• 16 آب 2026
  • مقابلة خاصة

 

عمان - أخبار البلد - حل  الاستاذ الدكتور زيدان عبد الكافي الكفافي  أستاذ شرف في جامعة اليرموك إربد على“ المنتدى العالمي للغة العربية“ ومقره في العاصمة الاسبانية ”مدريد“ حيث القى محاضرة بعنوان"تزييف التاريخ من خلال الآثار: فلسطين أنموذجاً“،وحظيت باهتمام كبير من قبل الحضور من حول العالم .

 ويسعدنا في ” أخبار البلد“ المقدسية ان نقوم بنشر المحاضرة كاملة لما لها من اهمية خاصة في هذا الوقت بالذات الذي تواجه فيه اللغة العربية العديد من التحديات :

مقدمة:

يؤكد لي الحديث حول موضوع "تزييف التاريخ من خلال الاثار: فلسطين أنموذجاً" الذي يعني في مضمونه أن الآثار في خدمة السياسة، أن هوية الآثار العربية هي في خطر، وأن ما نقوم به الآن هو رد فعلٌ لما يجري على أرض العالم العربي عامة، وفلسطين(غزة) خاصة. وكأننا كنّا نيامٌ وتم إيقاظنا من سبات نوم عميق.  وقبل أن أبدأ كلامي أود القول بأن هذا الخطر لم يكن وليد حرب طوفان الأقصى، وإنما يتم عن تخطيط وإصرار من قبل الصهيونية العالمية.  إذ أنه تشكل مع تشكّل الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر، وبدء بمحاولات إثبات صحة ما جاء في التوراة من خلال التنقيب في مواقع أثرية في مواقع مذكورة في النصوص التوراتية، ولتحقيق ذلك تم إنشاء المدارس والمعاهد الأجنبية كان أولها "جمعية صندوق اكتشاف فلسطين" في سنة 1865ميلادية.  

لكني استردف بالقول، أن هؤلاء التوراتيين لم يروا إلاّ بعين واحدة، فقد أغفلوا أن تراث أصحاب الديانة اليهودية الأوائل هو جزء من تراثنا العربي وتاريخنا الحضاري، ولا صلة لأهل الخزر به. كما أن المسيح عليه السلام هو ابن هذه الأرض، تبعه أهلها في ديانته وتعاليمه، فكيف يأتي هؤلاء الغرباء من غير أبناء هذه الأرض، من أقصى بقاع العالم للمحافظة على أهلنا وكنائسنا في المشرق؟! فنحن أولى بحمايته والدفاع عنه، حتى لو كنّا مسلمين.  وما جاء الدين الإسلامي إلاّ مكملٌ لهاتين الديانتين، ولم يكن ندٌ لهما بقدر ما كان حاضن لهما فبنيت الكنائس مع بداية الإسلام، وما كنائس مادبا وأم الرصاص في الأردن إلا دليلٌ على قولي هذا.  

التدمير لا يكن فقط بالحرب وآلاته من الطائرات والدبابات فقط، بل يكون بإضعاف الذاكرة اللغوية وتفسير التراث الثقافي وإعطاءه هوية غير هويته الأصلية. إذ يعدُّ التراث الثقافي العربي مكون أساسي من مكونات الحضارة المشرقية، والتي هي جزء من التراث الحضاري العالمي، لذا أصبح لزامٌ علينا أن نقدم للعالم سرديتنا التاريخية والدينية هذه، لأن أكثر أهل العالم الغربي لا يعلمون ولا يعرفون المعلومات الصحيحة حول تراثنا الثقافي.  وحتى بعض الآثاريين الغربيين، خاصة التوراتيين منهم، فقد لووا ذراع الحقيقة وفسروا مكتشفاتهم الأثرية حسب أهوائهم ومقاصدهم.  ولتحوير وخلع التراث الثقافي العربي بمجمله من جذوره اتبع علماء الغرب من مستشرقين وآثاريين توراتيين مناهج اختلفت في بنيتها ونظريتها ومنهجها من فترة زمنية لأخرى حسب ما يخدم غرضهم. 

