- 29 آب 2026
- مقابلة خاصة
يسعدنا في شبكة " أخبار البلد" المقدسية ان نعيد نشر البحث الذي قال به الكاتب والباحث " مازن الجعبري" بخصوص احوال مؤسسات المجتمع المدني والضغوط الخارجية والاختلالات الداخلية . تلك الورقة التي تم عرضها في مؤسسة الدراسات المقدسية ، وذلك لاهميته من اجل ان تعم الفائدة منها .
بقلم : الباحث مازن الجعبري
ملخص
تستكشف هذه الورقة البحثية أزمة مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني في القدس عبر تحليل التفاعل بين الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية. وتنطلق من منطلق أن إضعاف هذه المؤسسات لا يقتصر على سياسات الاحتلال، كالإغلاق والقيود القانونية والرقابة والتمويل المشروط، بل يمتد ليشمل مشكلات داخلية تتعلق بالحوكمة والتمثيل، إضافة إلى ضعف الرقابة وتراجع العلاقة مع القاعدة الشعبية. وتناقش الورقة أيضًا استهداف المؤسسات الثقافية والرقابة الرقمية باعتبارهما جزءًا من إعادة تشكيل المجال المدني الفلسطيني في المدينة. وتخلص إلى أن حماية هذه المؤسسات تتطلب، بالإضافة إلى مجابهة الضغوط الخارجية، إصلاحًا داخليًا يعزز الشرعية المجتمعية والشفافية والاستقلالية والتنسيق المؤسسي.
تُعدّ مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية في القدس جزءًا جوهريًا من التركيبة الاجتماعية والوطنية في المدينة؛ إذ لم تقتصر تاريخيًا على وظائف خدمية، بل لعبت أيضًا أدوارًا تتعلق بتعزيز الصمود، والدفاع عن المصلحة العامة، والحفاظ على الوجود الفلسطيني في حيز تتكاثف فيه سياسات السيطرة والإلحاق. وتأتي أهمية هذه المؤسسات من طبيعة القدس نفسها: مدينة واقعة تحت الاحتلال، ومنفصلة عن امتدادها الفلسطيني، ويُراد إعادة تشكيل فضائها العام قانونيًا وإداريًا ورمزيًا. وقد أوضح وليد سالم أن المجتمع المدني الفلسطيني في القدس تشكل تاريخيًا بوصفه مجتمعًا مدنيًا وأهليًا مركبًا، يجمع بين تقديم الخدمات وتعزيز صمود الوجود الفلسطيني، ولم يقتصر على المنظمات غير الحكومية بمفهومها الضيق (). كما تؤكد دراسات حديثة أن القدس ظلت مركزًا أساسيًا لاحتضان هيئات المجتمع المدني الفلسطيني، حتى مع تصاعد تراجعها المؤسسي بفعل السياسات الإسرائيلية والضغوط المتعددة في السنوات الأخيرة.()
ولا يقتصر استهداف مؤسسات المجتمع المدني في القدس على المؤسسات الاجتماعية أو الخيرية، بل يشمل أيضًا المؤسسات الثقافية، مثل المسارح والمراكز الفنية والمكتبات والفضاءات الثقافية، التي تؤدي دورًا يتجاوز النشاط الثقافي الضيق إلى حماية الذاكرة الجماعية والحضور الفلسطيني في المدينة. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن هذه المؤسسات تواجه تضييقًا متواصلًا من خلال الإغلاق أو المنع أو التضييق المالي والإداري، فضلًا عن محاولات احتواء الحقل الثقافي الفلسطيني أو منافسته عبر مؤسسات إسرائيلية تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد الثقافي في القدس ضمن إطار الهيمنة الإسرائيلية. وبهذا المعنى، لا يستهدف الضغط الواقع على المؤسسات الثقافية مجرد نشاط فني أو معرفي، بل يطال أحد المكونات الأساسية للمجال المدني الفلسطيني، بوصفه مجالًا لحماية الهوية الوطنية، وصون الحضور الرمزي، وربط المجتمع المقدسي بسرديته التاريخية والثقافية. (3)
طبيعة أزمة مؤسسات المجتمع المدني
