امتلاك سلطة مرجعية على تعريف "التدنيس" و"المقدس"، مما يخلق إطارًا قانونيًا قابلًا للتوسع نحو ساحات أكثر حساسية. وهنا تكمن خطورة المسار في أن يتم تمرير تعديل يبدو مرتبطًا بساحة البراق، أو بالخلافات الداخلية اليهودية، ولكنه يفتح لاحقًا إمكانية توظيفه في الصراع على الأقصى.
يتكامل هذا المسار مع محاولات أوسع لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على المقدسات في القدس، وخاصة في منطقة البراق، والبلدة القديمة، ومحيط المسجد الأقصى، فقانون ساحة البراق-كما ورد في التحليلات الصحفية والسياسية- لا ينفصل عن محاولة تثبيت مرجعية إسرائيلية على واحدة من أكثر المناطق ارتباطًا بالمسجد الأقصى، ورمزيته التاريخية، وإذا كان البراق قد شكل –تاريخيًا- مدخلًا رئيسيًا لإعادة تعريف السيطرة على محيط الأقصى، فإن أي ترسيخ قانوني جديد هناك قد يستخدم لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على المجال المقدس المحيط بالمسجد، ثم على العلاقة بين هذا المجال والمسجد نفسه.
ولا ينفصل التأسيس القانوني عن التأسيس الإداري، والميداني، فمحاولة السيطرة على دار الحديث قرب باب الرحمة، ورفض إعادة تركيب قفل جديد لها بعد كسره، يحمل دلالة تتجاوز الإجراء الإداري المباشر؛ إذ يشير إلى محاولة إبقاء بعض المرافق الداخلية في المسجد قابلة للتدخل الإسرائيلي المستمر. وإذا قرئت هذه الخطوة إلى جانب تمديد ساعات الاقتحام، وتوسيع الطقوس، ومحاولات تعديل قانون الأماكن المقدسة، فإنها تكشف عن مسار مركب يقوم على السيطرة على الزمن، والمداخل، وبعض المرافق، ثم البحث عن سند قانوني، أو مؤسسي لهذه السيطرة.
ولا يقتصر هذا المسار على المرافق الداخلية للمسجد أو على ترتيبات الدخول والاقتحام، بل يمتد أيضاً إلى محيطه العمراني المباشر، ولا سيما الممرات التاريخية المؤدية إليه. ففي أيار/مايو 2026، أقرت الحكومة الإسرائيلية تشكيل لجنة حكومية مشتركة لدراسة ملفات عقارية في البلدة القديمة، مع تركيز خاص على طريق باب السلسلة، وهو محور حساس يربط بين الحي اليهودي والحي الإسلامي ويؤدي إلى المسجد الأقصى. وتستند هذه الخطوة إلى أوامر مصادرة قديمة تعود إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، لم يُنفَّذ بعضها فعلياً بسبب بقاء عشرات العائلات والتجار والمؤسسات في العقارات ورفضهم الإخلاء أو التعويض. وتكمن خطورة إعادة تفعيل هذا الملف بعد نحو ستة عقود في أنه ينقل السيطرة من إدارة الزمن والاقتحامات إلى إعادة تشكيل الحيز المحيط بالأقصى، عبر أدوات المصادرة، والتسوية العقارية، وإعادة توزيع السيطرة على المداخل والأسواق والطرق المؤدية إلى المسجد. وبهذا المعنى، يصبح باب السلسلة جزءاً من حلقة أوسع تستهدف ربط السيطرة على الأقصى بالسيطرة على محيطه السكاني والعمراني، بما يعزز تفريغ الوضع القائم من مضمونه المكاني، لا الديني والإداري فقط.