مناهج البحث التوراتي:

بدء اللاهوتيون التوراتيون الغربيون اهتمامهم بالأرض المقدسة بإرسال عدد من الرحالة المستكشفين للبلاد والعباد. وتبين لهم بعد مدة أن هذا عمل غير منظم ولا يكفي لجمع المعلومات المطلوبة حول ما ذكرته التوراة، فقرروا تأسيس المعاهد والمراكز العلمية لتنظيم العمل والقيام بإجراء مسوحات وحفريات أثرية في المناطق والمواقع التي ذكرتها نصوصها. ولتحقيق هذه الغاية اتبعوا مناهج تطورت مع تطور الوسائل البحثية العلمية، وعبر الفترات المختلفة. ونقدم أدناه دراسة مختصرة وسريعة لهذه المناهج متبعين فيها تتابع الفترات من الأقدم للأحدث، وهي كما يلي:

  1. المنهج الانجليزي / الأمريكي الذي بدأه الباحثون الغربيون وخاصة الانجليز، ومن ثم تزعمه الأمريكي وليم فوكسويل أولبرايت (William Foxwell Albright) والذي بدأ من نهاية القرن التاسع عشر وحتى عام 1994م. ويقوم هذا المنهج على حمل التوراة بيد والمعول باليد الأخرى والتنقيب في مواقع ذكرتها النصوص التوراتية، فكانت تنقيبات تل السلطان في أريحا، على سبيل المثال لا الحصر.
  2. قام اسرائيل فنكلشتاين (Israel Finkelstein) بعد سقوط الضفة الغربية في عام 1967م، بإجراء مسوحات أثرية في الجزء المحتل من فلسطين (خاصة منطقة رام الله) محاولاً العثور على مواقع المستعمرات اليهودية، لعلمه أم منهج أولبرايت فشل ولم يحقق الهدف المنشود منه. إذ تسرد الأسفار التوراتية أن طبيعة الاستقرار بجنوبي بلاد الشام ومع دخول القبائل الاسرائيلية إليها قد تحولت في كثير من الأحوال خلال بداية القرن الثاني عشر قبل الميلاد من المدينة إلى القرية والمخيم.  وأن مواقع المخيمات تتفق والحالة البدوية التي كانت عليها القبائل الاسرائيلية. واعتمد فنكلشتاين منهجه هذه في دراسته للدكتوراة المعنونة ب:

Finkelstein, Israel 1988; The Archaeology of the Israelite Settlement. Jerusalem: Israel Exploration Society.

ومن نافل القول أن فنكلشتاين أدرج أجزاء من الأردن في دراسته هذه، واعتبرها جزءاً من مملكة اسرائيل الأولى، بسبب أن النصوص التوراتية أنه وبعد أن احتل الإسرائيليون أرض فلسطين، وهم لم يحتلوها كاملاً هذا إن كان هناك احتلال، فقد قسموا البلاد ووزعوها بين القبائل الاثنتي عشر، وكان من نصيب قبيلتي جاد وروبين ونصف المنسي هو شرقي نهر الأردن (الخريطة أدناه). 

الأمر الأهم والذي لم يلتفت إليه التوراتيون راسموا هذه الخريطة، أن النصوص التوراتية نفسها تسجل بأن الجزء الجنوبي من السهل السحلي الفلسطيني كان تابعاً لشعب البلست ابتداء من النصف الأول من القرن الثاني عشر قبل الميلاد، كما وأن الفينيقيين وخلال العصور الحديدية حكموا على المنطقة السهل الساحلي الفلسطيني شمالي عكا. من هنا نرى أن ما ذكر حول وجود دولة إسرائيل لم يتعد المنطقة التي تشمل المرتفعات الفلسطينية، وربما الأغوار.

