- 28 آب 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : تحسين يقين
أخذته خُطواته من فضاءات بيرزيت وبيت جالا وبيت لحم ورام الله والقدس، تلك التي كان يرسم فيها طفلا إلى عواصم العالم القريبة والبعيدة؛ فببساطة وعُمق معا مضى في الحياة والفن.
كلّ منّا وروايته عن لوحاته التي تعرفّ عليها، ولي روايتي التي يشاركني فيها كثيرون من قبل وبعد؛ فكلّ من رأى لوحاته الأولى، وبخاصّة لوحة "جبل المحامل"، أكان عمره عشر سنوات أو أكثر، فصار الآن ستينيا وسبعينيا وثمانينيا وتسعينيا، وأكثر، أكان على قيد الحياة أو رحل، له ما يقوله عن ذلك الفنان العشرينيّ الذي كانه سليمان منصور.
حين نتحدث عن منصور، كبير فناني الأرض المحتلة، فإنه يأخذنا إلى رحلتنا نحن أيضا، في الحياة وتلقي الأدب والفنّ، ثم المشاركة فيهما لمن سار في الدرب وعليه؛ فقد كنت أقلّ من عشر سنوات حين كنت أتردد طفلا قرويّا على مدينة القدس، قادما مع والدي، حين شاهدت أحد الحمّالين جالسا، وهو يبدو ذا طول فارع، ساهما، لم أتبيّن أكان حزينا أم غاضبا أم مرهقا، لكنّه كان على أيّة حال منتظرا لمن يطلبه أحد المتسوّقين كي يحمل له بضاعته الثقيلة التي ينوء بحملها المتسوّق.
لم أكن أعرف عمل الحمّال الذي يُدعى بالعتال، لكنني حين رأيت "قفّة" كبيرة قربه، "خمّنت" أنها للحمل، ولكن، تساءلت في نفسي، ما الذي يحمله الرجل الطويل ضئيل البطن، في هذا الوعاء المصنوع من القماش المقوّى، الذي يمكن أن أقعد فيه أنا وأخويّ معا؟ ثم لتمرّ بضع سنوات، لأجد لوحة كبيرة لرجل مسنّ يحمل "البلدة القديمة بما فيها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة على ظهره، تنتشر بالتدريج، من شوارع القدس إلى المركبة التي تنقلنا نحن القرويون الى قرانا، ثم لأراها في بيوت القرية، ومنها بيت خالتي، حيث كانت فرصتي لأتأمل اللوحة ولوحة أخرى للفنان هي لوحة "لينا النابلسي"، شهيدة نابلس، التي سطا على حياتها الغضّة محتلّ بشع في شوارع نابلس.
كان ذلك في رحلة الوعي واللاوعي؛ فلم أكن وقتها لأربط ما بين "العتّال" الكبير، ولوحة "جمل المحامل"، ثم لأكبر قليلا لتبدأ رحلتي بالقراءة، والمشاهدة خصوصا لصور اللوحات الممكن رؤيتها، ليأتي من يعرّفني باللوحة، لأربط في الوعي بين رؤيتي "للحمّال"، ورؤية الفنان الشاب وقتها سليمان منصور.
ضمن رؤيتي الواقعية للوحة، وممارسة الحمل كقرويّ، انتبهت لإبداع الفنّان حين جعل حبل "الوعاء-القفّة مثبّتا على جبين الحمّال، لأن الحمل وقد مارسته، يكون إما على الكتفين، أو على الظهر بشرط وضع حبل ما على الرأس، خاصة على مقدمة الرأس التي تتحمّل. وما زلت كلّما عدت من الأرض أحمل ثمارها، أحاكي الفعل رأسه.
لم تنته رحلتنا مع اللوحة، حيث يبدأ الوعي على الوطن والقدس، وتفسير اللوحة كإيقونة وطنية تعني الكثير لمن رابط هنا وصمد أمام الاحتلال، وتحمّل الوجع.