وتكمن أهمية هذه المسارات في أنها تحوّل الصراع من مجرد فرض وقائع ميدانية إلى محاولة منح هذه الوقائع غطاءً قانونيًا ومؤسسيًا. فالاقتحام، أو الإغلاق، أو التدخل الشرطي قد يقدم في البداية كاستثناء أمني أو إجراء مؤقت، ولكن عندما يتم ربطه بقانون، أو بمرجعية دينية رسمية، أو بقرار إداري دائم، يصبح جزءًا من بنية حكم جديدة. وهذا هو جوهر التحول الذي تسعى إليه إسرائيل وهو: ألا تبقى الوقائع الميدانية مجرد وقائع قابلة للاعتراض عليها، بل أن تتحول تدريجيًا إلى قواعد مؤسسية يصعب التراجع عنها. وفي حالة الأقصى يعني ذلك أن الخطر لا يتوقف عند تغيير السلوك الإسرائيلي في المسجد، بل يمتد إلى محاولة تغيير المرجعية التي تحدد من يملك حق الإدارة، والتفسير، والتنظيم.
وبناءً على ذلك فإن مشروع قانون الحاخامية، وقانون الأماكن المقدسة يجب أن يقرأ ضمن مسار أوسع لا بوصفه تفصيلًا قانونيًا منفصلًا، فهو يتكامل مع دور الشرطة في الميدان، ومع ضغط جماعات الهيكل، ومع تحولات الخطاب السياسي الإسرائيلي حول السيادة، ومع تراجع الدور العملي للأوقاف، والوصاية الأردنية. وبذلك لا يعود القانون إطارًا محايدًا لتنظيم المقدسات، بل يتحول إلى مسار موازٍ لإعادة صياغة الوضع القائم، فكما يجري تقليص مضمون الوصاية عمليًا من خلال السيطرة الأمنية، والتي يمكن تقويضها أيضًا عبر بناء مرجعيات قانونية، ودينية إسرائيلية تزاحمها في تحديد معنى المكان، ووظيفته، وحدود القداسة فيه.
• تآكل الوصاية الأردنية والأوقاف: بقاء الشكل وتراجع الوظيفة
في هذه المرحلة، لا تسعى إسرائيل إلى إعلان إلغاء الوصاية الأردنية، أو إقصاء دائرة الأوقاف الإسلامية بصورة مباشرة، خشيةً من مواجهة سياسية، ودينية واسعة مع الأردن والفلسطينيين، إلا أن الواقع الفعلي على الأرض يشير إلى نمط مختلف من الإلغاء غير المعلن، وهو الإبقاء على الوصاية في الخطاب السياسي، والدبلوماسي مع تفريغها التدريجي من مضمونها التنفيذي، بالتالي لا تكمن المشكلة في غياب الاعتراف بالدور الأردني، بل في تحول هذا الاعتراف إلى إطار رمزي لا يمنع انتقال أدوات القرار اليومي إلى سلطات الاحتلال.
وتتمثل الوظيفة الأساسية للأوقاف الإسلامية في إدارة المسجد باعتباره مكانًا إسلاميًا، والإشراف على أبوابه، ومرافقه، وحراسه، وشؤونه الدينية واليومية، لكن هذه الوظيفة تتعرض للتآكل عندما تصبح الشرطة الإسرائيلية هي الجهة التي تتحكم عمليًا في الدخول، والخروج، وتفرض الإبعادات، وتحدد أوقات الفتح والإغلاق، وتمنع، أو تسمح بالحضور في ساحات المسجد وفق اعتبارات أمنية إسرائيلية، وعندما تُنتزع هذه الوظائف من الأوقاف، تتحول الوصاية مجرد غطاء دبلوماسي فوق واقع أمني جديد تتحكم فيه إسرائيل.
ويظهر هذا التآكل بوضوح في ملف الأبواب، إذ أن السيطرة على أبواب الأقصى ليست مجرد مسألة إدارية بسيطة، بل هي جوهر السيطرة العملية على المسجد، فالجهة التي تتحكم بالأبواب تتحكم بمن يدخل، ومن يُمنع، ومتى يفتح المسجد ومتى يُغلق، وما إذا كانت جماعات المستوطنين قادرة على الدخول، وفي أي أوقات وشروط؛ لذلك، فإن انتقال القرار الفعلي على الأبواب إلى الشرطة الإسرائيلية يعني أن الأوقاف تفقد واحدة من أهم وظائفها التنفيذية، حتى لو بقيت مسؤولة اسميًا عن إدارة المسجد وشؤونه الدينية.