  1. شهد عام 1994م تحولات سياسية وعلمية على الساحة العربية- الاسرائيلية بخصوص الدراسات التوراتية.  فعلى سبيل الدراسات التوراتية فقد شكَّل مجموعة من التوراتيين الغربيين والاسرائيليين، بمن فيهم اسرائيل فنكلشتاين، مدرسة كوبنهاغن/الدنمارك عرفت باسم "المقلّين/ التفكيكيين/ المحرِّفين/ الراديكاليين (Minimalists/Revisionist)، ونادى هؤلاء بعدم اعتماد القصص التوراتية بمجملها مصدراً لدراسة التاريخ اليهودي القديم بسبب أنها كتبت في فترة زمنية بعيدة عن نزولها على النبي موسى.  فهبَّ التوراتيون التقليديون (Maximalists) في وجههم محتجين على هذا الطرح/المنهج، لكننا نرى أن كلا المدرستين لم تخرجا من تحت العباءة التوراتية.
  2. أخذ منهج أمريكي في الدراسات الأثرية مع بداية تسعينيات القرن الفائت يحلُّ محل المدرسة التوراتية الانجليزية، وتمثل هذا بإنشاء ما يسمى "إدارة المصادر الثقافية/التراثية Cultural Resources Management”. وانتقلنا بهذا من منهج دراسة الآثار من مواقع وعمائر وقطع وتقديم تاريخها للعالم إلى كيفية المحافظة عليها وإدارتها. فأصبح الناشئة لا تعرف ولا تقرأ تاريخها بقدر ما أصبح همها المحافظة عليه، وسيطر الفرع على الأصل. 

هذا هو حال مناهج دراسة آثارنا في الوقت الحاضر، وبرأيي المتواضع أنه إذا أردنا المحافظة على تراثنا يجب علينا أن ننشأ لأنفسنا مدرسة ومنهج دراسي وبحثي يأخذ بعين الاعتبار دراسة آثارنا وتقديم سرديتها للقريب والبعيد، وضرورة المحافظة عليها للأجيال القادمة.

التحديات التي تواجه التراث العربي:

يَعِدُّ أهل الفكر والعلم أن اللغة هي وعاء الفكر، وهي المكون الأساس للثقافة، ومن العناصر الثقافية التي تؤكد على الجمع العربي من المحيط إلى الخليج.  وإذا سلمنا بأن التراث الثقافي الملموس وغير الملموس، بما في ذلك الآثار، فإن المخلفات الأثرية إلى جانب اللغة تدمج الشعوب وتوحدها في تاريخ واحد في أذهان أبناء هذه الأمة، إذ أنها الرابط التاريخي بين العروبة والاسلام. كما أن الثقافة المجتمعية والجامعة هي التي تتحكم بطبيعة العلاقة بين الأفراد والجماعات والأمم، وتحدد مقدار ارتباطها بحضارتها وتاريخها. وللأسف فإن كثيراً من أبناء الضاد لا يستطيعون لفظها، وأن جيل هذه الأيام بعيد كل البعد عن لغته، فكيف يستطيع أبناء العروبة في المستقبل التفاهم والتواصل بواسطة لغتهم الأم؟ يفرح الآباء والأمهات هذه الأيام عند سماعهم رطانة أطفالهم بلغة أجنبية غير لغتهم الأم، ولا يستطيعون التعبير عن أنفسهم وما يجول بفكرهم إلاّ من خلال لغة أجنبية، وقد يكون السبب في هذا في كثير من الحالات الاغتراب... وهذا يعني تغريب البكر.

من هنا نستطيع القول أن عولمة الثقافة هي تدمير وإلغاء للهويات الثقافية الماضية والحاضرة، وهذا ما يجابهه جيل الشباب العربي هذه الأيام. إذن لا بد لنا في العالم العربي من تطوير الوعي الذاتي بثقافتنا، ولغتنا، وحضارتنا العربية المشرقية، وتعريف دورها في بناء الحضارت العالمية الأخرى.

تواجه التراث الأثري العربي مجموعة من التحديات الخارجية والداخلية، إذ بعد حصول الدول العربية على استقلالها برزت أمامها مشاكل شتى منها تأمين سيادتها على مواردها التراثية والطبيعية، كما تشغل كثير من بلدان العالم العربي مسألة تأكيد الثقافة الذاتية.  علماً أننا نرى أن الحدود الحالية التي رسمها سايكس-بيكو لا تفصل في وجودها بين اللغة والثقافة العربية في هذه البلدان، على الرغم من الاختلاف في اللفظ. 

على أي حال، إضافة للغة العربية تُشكل المادة الأثرية إضافة للكتابات والوثائق والمحفوظات القديمة الإطار التاريخي والهوية الثقافية لأي أمة من الأمم. وأن جوهر تاريخ الأمة العربية هو تلك الأوابد الشامخة التي تستهدفها اسرائيل في كل غارة على غزة هذه الأيام.

