• 13 آب 2026
  • مقابلة خاصة

 

 القدس - أخبار البلد- كتب خليل احمد العسلي:  

 غادر هذه الدنيا الفانية قبل أسابيع الصديق الصحفي والكاتب الفذ "سلطان حطاب" تاركا غصة في القلب، وشوق الى احاديثه الشيقة، فلقد عرفناه في القدس وفي عمان ، عرفناه صاحب قلم حر صادق عاشق للقدس كما هو عاشق  الى عمان  رحمة الله عليك ايها الصديق .

 وهناك تذكرت مقالته الاولى التي نشرها في مجلة " أخبار البلد" المقدسية في عددها الأول  في أيار مايو عام 1994( عندما كانت ورقية) واذكر ان الاستاذ الصحفي المرحوم " ناصر الدين النشاشيبي " مؤسس ورئيس تحرير المجلة ، قد عرف الصحفي سلطان حطاب بانه احد كبار رجال الصحافة الأردنية وكاتب  العامود اليومي في صحيفة " الراي" في عاصمة الأردن وكانت المقالة بعنوان :

" القدس تسكن  قلبه " 

 واحتراما لذكرى المرحوم " سلطان حطاب" ان نعيد نشر المقالة الطويلة كما نشرت كاملة في "أخبار البلد" : 

" ما ذكرت القدس الا اخذته الى الحزن والغضب فلقد ظلت عودتها عربية اسلامية هي كل أمله الذي ينتظره ويعمل من أجله.

بقيت تحمل أصعب ذكرياته فعلى أرضها الظاهرة كبى جده الراحل عبد الله بن الحسين وهو يعمل من أجل خلاصها وفي ثراها الطهور رقد جده الأكبر الحسين بن علي ليجسد من جسده وصية  للقدس  ان تبقى عربية مسلمة تهفو لها النفوس وتلهج باسمها الشفاه فهي الأرض التي بارك الله فيها وحولها .

 وإذا كان الاحتلال قد نزعها ليدمي قداستها بالحراب والاستباحة والقتل، فانه لم يقو على نزعها من قلب الحسين ولم يستطع ان يبعدها لحظة واحدة عن وجدانه، فلقد بقيت عنوان حديثه عن السلام..وبداية حديثه حين كان السلام يتعثر ويصادر فقال فيها " انها مفتاح السلام ".. منها يبدأ وفيها ينتهي" ظل وفيا لها لمقدساتها.. لرسالتها .

 اشهد الملأ على نفسه أن لا يتردد في تقديم حياته لحظة واحدة من أجلها.. فلقد شهد اعمارها اكثر من مرة قاد اعمارها وبناه أكثر من مرة منذ عام 1964 حين أشرف بنفسه وها هو اليوم حتى والقدس في قبضة الاحتلال يمسح جراحها وما اعتراها من عاديات الزمن فيقيم لها اعمارا رائعا في قبة الصخرة ليعيد لها وهجها وحضورها.. وحين يشغل الآخرون اموالهم وانفسهم يتخلفون عن الواجب والرسالة يتقدم الحسين الذي له في القدس اعز ما عنده..ثرى جده وعنوان رسالة  تحرير أمته واستقلالها وشرعيتها،، يتقدم فيدفع من جيبه ضريبة محبة القدس والولاء لها.. فيكون الاعمار الكبير رمزا ودلالة على ان القدس  التي حماها جنده عام 1948  بدمائهم واجسادهم واستشهادهم على أسوارها وتخليصها ما زالت تسكن  نفسه وقلبه رغم وقوعها في قبضة الاحتلال عام 1967 ورغم أن بني قومه اداروا الظهر لها  وانشغلوا عنها .