ولا يقتصر الأمر على الأبواب، بل يمتد إلى استهداف الحراس، وموظفي الأوقاف، والتدخل في الدروس والخطب والأنشطة الدينية، ومحاولة تقليص قدرة الأوقاف على حماية النظام الداخلي للمسجد، وهذه الإجراءات لا تبدو منفصلة عن بعضها، بل تكشف عن سياسة تهدف إلى تقليص صلاحيات الأوقاف من الداخل، أي الإبقاء على المؤسسة مع تقليل قدرتها على الاعتراض، أو التنظيم، أو إدارة المكان بصورة مستقلة. وبهذا تصبح الأوقاف حاضرة بوصفها عنوانًا إداريًا، لكنها مقيدة عند كل نقطة تماس حقيقية مع القرار الأمني الإسرائيلي.
وتزداد خطورة هذا التآكل حين يقترن بصعود الطقوس اليهودية، وتوسيع الاقتحامات، فإضعاف الأوقاف لا يحدث في فراغ، بل يتزامن مع تسهيل متزايد لحضور جماعات الهيكل والمقتحمين، وفي هذه الحالة، لا تكون الوصاية فقط في حالة تراجع، بل يجري استبدال وظيفتها تدريجيًا بوظائف أخرى مثل: الشرطة تنظّم، والجماعات الدينية تضغط، والسياسيون يرفعون السقف، والتشريع يسعى إلى تثبيت الوقائع. وهكذا يتحول الأقصى من مكان تديره مرجعية وقفية إسلامية إلى فضاء تتنازع عليه-عمليًا-مرجعيات أمنية، ودينية، وسياسية إسرائيلية.
أما الأردن، فيبقى حاضراً في مستوى الاحتجاجات، والاتصالات الدبلوماسية، والبيانات السياسية، لكنه يواجه حدودًا واضحة في القدرة على فرض صلاحياته التنفيذية داخل المسجد، وهذه الفجوة بين الحضور الدبلوماسي، والقدرة الميدانية هي التي تسمح لإسرائيل المضي في سياسة التآكل التدريجي دون الاصطدام بإعلان سياسي مباشر حول إلغاء الوصاية. فكل خطوة يمكن تقديمها بوصفها إجراءً أمنيًا محدودًا، ولكن تراكمها ينتج واقعًا جديدًا يُضعف الدور الأردني، ويُعيد تعريف علاقة الأوقاف بالمكان.
وعليه، لا يمكن النظر إلى تراجع الوصاية بوصفه أثرًا ثانويًا للسياسات الإسرائيلية، بل باعتباره عنصرًا أساسيًا في مسار إعادة تشكيل الوضع القائم، فإسرائيل تدرك أن فرض السيطرة على الأقصى لا يمر فقط عبر تكثيف الاقتحامات، أو توسيع الطقوس اليهودية، بل أيضًا عبر إضعاف المرجعية التي تمتلك-تاريخيًا ودينيًا-شرعية إدارة المسجد. ومن هنا، قد يكون الإبقاء على الوصاية في صورتها الشكلية-في هذه المرحلة-أكثر فائدة لإسرائيل من إلغائها علنًا؛ إذ يجنّبها كلفة صدام سياسي مباشر، بينما يسمح لها عمليًا بنقل وظائف الإدارة، والقرار إلى الشرطة، ومؤسساتها الأمنية والسياسية.
• المسارات المستقبلية
تظهر البيانات السابقة أن المسار الإسرائيلي في المسجد الأقصى لا يتحرك عبر خطوة واحدة حاسمة، بل من خلال تراكم بطيء يجمع بين الإجراءات الأمنية، والاقتحامات الدينية، والتغطية السياسية، ومحاولات الإسناد القانوني والمؤسسي؛ لذلك، فإن قراءة المرحلة المقبلة تحتاج إلى تقدير المسارات المحتملة، لا بوصفها توقعات قطعية، بل كمسارات يمكن أن تتداخل أو تتعاقب وفق ميزان الضغط الميداني والسياسي والديني.