لكن الكتابات القريبة من الموضوع غالبًا ما تحلل الأزمة من زاويتين متباينتين: الأولى تركز على سياسات الاحتلال من إغلاق وملاحقة ونزع شرعية وتجفيف للموارد؛ والثانية تتناول مشكلات داخلية مثل ضعف الحوكمة، والترهل، والتمويل المشروط، وتراجع الصلة بالقاعدة الشعبية. وتنطلق هذه الورقة من فرضية مختلفة نسبيًا، مفادها أن أزمة مؤسسات المجتمع المدني في القدس لا تُفهم بشكل كافٍ إلا من خلال التفاعل بين الضغوط الخارجية والاختلالات الداخلية. فالمؤسسة المقدسية لا تعمل في معزل؛ بل في بيئة استعمارية تضيق الحيز العام، وفي الوقت نفسه داخل تركيبة داخلية قد تعاني ضعفًا في التمثيل والرقابة والاستقلالية. ومن ثم، فإن السؤال الأساسي هنا هو: كيف تؤثر العوامل الخارجية والداخلية، منفردة ومجتمعة، في فاعلية مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية في القدس واستمراريتها ومصداقيتها المجتمعية؟
المؤثرات الخارجية على عمل المؤسسات
يمثل الاحتلال أحد أهم العوامل الخارجية المؤثرة، ليس فقط كإطار سياسي عام، وإنما كفاعل مباشر في إعادة تشكيل المجال المدني الفلسطيني في القدس. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية في القدس تعمل ضمن حيز آخذ في التقلص باستمرار، كنتيجة لتداخل القيود القانونية والسياسية والأمنية مع الضغوط المالية المفروضة على مصادر دعمها. ولا يقتصر أثر هذه الظروف على الحد من قدرة المؤسسات على تنفيذ أنشطتها، بل يمتد ليشمل التأثير في أولوياتها، ونطاق خطابها العام، وإمكاناتها في الحفاظ على استقلالها وبقائها في الفضاء المقدسي (4). وتُظهر هذه المقاربة أن هذه الممارسات ليست عرضية، بل هي جزء من مشروع استعماري يهدف إلى إضعاف البنية المؤسسية الفلسطينية وتجريدها من أدوات الصمود (5). وقد ازداد هذا التوجه بصورة أوضح منذ عام 2022، ثم بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع تزايد الهجمات والإجراءات ضد مؤسسات المجتمع المدني المقدسية، وما تبع ذلك من تأثير مباشر في استمرارها وعملها.
أ. إغلاق المؤسسات
ومن أبرز أدوات هذا الضغط إغلاق المؤسسات أو التهديد بإغلاقها، وهو ما لا يقتصر على تعطيل مؤسسة معينة، بل يهدف إلى إضعاف فكرة التنظيم الأهلي الفلسطيني نفسها، وتحويل الوجود المؤسسي في القدس إلى وجود ضعيف ومُهدد. وقد اعتمدت إسرائيل، خاصة بعد أوسلو، على منظومة قانونية وإدارية لتقييد عمل المؤسسات الفلسطينية أو إغلاقها بحجة ارتباطها بالسلطة الفلسطينية أو تعارض نشاطها مع ما تعتبره "السيادة" الإسرائيلية على المدينة. وبهذا المعنى، لا يصبح الإغلاق مجرد إجراء أمني، بل أداة سياسية لتقويض المجال العام الفلسطيني ومنع تشكل إطار جمعي منظم، ضمن سياسات أوسع من الدمج والاحتواء تسعى إلى حسم القدس كجزء من "إسرائيل" ومحاربة أي تعبير عن السيادة أو الرمزية الفلسطينية فيها. (6) ويظهر ذلك بوضوح في قرار إغلاق جمعية برج اللقلق في البلدة القديمة بالقدس لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد، وهو قرار لم يقتصر أثره على تعطيل مؤسسة محلية، بل مسّ فضاءً مجتمعيًا وثقافيًا يخدم مئات الأطفال والعائلات في القدس. وفي هذا السياق، وصف مدير الجمعية منتصر أدكيدك القرار بأنه استهداف لمؤسسة مجتمعية فاعلة، مؤكدًا أن الزعم بوجود تمويل من السلطة الفلسطينية “غير صحيح على الإطلاق ولا أساس له”، وأن الجمعية ستطعن في القرار قانونيًا. (7)
ولا تقف الضغوط الخارجية عند حدود الإغلاق، بل تشمل أيضًا منظومة مستمرة من التقييد القانوني والإداري والرقابة، تجعل عمل المؤسسات قائمًا تحت تهديد دائم حتى عندما لا تُغلق فعليًا.
