• 2 أيلول 2026
  • مقابلة خاصة

بقلم : زيدان عبدالكافي كفافي*

كنت جالساً أكتب حول تاريخ أحد المواقع الأثرية بفلسطين، وفجأة خطر ببالي موضوعاً هو ليس بجديد على أصحاب التخصص، ماذا عن دراستنا للعاج والعاجيات في بلادنا؟ فبحثت في مصادرها، ووجدت صوراً متعددة ومعظمها تشير إلى فينيقيا. تذكرت عاجيات سبسطية (السامرة)/ نابلس، وتل المتسلم (مجدو)/ سهل مرج ابن عامر، وكما تعلمون فإن كلا الموقعين في فلسطين، وعلبة مجوهرات طبقة فحل المرصعة بالعاج في الأردن.  وهنا وقفت أمام صورة لقطعة عاجية على شكل رمانة عليها كتابة يقولون أنها عبرية قديمة (هذا إن لم تكن كنعانية، فأنا لست خبيراً بالخطوط، لكنني أشبّه عليها)، فقررت أن أبحث في أصلها وفصلها.

يقول الراوي أن عالم اللاهوت واللغات السامية الفرنسي "أندريه لومير" كان في عام 1979م في زيارة لمدينة القدس الشريف، ووقع نظره على هذه القطعة الأثرية المهمة عند تاجر آثار في المدينة، فسأله عن مصدرها، أي في أي موقع عثر عليها؟ فقال صاحب المكان لا أعرف، وهنا تم تقدير أنها جاءت من القدس، وأنها من زمن الملك سليمان...! يا سبحان الله...عُرف المكان دون إثبات؟  وبهذه الحالة تفقد أهميتها التاريخية لأنها لم تظهر في سياق أثري، أي في حفرية أثرية...بالنسبة للصهاينة ما عليه شيء، المهم أنها تحمل كتابة عبرية...وأنها كانت مثبتة على رأس صولجان من معبد سليمان...لا حول ولا قوة إلاّ بالله...إنهم منجمون...للعلم هذه القطعة مصنوعة من عاج فرس النهر وليس من ناب فيل، بعد أن تم تحليلها بالطرق المخبرية الحديثة. ونظراً لأهميتها بالنسبة للتاريخ الإسرائيلي المزور تم شراؤها في عام 1988م لصالح "متحف إسرائيل".

الأهم من هذا وذاك أن الدراسات العلمية أثبتت أن هذه القطعة تعود بتاريخها للعصر البرونزي المتأخر الثاني (حوالي 1400 – 1300 قبل الميلاد)، ولا علاقة لها لا بسليمان، ولا بإسرائيل.  ينكر كثير من الباحثين أن مدينة (أور-سالم/ يبوس) لم تكن سوى ضيعة صغيرة لا قيمة تاريخية لها، علماً أن كاتب رسائل تل العمارنة المؤرخة للفترة بين حوالي 1400 – 1350 قبل الميلاد كتب على لوح طيني من تلك الفترة أنه كان للمدينة حاكم كنعانيٌ اسمه "عبدي-حبّا". 

وأود أن أذكر بهذه المناسبة أن هذا التزوير ليس الأول، بل سبقه وسيتبعه كثير. كما أن كثيراً من الباحثين التوراتيين عامة، والإسرائيليين خاصة، يبحثون عن أثر يؤكد وجودهم على أرض فلسطين، فإن لم يجدوه يخترعونه. وهذه ليست أول قطعة أثرية يصادر تاريخها لصالح السردية الإسرائيلية.

*أستاذ شرف – جامعة اليرموك

عمان  في 2/ 9/ 2026م