• المسار الأول: استمرار التآكل التدريجي للوضع القائم
يبدو هذا المسار هو الأرجح على المدى القريب، وذلك لانسجامه مع النمط العملي الإسرائيلي المتراكم في الأقصى، والذي يتسم بعدم إعلان إلغاء الوضع القائم بصورة مباشرة، بل العمل على تفريغه التدريجي من مضمونه. ويتحقق ذلك من خلال إجراءات صغيرة ومتتابعة، مثل: تمديد ساعات الاقتحام، وتوسيع نطاق الطقوس اليهودية، وفرض قيود إضافية على المصلين، وتقليص صلاحيات الأوقاف، وترسيخ دور الشرطة كجهة تنظيمية فعلية داخل المسجد. وتكمن أهمية هذا المسار في كونه يسمح لإسرائيل بتغيير الواقع من دون تحمل تبعات سياسية ودينية كبيرة دفعة واحدة.
في هذا المسار، قد تُبقي إسرائيل على خطاب "الوضع القائم"، و"حرية العبادة"، و"الضرورات الأمنية"، لكنها توظّفه كغطاء لإدارة تحول تدريجي، لا كالتزام فعلي بالحفاظ على الوضع الراهن، ومع تراكم الممارسة، تتحول الإجراءات الاستثنائية إلى سوابق، ثم إلى أنماط إدارية شبه ثابتة، وصولًا إلى واقع يصعب التراجع عنه. وهنا يكمن جوهر التحدي حيث يصبح التغيير الصامت أكثر فاعلية من الإعلان المباشر، ويُعاد تنظيم الوظيفة الدينية الإسلامية في الأقصى تحت سقف القرار الأمني الإسرائيلي.
• المسار الثاني: قفزة تصعيدية محتملة
يستند المسار الثاني إلى فرضية تحول إسرائيل، أو جزء من مؤسسة الحكم فيها، من اتباع سياسة التدرج إلى اعتماد إجراء تصعيدي ذي نطاق أوسع. وهذا التحول يمكن أن يرتبط بمناسبة ذات طابع قومي، مثل: مسيرة الأعلام، أو بمحاولة لفتح المسجد الأقصى أمام الاقتحامات في يوم الجمعة، أو بقرار تشريعي يمنح الحاخامية، أو هيئة إسرائيلية رسمية صلاحيات أوسع في تحديد مفاهيم "المقدس" و"التدنيس"، أو بحدث أمني كبير تستغله إسرائيل كمبرر لاتخاذ تدابير غير مسبوقة.
وتكمن أهمية هذا المسار في أن الإجراء التصعيدي، حتى لو لم يستمر لمدة طويلة، قد يرسخ أساسًا يمكن استحضاره لاحقًا. فعلى سبيل المثال: في حال فُتح المسجد الأقصى أمام الاقتحامات في يوم الجمعة، أو أُدخلت أدوات دينية جديدة، أو جرى إقرار فترة اقتحام مسائية، فإن التراجع اللاحق لن يمحو تأثير هذا الأساس؛ بل من الممكن أن يجعله جزءًا من مجموعة الخيارات الإسرائيلية المتاحة في كل أزمة مستقبلية. وعليه، فإن الإجراء التصعيدي لا يُقاس فقط بمدى استمراريته، ولكن أيضًا بما يتيحه من إمكانيات جديدة لإعادة تحديد نطاق السيطرة.
• المسار الثالث: احتواء مؤقت دون وقف الاتجاه العام
أما المسار الثالث فيتمثل في إمكانية حدوث احتواء ظرفي لبعض الإجراءات الإسرائيلية نتيجة لضغط أردني، أو استجابة فعلية فلسطينية، أو تنبيهات إقليمية ودولية تحذر من تفجر الأوضاع على نطاق واسع، وقد يفضي ذلك إلى إرجاء عملية اقتحام معينة، أو تخفيض حدة التصعيد في ظرف محدد، أو إصدار تأكيدات إسرائيلية ظاهرية بشأن احترام الوضع الراهن.، بيد أن هذا الاحتمال لا يستتبع بالضرورة إيقاف المسار العام، بل قد يقتصر على إدارة التوتر، وتجنب الانفجار في فترة معينة.