ويرتبط بذلك تقييد العمل والترخيص والرقابة. فحتى في حال عدم إغلاق المؤسسة، فإنها تعمل تحت ضغط إداري وقانوني مستمر: تعطيل التسجيل، والتضييق على الأنشطة والفعاليات، واقتحام المكاتب، ومصادرة المعدات، والرقابة على العلاقات العامة والمالية. وتوضح دراسة عبد الجبار أن الرقابة المفروضة على المؤسسات في القدس تتخذ أشكالًا متنوعة، من الرقابة المصرفية والرقمية إلى الاقتحامات وقيود الوصول إلى القدس، مما يحد من قدرتها على توظيف كفاءات، أو تنفيذ برامج، أو الحفاظ على استقلال حركتها (8). وبهذا المعنى، تصبح الرقابة أداة لإعادة تشكيل المؤسسة من الداخل، لا لمجرد متابعتها؛ إذ تدفعها إلى تخفيف خطابها، أو تقليل نشاطها، أو تجنب برامج معينة.
ب-الاغلاق بوصفه سياسة ممتدة
لا تتوافر، في الأدبيات الحديثة، إحصائية نهائية ودقيقة لعدد المؤسسات الفلسطينية التي أُغلقت في القدس، غير أن المعطيات المنشورة تؤكد أن الإغلاق كان سياسة ممنهجة لا مجرد إجراءات متفرقة. فقد وثّقت نشرة صادرة عن دائرة تنمية الشباب في جمعية الدراسات العربية قائمة تضم 38 مؤسسة فلسطينية أُغلقت في القدس بين عامي 2000 و2011، فيما أوردت النشرة نفسها تقديرًا آخر يشير إلى إغلاق 32 مؤسسة منذ بداية الاحتلال، ونقلت عن تقرير لمؤسسة "المقدسي" أن أكثر من 88 منظمة أُغلقت منذ عام 1967، في حين أُجبرت 33 منظمة أخرى على نقل مكاتبها ونشاطاتها إلى الضفة الغربية. وعلى الرغم من تفاوت هذه الأرقام تبعًا للفترة الزمنية وتعريف المؤسسات المشمولة في الرصد، فإنها تلتقي جميعًا عند حقيقة أساسية، هي أن إغلاق المؤسسات شكّل أداة ثابتة في استهداف البنية المؤسسية الفلسطينية في القدس وإضعاف حضورها المجتمعي والوطني. (9)
ج. التقييد القانوني والإداري والرقابة
ولا تقتصر الرقابة المفروضة على مؤسسات المجتمع المدني في القدس على الأشكال الإدارية والميدانية التقليدية، بل تمتد أيضًا إلى المجال الرقمي، الذي أصبح جزءًا أساسيًا من عمل هذه المؤسسات وتواصلها مع جمهورها والمانحين والشركاء. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن الرقابة الرقمية تتخذ أشكالًا متعددة، من متابعة المحتوى المنشور على المنصات الرقمية، إلى مراقبة الحملات الإعلامية والأنشطة الإلكترونية، وجمع المعلومات عن المؤسسات والعاملين فيها، بما يؤثر في سمعتها العامة وفي قدرتها على العمل بحرية. وتزداد خطورة هذا النوع من الرقابة لأنه لا يقتصر على رصد النشاط، بل يسهم في فرض رقابة ذاتية على المؤسسات نفسها، ويدفعها أحيانًا إلى تخفيف خطابها، أو الحد من ظهورها العام، أو تجنب بعض القضايا واللغة السياسية خشية الاستهداف أو التشويه أو التأثير في علاقتها بالجهات الممولة. وبذلك، تصبح الرقابة الرقمية جزءًا من منظومة أوسع تهدف إلى ضبط الحيز المدني الفلسطيني في القدس، لا مجرد أداة تقنية لمتابعة النشاط المؤسسي. (10)
د-الرقابة الرقمية