وكما ذكرنا أعلاه، فإن التحديات التي تواجه تراثنا العربي بشكل عام، وفي فلسطين بشكل خاص، هي الاحتلال الاسرائيلي وقيام الآثاريون الاسرائيليون بالتنقيبات والحفريات الأثرية في فلسطين مخالفين بذلك كل المعاهدات والقوانين الدولية والتي وقعت عليها اسرائيل نفسها.  وهذا ما قاموا به في قطاع غزة اثناء احتلالهم له بين عامي 1967 و2007م.  كذلك يجب ألا نغفل عن التحديات الداخلية من إجراء الحفريات بحثاً عن الكنوز، وتدمير المواقع الأثرية دون معرفة بأهميتها التاريخية وحرصهم عليها.  وبرأينا فإنه وفي بعض الحالات تبدأ مواجهة التحديات الخارجية في الأساس من الداخل ويكون هذا بالارتفاع بالقاعدة العلمية الى مرحلة تطبيق التكنولوجيا في دراسة وتحليل وتوثيق آثارنا.

نتج عن الصراع العربي الاسرائيلي مجموعة من الحروب في أعوام 1948م، و1956م، و1967م ،و1973م، و1982م، وحروب اسرائيل على غزة خاصة في أعوام 2009، و2014، و2019، والحرب الدائرة هذه الأيام (7/10/ 2023م)، استيلاء اسرائيل على المواقع الأثرية الفلسطينية تامة، واجراء تنقيبات بها، وسرقة آثارها، وتدمير المواقع والأوابد والمتاحف الأثرية. وتكمن الإشكالية في تفسير الآثار المكتشفة، إذ قام الباحثون التوراتيون بتزييف الحقيقة لإثبات حق غير موجود لهم في فلسطين، ونقدم أدنه أمثلة على ذلك:

كان كتاب العهد القديم (ولا يزال عند بعضهم) عند اللاهوتيين حتى منتصف القرن التاسع عشر هو المصدر الوحيد الذي يتحدث حول وجود دولة شاؤول الإسرائيلية، ومن بعدها الدولة الموحدة (مملكة داود وسليمان)، وتاريخ دولتي اسرائيل ويهوذا.  وبعد أن تبين لعدد منهم أن هذا المصدر غير كاف، قرروا أنه لإثبات صحة الروايات التوراتية لا بد من الاعتماد على إجراء حفريات أثرية في مواقع ذكرتها النصوص التوراتية وتفسيرها حسب رؤيتهم وتوافقها حسب الوصف المذكور في التوراة.  وهكذا كان، فمنذ تلك الفترة وحتى الآن تم التنقيب في عدد من المواقع التي اعتقد أن لها صلة بالتوراة. 

وحيث إن دولة اسرائيل الأولى (هذا إن كانت موجودة في العصر الحديدي) قد قامت فوق الجزء الجنوبي الغربي لبلاد الشام، فإنها كانت على الدوام على تماس مع الأحداث التي كانت تجري في مصر وبلاد الرافدين، ولهذا السبب نجد أن الباحثين التوراتين بحثوا عن مصادر تاريخية مكتوبة في وادي النيل وبلاد الرافدين يأتي فيها ذكر اسم "إسرائيل"، أو اسم ملوكها، أو أسماء أشخاص ذكروا في التوراة. وبناء عليه نقدم أدناه مناقشة للآثار المكتشفة في هذه البلدان مجتمعة وتم تفسيرها بطريقة مزيفة لتخدم المصالح الصهيونية في احتلال الأرض الموعودة. وحتى نعطي الأمر حقه، نقدم أدناه أمثلة على محاولات الصهيونية في تزييف أو تزوير بعض القطع الأثرية، والنصوص القديمة خدمة لمصالحها السياسية وهي:

  1. نماذج من الآثار المزيفة:
  • الجرار ذات الياقة (Collared -rim Jars):

نسبت صناعة هذا النوع من الجرار الكبيرة، ذات الياقة أسفل الرقبة، لبني إسرائيل ,انها تعود لبداية العصر الحديدي (حوالي 1200 1000 قبل الميلاد). لكن أثبتت الدراسات الحديثة بطلان هذا الادعاء

  • البيت المعمد (Pillared Houses) :