وتتجلى أوجه القصور في هذا الاحتمال في كون الاحتواء غالبًا ما يعالج الإجراء المباشر، وليس التكوين التراكمي الذي أفرزه. فقد يتم الحيلولة دون اقتحام استثنائي، في حين تستمر ساعات الاقتحام الممتدة، أو تصدر تأكيدات بشأن الوصاية، بينما تبقى الشرطة تسيطر على الأبواب، أو يتم تجميد مقترح قانون بصورة مؤقتة، في حين تبقى الحقائق الميدانية تتقدم، وعليه، فإن الاحتواء المؤقت قد يحول دون الانفجار، ولكنه لا يوقف بالضرورة إعادة تشكيل الوضع الراهن.
• مؤشرات المتابعة في المرحلة المقبلة
في ضوء هذه السيناريوهات، تظهر مجموعة من المؤشرات التي تستدعي المراقبة في المرحلة المقبلة، أولًا-أي محاولة متجددة لفتح الأقصى أمام الاقتحامات في يوم الجمعة، يمثله ذلك كسر لرمزية الحضور الإسلامي الأسبوعي، وثانيًا-أي توسيع لفترات الاقتحام، لا سيما إذا شمل فترة مسائية ثابتة، لأن ذلك يعكس تحولًا إضافيًا في إعادة توزيع الزمن الديني داخل المسجد، وثالثًا-أي تعليمات شرطية جديدة تسمح بإدخال أدوات دينية أو نصوص صلاة أو ممارسات جماعية بصورة أكثر علنية.
كما يستلزم الأمر مراقبة أي تطور في مشروع تعديل قانون الأماكن المقدسة، أو أي تشريع مماثل، خاصة إذا منح الحاخامية الرسمية، أو جهة إسرائيلية دينية صلاحية في تعريف "التدنيس"، أو تحديد طبيعة التعامل مع الأماكن المقدسة، وينبغي كذلك متابعة الأحداث في المنطقة الشرقية للمسجد، وبالأخص باب الرحمة، ودار الحديث؛ لأن الضغط على هذه المنطقة قد يدل على انتقال السياسة الإسرائيلية من إعادة توزيع الزمن إلى محاولة إعادة توزيع الحيز والمرافق الداخلية.
ومن المؤشرات الجديرة بالمتابعة أيضًا تكرار إغلاق المسجد، أو تقييد الوصول إليه تحت ذرائع "الطوارئ"، و"الأمن"، إذ أن تكرار هذا النمط ينقله من كونه إجراءً استثنائيًا إلى آلية إدارة شبه ثابتة، وكما ينبغي رصد مستوى تدخل الشرطة في عمل الحراس، وموظفي الأوقاف، وأي تراجع إضافي في صلاحيات الأوقاف على الأبواب، أو داخل الساحات. وهذه المؤشرات، في مجموعها، لا تعكس حجم التصعيد فحسب، بل تكشف اتجاه السياسة الإسرائيلية، والسؤال الذي يطرح نفسه هل ستواصل العمل بمنطق التدرج، أم ستنتقل إلى خطوات نوعية أوسع في إعادة تشكيل الوضع القائم؟
• الخلاصة والتوصيات
أولا-تكشف هذه الدراسة أن الأحداث الجارية في المسجد الأقصى لا يمكن اختزالها في تدابير أمنية متفرقة، أو اقتحامات دورية، بل تندرج ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل الوضع الراهن من الداخل، فإسرائيل لا تتجه في هذه المرحلة نحو إعلان إلغاء مباشر للترتيبات التاريخية في المسجد، لكنها تعمل على إفراغها تدريجيًا من محتواها العملي؛ عبر السيطرة على قرار الفتح والإغلاق، وتنظيم الوصول، وتقييد الحضور الإسلامي، وتوسيع الطقوس اليهودية، وتقليل الدور التنفيذي للأوقاف، وإسناد هذه التحولات بمسارات سياسية، وتشريعية، ومؤسسية.