ولا يقتصر استهداف مؤسسات المجتمع المدني في القدس على المؤسسات الاجتماعية أو الخيرية، بل يشمل أيضًا المؤسسات الثقافية، مثل المسارح والمراكز الفنية والمكتبات والفضاءات الثقافية، التي تؤدي دورًا يتجاوز النشاط الثقافي الضيق إلى حماية الذاكرة الجماعية والحضور الفلسطيني في المدينة. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن هذه المؤسسات تواجه تضييقًا متواصلًا من خلال الإغلاق أو المنع أو التضييق المالي والإداري، فضلًا عن محاولات احتواء الحقل الثقافي الفلسطيني أو منافسته عبر مؤسسات إسرائيلية تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد الثقافي في القدس ضمن إطار الهيمنة الإسرائيلية. وبهذا المعنى، لا يستهدف الضغط الواقع على المؤسسات الثقافية مجرد نشاط فني أو معرفي، بل يطال أحد المكونات الأساسية للمجال المدني الفلسطيني، بوصفه مجالًا لحماية الهوية الوطنية، وصون الحضور الرمزي، وربط المجتمع المقدسي بسرديته التاريخية والثقافية. (11)
ه-التمويل
أما التمويل، فهو من أكثر العوامل الخارجية تعقيدًا. فالمشكلة ليست فقط في قلة الموارد، بل في الشروط السياسية والأمنية المصاحبة لها. وتشير دراسة عبد الجبار بوضوح إلى أن المؤسسات المقدسية أصبحت محاصرة بين تشريعات إسرائيلية قمعية من جهة، وإجراءات الممولين الدوليين من جهة أخرى، حيث تُفرض شروط سياسية وأمنية تتعارض مع خصوصية السياق الفلسطيني. ويشمل ذلك اشتراطات مرتبطة بمكافحة "الإرهاب"، وتعهدات قانونية وإدارية تحدد من يجوز التعامل معه، وما اللغة المقبولة، وما البرامج التي يمكن تمويلها. وبهذا، لا يصبح التمويل أداة دعم فقط، بل أداة فرز وضبط وإعادة توجيه، قد تدفع المؤسسة إلى تعديل خطابها وأولوياتها بما يتلاءم مع أجندات الممولين أكثر من احتياجات المجتمع المحلي (12). كما أن بعض الكتابات المقدسية تحذر من أن المؤسسات الأهلية تجد نفسها بين الحفاظ على استقلالها أو القبول بشروط تمويل سياسية تتنكر للحقوق الفلسطينية، وهو ما يضعها أمام معضلة بقاء مشروط أو تراجع في القدرة على العمل والاستقلالية. (13)
المؤثرات الداخلية على عمل المؤسسات
في حال ساهمت العوامل الخارجية في تقليص نطاق العمل المدني الفلسطيني في القدس عن طريق الإغلاق والرقابة والتقييد والتمويل المقيد بشروط، فإن تأثير هذه الضغوط يصبح أكبر حين يتزامن مع مشكلات داخلية تؤثر في تكوين المؤسسة ذاتها، من حيث الإدارة، وطرق التمثيل، والتدقيق، والاستقلالية. وعليه، فإن إدراك أزمة مؤسسات المجتمع المدني في القدس لا يكتمل فقط من خلال الضغوط الخارجية، بل يستلزم كذلك دراسة العوامل الداخلية التي تحدد مدى قدرة هذه المؤسسات على الثبات، وعلى الحفاظ على مصداقيتها المجتمعية، وعلى القيام بدورها العام. فالعيوب الداخلية لا تقل أهمية عن الضغوط الخارجية، لأنها تمس جوهر المؤسسة، أي من يديرها، وكيف يتم اتخاذ القرارات فيها، ولمن تعمل.