روى لنا سليمان منصور ما كان معه في الوعي واللاوعي، كما روى لآخرين ببساطة وصراحة، كيف أنه كان يرى الحمالين، وكيف كان ينقلون له ما ارتفع وزنه، وكيف خطرت في باله أن يحمّل العتّال القدس أيضا.
تلك هي بساطة سليمان منصور وعبقريته.
كان لقائي الأول مع الفنان، حين التقينا بداية التسعينيات في "ورشة" عن بناء جمهور جديد، بتنظيم المسرح الوطني المقدسيّ والمجلس الثقافي البريطانيّ، ولم أعرف أنه يجلس معنا إلّا بعد التعارف، فقد حضر ممثلا لمركز الواسطي للفنون، وما أن عرفته أنه الفنان الذي "تربينا" على لوحاته حتى وجدتني أعيش جملة مشاعر، وحين سلّمت عليه ظهر علي الانبهار، في حين كان بسيطا ودودا متواضعا وإنسانا جميلا مرحا. خفف عني هذا الشعور من خلال بساطة التعامل. ثم لتتوالى اللقاءات، خاصة بعد أن عملت محررا ثقافيا فكاتبا عن الفنون ثم لأطوّر مشروعي النقديّ في الفن التشكيليّ، وقد كان عونا لي حين كنت ألجأ للتعلّم منه، وبرغم بساطة كتابتي في التسعينيات فقد كان يثني عليّ ويشجعني، وصولا لأن تصبح معارضه ولوحاته مجالا لمقالاتي.
فيما تبقى من كلام، لعلي أجيب على تساؤل الفنانة رانية العامودي، حين سألتني عن سرّ الانتشار العظيم للفنان سليمان منصور، لأحاول الإجابة من خلال تلقينا كفتيان وكبار للوحاته، وقصص كاتبنا الأكبر محمود شقير.
رسم منصور وكتب شقير عن مكان الحياة، عن القدس التي أقاما فيها، فعبرا عن المكان بدون تكلّف، فاستخدم الفنان في إبداعاته خامات من الطبيعة، كالطين كما في معرضه "عشر سنوات من الطين"، فرأينا المكان ورأينا أنفسنا. وجدنا هذه الحميميّة الواقعية المحببة. رأينا ما نراه بصريّا وقلبيّا، فانسجمت رؤيتنا مع رؤية المبدعين، الذين مثلهم رسما سليمان منصور وكتابة محمود شقير، ولم تكن تلك إلّا منطلقات الإبداع الصادق، الذي تأثرت به وآخرون في كتاباتنا النقديّة.
لم يكن منصور، فنان الأرض المحتلة الأول فنانا ينتشر من خلال رسم الشعارات السياسيّة، ولم تكن وطنيته قادمة من فئات سياسية تقتتل أيديولوجيّا، بل كان فنانا أصيلا طوّر الفن التشكيليّ شكلا ومضمونا، منسجما مع الزمان والمكان ومعبرا برؤية نقدية ساخرة أحيانا عن التحوّلات التي مرّت على فلسطين آخر ثلاثة عقود. لقد مثّلت على سبيل المثال لوحة "المهاجرة"، التي تظهر فلسطينية في نيويورك تحمل وعاء برتقال معنى الهوية التي لا تختفي في كل مكان وزمان.
ولعلّ تصرّف سليمان منصور في رسم أشجار الزيتون على مدار نصف قرن يدل ليس على الموهبة والاحتراف الكبير، بل على كونه مفكّرا أيضا، حين استعاد لوحاته لشجر الزيتون على وقع التحولات التي أحدثها الغزاة تخريبا للأرض ومنعا من وصول القرويين الفلسطينيين إلى أشجار الزيتون لرعايتها ولقطف ثمارها، بعد بناء جدار الفصل العنصريّ.
ولد سليمان قبل عام النكبة بعام واحد، فكان عمره هو زمن النكبة حتى اللحظة التي غادر فيها، فكانت رحلته الواعية منذ بدء رحلة الفن هي رحلة الوطن والذي كان بوصلته.

