- 26 آب 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : زيدان عبدالكافي الكفافي *
ينازعني أمر وأنا أطل بعيني على نص "ملحمة جلجامش"، هو، أنها تركز على أمرين هما: الخلود والطوفان علماً أن في الأمرين نجاة. أراد جلجامش الخلود أي النجاة من الموت، وأراد "أوتنابشتم" النجاة من الغرق، وفي كلا الفعلين كان لا بد من اللجوء إلى الإله/ الآلهة. إذن أكدت الملحمة على أن الانسان مهما كان قوياً يبقى ضعيفاً أمام فعل الغيب، فأصبح من الضروري اللجوء إلى قوة تساعده في تحقيق حلمه، فوجده عند الإله فعبده وقدم له من الأضحيات والأعمال ما يرضيه.
تقول ملحمة جلجامش أنه قد وجد صديقاً له اسمه "إنكيدو"، ولما توفي الأخير أصاب الأول حزناً شديداً وكبيراً، فأخذه الأمر للتفكير في حقيقة الموت مصير الإنسان الأبدي. وبطبيعة الحال خاف أن يؤول به المآل كما آل بصاحبه، فقرر أن يبحث عن الشخص الذي نجا من الطوفان واسمه "أوتنابشتم" والذي كان يعيش في مكان بعيد عند مصب الأنهار، إذ كان ملكاً على مدينة "شوروباك"، ليستفيد من تجربته. ويظهر أن "أوتنابشتم" هذا كان محبوباً عند الإله "إنكي “Enki وهو سيد الأرض عند السومريين ويقابله الإله "إيا Ea" عند الأكاديين، ومركز عبادته في مدينة إريدو بجنوب العراق.
تقول الملحمة: "قررت الآلهة أن ترسل طوفاناً كبيراً يدمر البشرية، وكان قراراها سرياً لا يعرفه أحدٌ غيرها، لأنها أرادت ألا يعرف البشر بما سيحدث". لكن الإله "إنكي/إيا" قرر انقاذ صديقه "أوتنابشتم" فطلب منه أن يبني سفينة ضخمة ويترك كل ممتلكاته وينقذ حياته، لكن عليه أن يحمل فيها جميع بذور الكائنات الحية. فبنى السفينة الموصوفة من الإله "إيا" وكسى هيكلها بالقار حتى تصبح محكمة ضد الماء. بعدها بدأت تظهر إليه علامات ودلائل حدوث الطوفان فجمع "أوتنابشتم" أهله وصحبه، ومن ساعده في بناء السفينة، ودخلوا إلى داخلها. حينها أرسل الإله "أدد" العواصف والرعد والبرق، والرياح الشديدة، وهطلت المياه بغزارة، فارتفع منسوب المياه حتى غمرت الأرض، ولم ينج من غير الراكبين في السفينة أحد.
تقول الملحمة أن الطوفان استمر ستة أيام بسبع ليال، حتى أن الآلهة نفسها خافت من هوله فصعدت إلى السماء. وفي اليوم السابع هدأت العواصف، فنظر "أوتنايشتم" من حوله فلم ير إلاّ الماء، حتى استقرت السفينة على جبل - ويجادل بعضهم أنه "جبل أرارات" في أرمينيا. وحيث أن "أوتنابشتم" رجلٌ حكيمٌ أراد أن يعرف هل انحسرت مياه الطوفان أم لا، لذا أطلق الطيور بالتدرج من الحمامة فالسنونو فعادت إليه جميعها، إلاّ آخر طير أطلق وهو "الغراب" الذي رجع فعرف أن المياه بدأت تنحسر، وأن الأرض أصبحت صالحة للعيش. فخرج من السفينة ومن معه، وبنى مذبحاً، وقدم قرباناً للإله. هذه هي قصة المحبوب "أوتنابشتم" عند الإله "انكي" ، وهي التي أنقذته والعالم من الفناء. فالآلهة هي التي نظمت عالم هذه الشخص ومنحته وزوجته النجاة والبقاء وأسكنتهما في مكان بعيد عن البشر.
بناء عليه، تنبه جلجامش أن "أوتنابشتم" لا يستطيع أن يمنحه الخلود، بل نصحه أنه إذا أراد الخلود ألاّ يخلد إلى النوم، والذي هو شبيه بالموت. لكن جلجامش لم يستطع أن يتغلب على النعاس والنوم، فخسر الخلود. يظهر أن جلجامش لم ييأس، لذا وحتى يحصل على الأبدية نصحه "أوتنابشتم" أن يحصل على نبتة سحرية موجودة في أعماق المياه، وهي التي بإمكانها إعادة الشباب له. لحسن حظ جلجامش أنه استطاع الحصول على النبتة، لكنه لم يستطع الحفاظ عليها، إذ ذهب للاستحمام فجاءت أفعى وأخذت النبتة وأكلتها فسقط جلدها القديم، وتجددت حياتها. فعاد جلجامش إلى مدينته "اورك/الوركاء" خاسراً وأدرك أن المصير الحقيقي للإنسان هو الموت. وفي هذا موعظة وحكمة، وهي أن "الله" سبحانه وتعالى هو صاحب هذا الكون، وهو الذي يحي ويميت، وبعد وفاة الإنسان لا يبقى بعده إلاّ عمله الصالح وهو الذي يخلده.
تبين هذه الملحمة حدود قدرات الإنسان، وقيمة الحياة الدنيوية الزائلة لديه، وأن الموت مصير محتوم يقرره الله. فأنتم وأنا وجلجامش يجب أن نأخذ منها، ومن قصة النبي سيدنا إبراهيم، حكمة وموعظة، اعملوا العمل الصالح فهو الأبدية. وحتى أسهل الأمر عليكم، يجب أن تؤمنوا بالغيب.
- أستاذ شرف – جامعة اليرموك