أ-الحوكمة العائلية والطبقية
تظهر أولًا الحوكمة العائلية والطبقية في بعض مؤسسات القدس، حيث تميل بعض الهياكل المؤسسية إلى إعادة إنتاج نفوذ محلي ضيق قائم على العائلة أو المكانة الاجتماعية أو رأس المال الطبقي، بدلًا من العمل وفق معايير المصلحة العامة والكفاءة والتمثيل الواسع. في هذه الحالة، تتحول المؤسسة من فضاء مدني شامل إلى إطار مغلق نسبيًا، مما يوسع المسافة بينها وبين المجتمع الذي يفترض أن تمثله. ومع أن المجتمع المدني في القدس تشكل تاريخيًا ضمن شبكة أهلية واسعة، فإن هذه الأهلية نفسها قد تنقلب، في بعض الحالات، إلى نمط حوكمة ضيق حين تضعف قواعد المشاركة والشفافية.(14)
ب- سيطرة النفوذ الحزبي أو الفئوي
ويرتبط بذلك الوجود الحزبي أو الفئوي داخل بعض المؤسسات. فبدلًا من أن تظل المؤسسة فضاءً للعمل الأهلي العام، قد تصبح مجالًا لتنافس الولاءات السياسية أو المناطقية أو الشخصية. ويذكر مازن الجعبري أن الصراعات الداخلية والفئوية والمناطقية اخترقت كيان بعض المؤسسات، وأن التنافس الحزبي والولاءات العائلية حوّلت عددًا منها إلى ساحات نفوذ، مما أفقدها استقلاليتها ككيانات مجتمع مدني. وهذه نقطة مهمة للغاية؛ لأنه عندما تدار المؤسسة بمنطق الاصطفاف وليس بمنطق الخدمة العامة، فإن قدرتها على بناء ثقة مجتمعية واسعة تتراجع، كما تضعف قابليتها للتشبيك والتكامل مع مؤسسات أخرى.(15)
ج-التعيين بدلاً من الانتخاب
وتظهر كذلك مشكلة التعيين بدلًا من الانتخاب، أو بقاء الهياكل الإدارية والتمثيلية ثابتة من دون تجديد حقيقي. فعندما تغيب الانتخابات الداخلية، أو تصبح شكلية، أو تُحاصر بآليات التوافق المغلق، تضعف المساءلة، ويقل تداول المسؤولية، وتتقلص فرص تجديد الكفاءات. ويؤدي ذلك إلى نمط قيادة فوقي، يعامل الجمهور بوصفه متلقيًا للبرامج وليس شريكًا في القرار. وتزداد خطورة هذا الخلل حين يقترن بضعف الرقابة والمحاسبة؛ إذ تفقد المؤسسة قدرتها على تصحيح مسارها أو مراجعة أولوياتها أو حماية مواردها من التوظيف الضيق. وتشير النصوص المتوفرة لدينا إلى أن غياب الرقابة الفاعلة ترافق مع هيمنة التمويل المشروط وتضخم الهياكل الإدارية، وأسهم في تراجع شرعية بعض المؤسسات في نظر الجمهور، مع تحول أولويتها من خدمة المجتمع إلى ضمان بقائها المؤسسي.
د-العجز عن بناء رؤية مؤسسية متماسكة وطويلة الأمد
ويُضاف إلى ذلك أن بعض مظاهر الضعف الداخلي لا تنبع فقط من الخلل الإداري المباشر، بل أيضًا من تراجع القدرة على
بناء رؤية مؤسسية متماسكة وطويلة الأمد. فالتقلب المستمر في مصادر الدعم، وتسيس التمويل، والضغط اليومي على المؤسسات، لا يفضي فقط إلى إضعاف مواردها، بل يحد أيضًا من قدرتها على التخطيط الاستراتيجي، ويجعل كثيرًا من تدخلاتها أقرب إلى الاستجابة الآنية منها إلى العمل التراكمي المنظم. وفي مثل هذا السياق، تصبح المحافظة على الصمود ممكنة على المدى القصير، لكن يصعب من دون بنية مؤسسية أكثر تماسكًا وتجذرًا، يصعب تحويل هذا الصمود إلى فعل مدني مستدام ذي أثر وطني واجتماعي أوسع. (16)
تفاقم الأزمة لدى تتقاطع العوامل الخارجية مع العوامل الداخلية
تتفاقم أزمة مؤسسات المجتمع المدني في القدس عندما تتفاعل الضغوط الخارجية مع الاختلالات الداخلية فالاحتلال يكون أكثر قدرة على التأثير حين يواجه مؤسسة تعاني ضعفًا في الحوكمة، ورقابة محدودة، وعلاقة ضعيفة بجمهورها الشعبي. والمؤسسة التي تعاني من حوكمة عائلية أو فئوية، أو تعتمد على التعيين بدلًا من المشاركة، أو تخضع لضعف في المساءلة، تصبح أكثر عرضة للخضوع لشروط الممولين، وأقل قدرة على مقاومة الإغلاق أو نزع الشرعية. وقد لخّص الجعبري هذه الفكرة بوضوح حين أشار إلى أن الإجراءات الإسرائيلية تنجح بشكل أكبر عندما تجد المؤسسة نفسها ضعيفة وتفتقر إلى دعم مجتمعي حقيقي يدافع عنها (17). وفي السياق نفسه، تظهر ورقة عبد الجبار أن التلاقي بين الضغوط الإسرائيلية وإجراءات الممولين الدوليين هو ما جعل المجتمع المدني في القدس مهددًا بالزوال أو التفريغ من وظيفته العامة. (18)
من هنا، فإن الأزمة ليست مجرد أزمة تمويل، وليست مجرد أزمة احتلال، وليست مجرد أزمة حوكمة؛ بل هي أزمة تأثير مركب يعيد تشكيل وظيفة المؤسسة ونطاق فاعليتها. فالعوامل الخارجية تضيّق مساحة عمل المؤسسة، بينما تزيد العوامل الداخلية من أثر هذا التضييق إذا ضعف التمثيل والشفافية والاستقلالية.