يزعم اللاهوتيون التوراتيون أن طراز البيوت المعروف باسم "البيت المعمد Pillared House" هو في الأساس من بناء الإسرائيليين خلال الفترة بين حوالي 1250 -1150 قبل الميلاد. ويتكون هذا الطراز من المنازل بأنه مكون من أربع غرف، ومن طابقين، والطابق الثاني والأسقف مرفوعة على أعمدة. وعثر على أمثلة لهذه البيوت في عدد من المواقع في الأردن وفلسطين. وعثر داخل بعض الغرف، خاصة المستطيلة منها على جرار خزين لها رقبة، وهذه تنسب أيضاً خطأ للإسرائيليين.

وثبت بطلان هذه النظرية بعد أن تم العثور في موقع تل العميري في الأردن على جرار ذات رقبة تعود للعصر الحديدي الثاني، كما عثر أيضاً بنيت على نفس المخطط في بلاد الرافدين ومن نفس الفترة.

ومن الأمثلة أيضاً على البيت المعمد بناء عُثر عليه في أسفل السفح الجنوبي من تل دير علا مبنى بني من اللبن الطيني، لم يُكشف حتى الآن عنه بالكامل، وربَّما تكون أبعاده 10 أمتار X10 أمتار. ولاحظ المنقِّبون في هذه المنطقة وجود طبقات من الرماد بسبب حريق هائل، ويؤرَّخ هذا المبنى ذو الطراز المعروف باسم "البيت المعمَّد" لنهاية العصر البرونزي المتأخِّر وبداية العصر الحديدي. ولاحظ المنقِّبون وجود أربعة أعمدة خشبيَّة محروقة ورصفة حجريَّة.

  1. نماذج من المصادر التاريخية المزيفة أو المزورة:

حاول الآثاريون الصهاينة البحث عن تاريخ لهم في المصادر التاريخية سواء الخارجية أو المحلية. ونستطيع القول أن هذه الدراسة تتوزع على:

  1. المصادر المصرية القديمة.
  2. المصادر الرافدية.
  3. المصادر المحلية.

ونبدأ حديثنا حول المصادر المصرية القديمة، وهي:

 مسلة الملك مرنبتاح المصرية:

يحادد كل من مصر وفلسطين بعضهما بعضاً، ونتج عن هذا الأمر علاقات قوية بين البلدين، خاصة في النواحي التجاريــة. ومن المعلوم أن فلسطين، خلال العصر البرونزي المتأخر (حوالي 1550-1200 ق.م.) شكلت جزءاً من أملاك الإمبراطورية الفرعونية في منطقة غربي آسيا. وعلى الرغم من هذا، فإن المصادر المصرية، المؤرخة للعصر الحديدي، لم تتحدث لا من قريب أو بعيد عن مملكة إسرائيل الأولى ولا عن مملكتي إسرائيل ويهوذا، بالاسم. علماً أنها ذكرت أسماء بعض المدن الواقعة فيهما. وعلى أية حال، فإن أقدم ذكر لهذه المنطقة، خلال هذه الفترة، جاء من زمن الفرعون المصري شيشنق (حوالي 945 – 924 ق.م.)، ذي الأصول الليبية، حين يعدد أسماء مجموعة المدن الآسيوية التي تغلب عليها في حملة قام بها على منطقة جنوبي بلاد الشام (Simons 1937; Hermann 1964). 

وإذا ما عدنــا للفتــرة التي سبقت العصر الحديــدي مباشــرة، العصر البرونزي المتــأخر (حوالي 1550 – 1200 ق.م.)، فقـــد نشر البـــــاحث الألمــــاني فيلهلم شبيغلبيرغ (Wilhelm Spiegelberg) في عام 1896 نقشاً يخلد انتصارات الفرعون المصري مرنبتاح (1213 – 1204 ق.م.) على الليبيين (Spiegelberg 1896). وتضم الأسطر الأخيرة في النقش معلومات حول حملات هذا الفرعون على منطقة جنوب غربي آسيا.  ومن ضمن المعلومات الواردة في هذا النقش ذكر لإسرائيل شعباً وليس أرضاً (Wilson 1969:378). وربط بعض من العلماء بين هذا النص وحادثة الخروج من مصر، وحيث إن المعلومة الواردة تقول إن الحملة على ليبيا حدثت في السنة الخامسة من حكم مرنبتاح، فإنهم يرون أن الخروج تم في عام 1225 ق.م.  ويرى آخرون أن المعلومات الواردة في هذه المسلة لا تخرج عن كونها تقدم معلومات عن مجموعة بشرية كانت في المنطقة خلال نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد، لا أكثر ولا أقل. وكما يشككون بمصداقية حدوث حملة عسكرية قام بها مرنبتاح في هذا الوقت على آسيا، لأنّ الأسطر التي تتحدث حول الموضوع جاءت على شكل حاشية للنص وليست ضمنه (Lemche 1998:36). أي أنها ربما أضيفت في وقت لاحق.