حين كنا في معيته على طائرته المتجهة الى بغداد في فاتح شهر كانون الثاني عام 1990، وقد جلسنا الى جواره في الطائرة قال : "  اسألوا ما تريدون ولا داعي للتحفظ" فسألت عن القدس موقعها في نفسه لانني اعرف ذلك.. فنظر مشدودا وقد اعتراه الحزن الدفين وقال " القدس .. القدس" قم علق نظرة على النافذة أمامه.. كانت عيناه قد بدأتا تفيضان بالحزن الذي عكسه ارتعاش الحاجب فشعر الجالسون انني اهجت الذكرى واشعلت الشجون.. نظر في وجوه الجالسين جميعا وكانوا مجموعة من ضباطه وصحفيين ثلاثة اردان ان يتحدث اليهم في زمن المسافة ما بين عمان وبغداد. 

قالها مرة ثالثة " القدس .. تنهد.. ماذا سيكتب التاريخ.. انها اغلى ما لدى الأمة.. لقد ضاعت في عهدي سكت قليلا، ثم واصل الكلام .. نظر الى وقال كل امنيتي في الحياة أن تعود كما كانت وإن ارى ذلك ولو في اخر يوم في حياتي.. انها لا تفارق فكري أو خاطري.. انني اخاف التاريخ كثيرا.. سأبذل كل ما تبقى من عمر ليرفرف عليها العلم العربي .. ويومها ساكون قد اكملت رسالتي " 

 بقيت القدس دائما عنوان جله ورحيله والبند الأول في حديثه مع زعماء العالم وفي عواصمهم .. حملها الى دول عدم الانحياز، وحملها إلى مؤتمرات القمة الإسلامية في لقاءاتهم ليذكرهم وبلادهم فيها ومن أجلها ليبقى صوتها الذي لا يخبو وتوقها للحرية والانعتاق .. كما حملها إلى مؤتمرات القمة العربية ليذكر أن لا قيمة لما تتمتع به الأمة من موقع وثروات ان بقيت القدس رهينة للاحتلال وأسيرة للعدوان .

حملها الى كل بقعة من ارض والى كل لحظة من زمان.. وبقي يعلن حبها في السراء والضراء وحين البأس وهو يعلم أن ثمن حبها مكلف وإن الذين تنصلوا منه كثيرون ولكنه دائما كان يريد أن يرسو حبها في نفسه وان يبقى الناهض بشرف الدعوة الى تحريرها والعامل من اجل ذلك .

 كان الحسين دائما صوت القدس  في كل لقاء مع شقيق أو صديق او باحث عن حقيقة وكان يجعل لها كل جهده ويحفظ عهودها ومواثيقها.. ويتوارث عهدتها العمرية.. ففي الخزانة الخاصة يحفظ فيها اغلى ما لديه وهي العهدة العمرية كان يقرأ على الجالسين النص الأصلي من الوثيقة الأصلية التي أبرمها الفاروق عمر مع أهل القدس بحضور صحابته وشهاداتهم وهي الوثيقة التي ائتمنه عليها أهل القدس  فأهدوها له حافظا مثلما ائتمنوا على القدس الفاروق عمر حين سلموا مفاتيحها له .

كان المساء الصيفي الجميل في حضرة مجموعة  من ائمة المسلمين وعلمائهم ومفكريهم المجتهدين حين كان الحسين يخرج نص العهدة العمرية في أصله ويقرأ على الجالسين الذين حولهم جلال الموقف الى آذان صاغية كان الصندوق الذين بين يديه قد ضم وثيقة العهدة العمرية .. ومن وراء الزجاج هو الغطاء قرأ الحسين : 

 بسم الله الرحمن الرحيم 

 هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل ايلياء من الأمان .. أعطاهم امانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، انه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا تنتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم ، ولا من شئ من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود وعلى اهل ايلياء ان يعطوا الجزية كما يعطي اهل المدائن، وعليهم ان يخرجوا منها الروم واللصوت فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو امن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ومن أحب من أهل ايلياء ان يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم، حتى يبلغوا مأمنهم ومن كان به من أهل الأرض قبل  مقتل فلان ، فمن شاء منهم قعدوا عليه مثل ما على اهل ايلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شئ حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية .

 شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص ، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن ابي سفيان، وكتب وحضر سنة خمس عشرة هجرية " 

 وإذا يواصل الحسين رسالته ويقوم بعبء جملها لتبقى القدس عربية إسلامية فإن الأعمار الذي بدا به والذي احتفل بالانتهاء من مرحلته الاساسية وهي مرحلة اعادة ترميم قبةر الصخرة في 1994/4/18 يشكل دليلا راسخا على مكانة القدس في نفس الحسين.

 كان حرص الحسين ان تبقى القدس في رسالتها الروحية لكل الاديان بعيدة عن الصراعات والدماء وعن ان تمتلكها جهة واحدة مؤكدا انه لا حكم عليها الا لله وداعيا كل من يرى للقدس  مكانتها الروحية الى الحوار والتفاهم ومن الجانب الاسلامي رعاة او ممثلي المذاهب السبع ليشكلوا من رؤيتهم قاسما مشتركا يحدد الصيغة التي ينظرون من خلالها إلى إسلامية القدس في  حين تبقى القواسم الاخرى مع ابناء ابراهيم قائمة وفي هذا السياق نذكر ما قال به الحسين في وقت مبكر من عام 1975 بمناسبة منحه شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة فلوريدا : 

" ان لم سخريات القدر أن تكون القدس وهي المركز الروحي للديانات الثلاث الكبرى مركزا للاضطرابات والنزاع  الذي احتوانا جميعا. فنبتهل الى الله ليجعل من القدس مصدر الحكمة والإلهام والشجاعة للعمل على اعادتها مرة اخرى الى المدينة التي يمكن للناس ان يعيشوا فيها بحسن نية وسلام " 

 والحسين في حبه لها وتأكيده لان تبقى مدينة السلام قال "أما القدس  العربية اقدس اقداسنا فلا بد أن تكون مشمولة بمبدأ الأرض مقابل السلام لانا احتلت بالحرب كأي بقعة أخرى في الضفة الغربية وقطاع غزة  والجولان ولان لا سلام ما لم تعد لتصبح القدس من بعد رمز السلام بين جميع المؤمنين بالله الواحد الاحد " 

وفي حديثه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1985/9/27  بين الحسين اان القدس ليس عقبة في وجه السلام قائلا:" ان القدس هي مفتاح السلام وهي البوابة التي لا بد وأن ينفذ منها شعاع السلام، ليعم بدفئه سائر سكان المنطقة، القدس هي موطن الموحدين بالله، لا يمكن إلا أن توحد عباده حول اسمى هدف ينشده الإنسان ألا وهو السلام " 

 وهو يرى أن صلته بالقدس وعلاقته بها اكبر من ان يقطعها قرار سياسي بفك العلاقة القانونية والادارية مع الضفة الغربية وفي هذا يقول :" ان مسؤولينا نحو بيت المقدس والمسجد الأقصى والقضية الفلسطينية مسؤولية عميقة الجذور مستمرة لا يقطعها قرار سياسي بفك العلاقة القانونية والإدارية مع الضفة الغربية.. وتنبثق هذه المسؤولية من صلب رسالة عربية اسلامية حملها الهاشميون على مدى تاريخهم الطويل.. وعلينا أن نواصل حملها وفاء للامانة و تأدية للواجب المقدس " مجلس الامة الاردني بتاريخ 1989/11/27 

 وهو يرى ان اهتمامه والحكومة بالمقدسات في القدس  ينطلق من إيمان الاردن برسالته فيقول" فبدات في ترميم قبة الصخرة المشرفة بدعم رايت انني أولى الناس به، واكرمني الله بان أعانني على النهوض به كذلك قامت الحكومة بتعزيز حراسة المسجد الأقصى وسارت شوطا في توثيق التراث الإسلامي وحفظه من الضياع" امام مجلس الامة الحادي عشر في 1992/12/1

 إذن هكذا يرى الحسين القدس التي تسكن قلبه ويدعو أن تكون خالصة في رسالتها لوجه الله 

 رحمة الله عليك جلالة المعفور له الملك الحسين بن طلال 

 ورحمة الله عليك يا صديقي سلطان  الحطاب 

 و