خاتمة
تشير القراءة السابقة إلى أن حماية مؤسسات المجتمع المدني في القدس لا يجب أن تُختزل في الدفاع عن بقائها الشكلي أو في المطالبة بتمويل إضافي، فالمسألة أعمق من ذلك؛ إذ تتصل بطبيعة هذه المؤسسات نفسها، وبمدى استقلالها وشفافيتها وعلاقتها بمجتمعها، وقدرتها على مقاومة الإغلاق والاحتواء من جهة، ومقاومة الفئوية والترهل وضعف المساءلة من جهة أخرى. وإذا كانت سياسات الاحتلال تستهدف إضعاف المجال المدني الفلسطيني في القدس، فإن مواجهة هذا الاستهداف تتطلب أيضًا مراجعة داخلية جادة تعيد للمؤسسة شرعيتها ووظيفتها العامة.
وفي هذا السياق، تظهر الحاجة ملحة إلى أن تعيد المؤسسات الأهلية في القدس النظر في أوضاعها الداخلية، من حيث سلامة أنظمتها وآليات اتخاذ القرار فيها، ودرجة التزامها بالحوكمة السليمة والشفافية والمساءلة. كما أن استعادة الصلة بالحاضنة الشعبية تصبح شرطًا أساسيًا لاستعادة شرعيتها، بحيث تعود المؤسسة إلى تمثيل متطلبات المجتمع المقدسي لا الاكتفاء بإدارة بقائها المؤسسي. وتزداد أهمية ذلك في ظل الحاجة إلى توافق بين المؤسسات على إطار مهني موثوق يتولى دعم نزاهة الإجراءات، ومتابعة الأوضاع القانونية والإدارية بما يدعم مسار الإصلاح المؤسسي ويحد من الفوضى أو التوظيف الفئوي.
ويتطلب هذا المسار أيضًا التفكير في أدوات حماية واستدامة تتجاوز ردّ الفعل المؤقت، من خلال تطوير نماذج تمويل أكثر استقلالًا وتعددًا، وتعزيز الشراكات المحلية والعربية الداعمة، بما يحدّ من الارتهان للشروط السياسية الخارجية. كما أن دعم المبادرات الثقافية والأرشيفية والمجتمعية، وتوفير مظلة قانونية وحقوقية للمؤسسات المهددة بالإغلاق أو التضييق، يشكل جزءًا أساسيًا من أي سياسة تسعى إلى تحويل الصمود من مجرد بقاء دفاعي إلى فعل مؤسسي منظم، قادر على حماية الذاكرة والهوية والحضور الفلسطيني في القدس. (19)
ولا يقل عن ذلك أهميةَ العملُ على بناء شبكة مؤسسية محلية أكثر تماسكًا، قادرة على التنسيق والتكامل، وعلى أداء دور يتجاوز الاستجابة الجزئية نحو الإسهام في حماية الهوية الوطنية وتعزيز الصمود المجتمعي في القدس. ويتضمن ذلك أيضًا إعادة تفعيل النقابات والأطر المهنية والعمالية بوصفها جزءًا من البنية المدنية الفلسطينية في المدينة، بما يوسع قاعدة المشاركة المجتمعية ويعزز أدوات الدفاع الجماعي عن الحقوق والمصالح العامة. بهذا فقط يمكن الحديث عن بقاء ذي معنى: ليس بقاء مؤسسة باسمها، بل بقاء مؤسسة سليمة البنية، متجذرة مجتمعيًا، وقادرة على أن تكون جسرًا للصمود المجتمعي ورافعةً لحماية الحضور الفلسطيني، في مدينة يُعاد تشكيل فضائها العام باستمرار.