ثانيًا-توضح الدراسة أن حالة الحرب والطوارئ وفرت لإسرائيل فرصة إضافية لتسريع هذا المسار؛ إذ تحول "الأمن" من مبرر ظرفي إلى أداة لإنتاج سيادة فعلية على المسجد، فالجهة التي تستطيع إغلاق الأقصى، وإخلاءه من المصلين، وتحديد من يدخل ومن يمنع، تمتلك عمليًا مركز القرار اليومي في المكان، ومن هنا، لا يكمن الخطر في الإجراء الأمني بحد ذاته فقط، بل في قابليته للتحول إلى سابقة يتم استدعاؤها لاحقًا في كل أزمة، أو مناسبة سياسية، أو أمنية.
ثالثا-بينت الدراسة أن صعود جماعات الهيكل، واليمين الديني والقومي لم يعد عاملًا هامشيًا في ملف الأقصى، بل أصبح متداخلًا مع بنية الحكم، والشرطة، والتشريع. فالمطالب التي كانت تطرح سابقاً من خارج المؤسسة الرسمية أخذت تجد طريقها إلى داخل الحكومة، والكنيست، وأجهزة إنفاذ القانون، سواء عبر تمديد ساعات الاقتحام، أو السماح بمظاهر تعبدية يهودية، أو محاولة فرض اقتحامات في أوقات غير مسبوقة، أو الدفع نحو أطر قانونية تعيد تعريف "المقدس" و"التدنيس".
رابعا-يتضح – في هذه الدراسة -أن الوصاية الأردنية والأوقاف الإسلامية تواجهان تراجعًا عمليًا في القدرة التنفيذية، رغم استمرار حضورهما الرمزي والدبلوماسي، فالوصاية لا تلغى رسميًا، لكنها تضعف عندما تنتقل وظائفها العملية إلى الشرطة الإسرائيلية، خصوصًا في ملفات الأبواب، والإبعادات، والتفتيش، وتنظيم الدخول، والتعامل مع الحراس والمرافق، وقرار الفتح والإغلاق.
خامسا-توصي الدراسة بالتعامل مع المسجد الأقصى بوصفه ملفاً سياسياً واستراتيجياً دائماً، لا ملفاً دينياً أو موسمياً يتم استحضاره فقط عند التصعيد. كما توصي بتطوير خطاب فلسطيني وعربي واضح حول مفهوم "إفراغ الوضع الراهن من مضمونه"، لأن التركيز على الانتهاك المنفرد لا يكفي لفهم الاتجاه العام، ما لم يقرأ ضمن سلسلة أوسع تربط بين الأمن، والطقوس، والتشريع، والوصاية، والسيادة.
سادسا-توصي الدراسة كذلك بتفعيل الدور الأردني على مستوى الصلاحيات التنفيذية، وليس فقط على مستوى الاحتجاجات الدبلوماسية، وبناء آلية رصد دورية، وفلسطينية، وعربية، لمؤشرات تغيير الوضع الراهن، تشمل الاقتحامات، والطقوس، والإبعادات، والقرارات الشرطية، والتشريعات، ووضع الأوقاف، والتغيرات في المرافق الداخلية للمسجد.
سابعا-ترى الدراسة أن السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب هو استمرار التآكل التدريجي للوضع الراهن، مع احتمال حصول قفزات تصعيدية في لحظات محددة، مثل: مسيرة الأعلام، أو الأعياد اليهودية، أو الأزمات الأمنية، أو التطورات التشريعية؛ ولذلك، فإن مواجهة هذا المسار لا تتطلب فقط التصدي لاقتحام بعينه، بل بناء فهم سياسي، واستراتيجي لطبيعة التغيير الجاري، باعتباره محاولة لإعادة تعريف المسجد الأقصى إداريًا، وزمنيًا، ودينيًا، وسياديًا.