المصادر الرافدية:

من الملاحظ أن المصادر والوثائق التاريخية التي عثر عليها في بلاد الرافدين، سواء الآشورية أو البابلية لم تأت، في الغالب، على ذكر دولة إسرائيل بكتابة "مملكة إسرائيل"، وعندما تذكر يهوذا فإنها تأتي على شكل "مملكة يهوذا" وليس "بيت داوود".  ونعتت الكتابات الآشورية إسرائيل باسم "بيت عمري" أو السامرة. وهناك نص واحد من زمن الملك الآشوري شلمنصر الثالث (حوالي 858-823 ق. م.) يصف فيه انتصاره على تحالف ملوك سوريا وفلسطين ضده، ويذكر من بينهم الملك آحاب ملك إسرائيل، الذي تبرع بألفي عربة قتال وعشرة آلاف مقاتل راجل (ANET :278-279). كما تذكر "المسلة السوداء Black Obelisk " المؤرخة لسنة 830 ق.م. اسم الملك " يهوه بن عمري" من بين دافعي الجزيــة للملك شلمنصر الثالث (ANET: 280-281).  أي أن قبل القرن التاسع قبل الميلاد لم يكن هناك أي ذكر للاسم إسرائيل في المصادر الرافدية المكتوبة.

ويظهر من هذا الأمر، انهيار تحالف الممالك الشامية في وجه القوة الآشورية بعد موت الملك آحاب.

بعد هذا، نجد أن الملك الآشوري أدد-نيراري الثالث (810-783 ق.م.) يذكر في حولياته اسم "بيت عمري" وليس إسرائيل بصفته جزءاً من مملكتـــــه التي ضمت ممالك صـــور وصيــــدا وإدوم وفلسطين (Miller and Hayes 1986:299). كما توالى ذكر السامرة وبيت عمري في سجلات تيجلات بلاصر الثالث (744-727 ق.م.). وبعد أن حكم سرجون الثاني (721-705 ق.م.) تم إطلاق اسم السامرة على المملكة الشمالية، كما نجد أنه يفرق بين مملكة السامرة وبيت عمري (ANET 284-285).  من هنا نتبين أن الآشوريين لم يسموا على الإطلاق المملكة الشمالية باسم "اسرائيل" وإنما أرض "بيت عمري" وعاصمتها "السامرة   . (Lemche 1998:53) ولا بد لنا من التنويه هنا إلى أن هذا يختلف عما ورد في مسلة الملك المؤآبي ميشع، الذي أسمى مملكة آحاب بن عمري باسم "اسرائيل"، كما سنرى أدناه.

وأما ما يتعلق بمملكة يهوذا في السجلات الرسمية الآشورية، فورد اسمها "يهوذا" وأسماء ملوكها بين أسماء الممالك والملوك الآخرين في سوريا وكليكيا وفينيقيا وفلسطين والأردن، ونضرب مثالاً على هذا من زمن الملك الآشوري سنحاريب الذي حاصر القدس عام 701 ق.م.   ووصف محاصرته للملك حزقيا في عاصمته أور-ساليمو "Ur-salimmu" "كعصفور في قفصه" (ANET 282). وتوالى ذكر مملكة يهوذا في المصادر الآشورية على أنها دافعة للجزية وعومل ملوكها معاملة ملوك الدول الأخرى المجاورة. وخلال حكم الدولة البابلية الحديثة "الكلدية"، نجد أن الملك نبوخذنصر يذكر في سجلاته أنه حاصر مدينة "يهوذا" وتغلب عليها، ونهبها ونصب عليها ملكاً موالياً له (ANET 564). 

ومن هنا نستطيع القول بأن الآشوريين لم يولوا مملكة يهوذا أي اهتمام قبل حكم الملك تيجلات بيلاصر الثالث، ربما لضعفها وعدم قدرتها على مجاراة الأحداث في المنطقة، على عكس السامرة. ومن الممكن الاستنتاج بأن الوثائق والكتابات الآشورية والبابلية الحديثة لا تساعد كثيراً في دراسة أحوال دولتي إسرائيل ويهوذا. حيث إن هذه الوثائق، وللأسف، لم تشر على الإطلاق إلى التركيبة السكانية والأعراق التي شكلت هاتين الدولتين.

النقوش والكتابات المحلية:

تم خلال العقود المنصرمة الكشف عن عدد من النقوش المكتشفة التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بتاريخ إسرائيل والإسرائيليين القدماء. ونحن هنا لن نبحث في كل كسرة أو نص مكتوب بالعبرية، لكننا سنقدم معلومات مختصرة عن أهمها مثل: نقش تل القاضي (دان) ومسلة ميشع المؤآبي التي عثر عليها في ذيبان في الأردن ونقش سلوان/منطقة القدس.  

يقع تل القاضي في أسفل المنحدر الجنوبي لجبل الشيخ في منطقة تربط جبال الجولان/سوريا ومزارع شبعا / لبنان وشمالي سهل الحولة في فلسطين. وبدأت بعثة أثرية إسرائيلية أعمال التنقيب فيه ابتداء من عام 1966م، بإشراف أفراهام بيران (Biran 1994). ومن أهم ما كشف عنه في هذا الموقع ثلاث كسر، تمثل أجزاء من مسلة مصنوعة من الحجر البازلتي وجدت مكسّرة، وتم إعادة استخدام الكسرة الكبيرة منها في بناء الوجه الخارجي لأحد جدران المدينة بالقرب من البوابة الجنوبية، المؤرخ لمنتصف القرن التاسع قبل الميلاد.  ويبلغ ارتفاع كسرة الحجر هذه 32 سنتيمتراً وأقصى عرض له 22 سنتيمتراً. وعثر على الكسرة الكبيرة في موسم عام 1993 وعلى كسرتين صغيرتين عام 1994 (Biran and Naveh 1993; 1995).  ولا يزال الجدل قائماً بين الباحثين حول إذا ما كانت هذه الكسر الثلاث من مسلة حجرية واحدة.  ويعتقد بعض الباحثين أن هذه الكسر الثلاث هي في الأصل نقشين (Lemche 1998:39). والنص المنقوش على المسلة بالخط الآرامي، ويعتقد أن المسلة تنسب لأحد ملوك مملكة دمشق الآرامية الذي حارب تحالف إسرائيل وبيت داود (يهوذا) خلال القرن التاسع قبل الميلاد وانتصر عليهما.

ويذكر المختصون بالنقوش أن شكل الخط واللغة تخص الآرامية المبكرة، أي القرن التاسع قبل الميلاد. ومن الجدير بالذكر، أن هذا الجزء المكتشف من النقش يحوي على 13 سطراً منقوشة بآلة معدنية حادة الرأس ويفصل بين كل كلمة وأخرى نقطة. وتأتي أهمية هذه المسلة من أنها تذكر اسم بيت داوود ومملكة إسرائيل. وعلى الرغم من محاولة الإسرائيليين "بيران" و"نافه" إعادة النقش لمنتصف القرن التاسع قبل الميلاد، إلاّ أن هناك من الباحثين من يشكك في تاريخ النقش، بل نجد أن بعضهم يظن أنه مزور (Lemche 1998: 41. 181).

ويعدّ نقش ميشع الذي عثر عليه في بلدة ذيبان في وسط الأردن، من الوثائق التاريخية المؤرخة لمنتصف القرن التاسع التي أتت على ذكر إسرائيل. إذ إن هذه المسلة التي كتب عليها النقش تخلد انتصارات الملك ميشع المؤآبي على آحاب بن عمري ملك إسرائيل. ويذكر النقش أيضاً بأن الملك ميشع استطاع أن يطرد المحتل الإسرائيلي من أرضه بعد احتلال دام أربعين عاماً، كما أنه يذكر عدداً من أسماء الأعلام والأماكن والآلهة الوارد ذكرها في التوراة (طوقان 1971).

خضعت يهوذا لمملكة آشور فيما بعد ذلك ودفعت لها الجزية. ولم يدم الأمر طويلًا، فقد امتنع ملك يهوذا "حزقيا"، وبتشجيع من مصر، في مرحلة لاحقة عن دفع الجزية تحديًا لآشور، فجرَّد الآشوريون عددًا من الحملات العسكرية، أيام الملوك سرجون الثاني وسنحاريب، بلغت ذروتها في محاصرة القدس عام 701 قبل الميلاد. واضطر حزقيا إثرها إلى معاودة دفع الجزية وإرسال الهدايا لنينوى عاصمة آشور في ذلك الوقت. وعُثر في فلسطين على نصوص عائدة لهذه الفترة، ومن أهمها نقش سلوان. الذي يصف حفر النفق الواصل بين عين أم الدرج وبركة سلوان. إذ إن الكاتب يذكر كيف أن مجموعتين من العمال الذين يحفرون بداخل النفق سمعوا ضرب معاول بعضهم وهم يقتربون من إكمال فتح النفق أو القناة (Donner and Röllig 1962-64). وينسب معظم الباحثين هذا النقش لزمن الملك حزقيال عندما هاجمه الملك الآشوري سنحاريب في حوالي 701 قبل الميلاد (Rogerson and Davies 1996).  ويعتقد الباحث نيلس لمكه (Lemche 1998:47) أن تأريخ النقش لا يمكن البت به، لأنه لا توجد إثباتات علمية تدل على أنه كتب في زمن الملك حزقيال، وأن النقش يجب أن يعامل كمصدر ثانوي وليس أساسياّ عند دراسة دولة إسرائيل إنه نقش احتفالي، ولم يتضمن أي معلومات تفيد أو تساعد على معرفة تاريخه..

ويعدُّ المتخصصون في دراسة النقوش القديمة أن هذا النقش احتفالياً لأنه يمثل احتفال التقاء مجموعتين من العمال العاملين بحفر النفق بعد سماع كل منهما صوت آلة حفر الآخر. وهذا النقش موجود الآن باستانبول بتركيا.

وبالإضافة لهذين النقشين عثر على عدد من الكسر الفخارية المكتوبة (Ostraca)وبعض الأختام وطبعات الأختام وكتابات أخرى تؤرخ بشكل خاص للعصر الحديدي الثاني، ومن أهمها تلك التي وجدت في مدينة سبسطية (السامرة) وتعود للقرن الثامن قبل الميلاد (Reisner et al 1908-1910) وفي الأغلب فإن ما كتب على هذه الكسر من معلومات يكون قصيراً ولا يلقي الضوء إلاّ على أسماء بعض الملوك أو الآلهة ولا تخرج عن نطاق الدوائر الرسمية. ولا يخرج عن هذا النطاق سوى نقش سلوان الذي يصف حفر النفق الواصل بين عين أم الدرج وبركة سلوان. 

وخاتمة القول حول العبرانيين/ الإسرائيليين في المصادر المكتوبة القديمة، فإننا نجد أن هذه المصادر لا تقدم معلومات مفصلة حولهم ولا تقدمهم كعرق منفصل. كذلك فإن تاريخ إسرائيل الموحدة لا يتعدى السبعين عاماً بكثير، وحتى مملكتي اسرائيل يهوذا لم تعمرا طويلاً.  على أية حال، فإننا نرى أن الإسرائيليين الأوائل هم في الأصل من تحت عباءة السكان المحليين لمنطقة بلاد الشام، واقتصر دورهم على تأسيس دولة لهم في فلسطين كغيرها من دول المنطقة.  

خاتمة القول، يبحث الإسرائيليون الصهاينة عن اثباتات ثقافية وحضارية لهم، فلم يجدوها حتى الآن، وأجزم انهم لن يجدوها، بسبب أن تراث أتباع موسى الأوائل شكل جزء من تراث سكان فلسطين أصحاب المعتقدات والديانات الأخرى، لكنهم يلوون دائماً ذراع الحقيقة لخدمة مصالحهم، خاصة السياسية منها.