- 24 كانون الثاني 2026
- ثقافيات
موسكو- أخبار البلد- كتب المراسل الخاص
عام كامل قضاه الخبراء الروس في تحويل رواية "الحب والخبز" للكاتبة والروائية المناضلة، "آسيا (خولة) عبد الهادي الى لغة النقاط بطريقة برايل ليتمكن المكفوفين الروس الذين يزيد تعدادهم عن أكثر من 300 ألف مكفوف من قراءة هذه الرواية والاضطلاع من خلالها على مأساة الشعب الفلسطيني وتهجير شعب بأكمله واقتلاعه من وطنه عام 1948.
ففي عالمٍ لا تزال فيه إمكانية الوصول إلى المعلومات تحديًا رئيسيًا للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، تكتسب كل خطوة جديدة في تكييف الأدب قيمةً خاصة. ومن الأمثلة البارزة على هذا العمل، تقديم رواية "الحب والخبز" للكاتبة الفلسطينية آسيا (خولة) عبد الهادي، والتي نشرتها مكتبة كالوغا الخاصة للمكفوفين، التي تحمل اسم ن. أوستروفسكي، بلغة برايل.
وقد أقيم هذا الحدث ضمن فعاليات افتتاح المعرض الدولي "فلسطين في قلوبنا"، حيث احتفلت ولاية كالوجسكايا أوبلاست الروسية بمرور عام على إعلان عيد الصداقة بين شعوب الولاية وفلسطين والذي سيحتفل به سنويا في 14 يناير، وقد تم ذلك بحضور شخصيات رسمية وبرلمانية تقدمها وزير السياسة الداخلية والاتصالات الجماهيرية كيريل أليكساندروفيتش غوروف، ورئيس فرع كالوغا الإقليمي للمنظمة العامة الدولية "الجمعية الامبراطورية الارثوذوكسية الفلسطينية"، النائبة في الجمعية التشريعية لولاية كالوجسكايا أوبلاست نتاليا فاسيليفنا تيريخوفا،
إن رواية "الحب والخبز" ليست مجرد عمل روائي، بل هي شهادة شخصية عميقة على مأساة الشعب الفلسطيني الذي نجا من النكبة - التهجير القسري من وطنه عام 1948 بعد قيام دولة إسرائيل على أنقاض فلسطين وشعبها.
من خلال قصة الطفلة الصغيرة أسماء، تكشف الكاتبة عن مأساة جيلٍ بأكمله. تنمو البطلة وتنضج في خضمّ المنفى القسري: تغادر هي وعائلتها قريتهم الأصلية سلمى، يواجهون المصاعب لكنهم يحتفظون بالحب والأمل في قلوبهم. تستند الرواية إلى مذكرات آسيا عبد الهادي الحقيقية، في محاولتها لفهم تجاربها وإيصال الرسالة الأساسية للقارئ: حتى في أحلك الظروف، تبقى العائلة وإمكانية الحياة نفسها لا تُقدّر بثمن.
لم يكن تقديم الكتاب حدثًا مهمًا لمجتمع المكتبات فحسب، بل كان أيضًا منصةً للحوار بين الثقافات. قدّمت ماريا بافلوفنا كونوفالوفا، مديرة مكتبة كالوغا للمكفوفين، نسخةً من الكتاب إلى بسام فتحي البلعاوي، رئيس فرع تشوفاشيا في الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية ، دكتور القانون الدولي، وعضو الأكاديمية الدولية الإنسانية لأوروبا وآسيا.
في كلمته أكد بسام فتحي البلعاوي أن هذه هي أول طبعة في العالم لرواية "الحب والخبز" بطريقة برايل. وأشاد في كلمته ليس فقط بجهود أمناء المكتبة، بل بأهمية هذه المبادرة بحد ذاتها:
"هذا الكتاب ليس مجرد نص مترجم إلى صيغة النقاط البارزة، بل هو جسر يربط بين الثقافات، ويتيح للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية فرصة التعرف على تاريخ الشعب الفلسطيني من خلال تجربة الكاتب الشخصية."
وأضاف إنني هنا أشكر من أعماق قلبي كل من عمل على إخراج هذا العمل الجبار والاول من نوعه في تاريخ العلاقات الفلسطينية الروسية وهو أول رواية فلسطينية وعربية يتم العمل على وصولها لجميع المكفوفين في روسيا الاتحادية، والشكر هنا موصول للسيدة الفاضلة "نتاليا فاسيليفنا تيريخوفا"، المحرك الرئيسي وراء تطوير العلاقات بين شعوب كالوجسكايا أوبلاست وفلسطين، وهي وراء كل هذه الفعاليات والداعم الأساسي لها، وقد استحقت عن جدارة تكريمها العام الماضي من قبل مؤسسة سيدة الأرض ضمن قائمة الشرف كأحد أهم أصدقاء شعبنا الفلسطيني في روسيا الاتحادية وتم تسليمها شهادة شجرة زيتون زرعت باسمها في فلسطين.
المكتبة كمركز للدمج والحوار
لطالما رسخت مكتبة كالوغا الخاصة للمكفوفين، التي سُميت تيمناً بمكتبة أوستروفسكي، مكانتها كمؤسسة تتجاوز المهام التقليدية. وتشمل أعمالها: تكييف الأعمال الروائية وغير الروائية للقراء ذوي الإعاقة البصرية؛ وتعزيز الممارسات الثقافية الشاملة؛ تهيئة الظروف للتبادل الثقافي من خلال صيغ يسهل الوصول إليها.
يُعد نشر رواية "الحب والخبز" مثالاً بارزاً على كيف تصبح المكتبة منصة للحوار بين مختلف الشعوب والأجيال. لا يقتصر الكتاب على سرد مأساة فحسب، بل يُذكّرنا أيضًا بأنّ التعاطف والذاكرة والسعي إلى الفهم قيمٌ عالميةٌ تُوحّد جميع البشر. وتنبع اهمية هذا العمل في تيسير الوصول إلى الأدب: تُتيح طريقة برايل النصوص للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، مما يسمح لهم بأن يكونوا جزءًا من الفضاء الثقافي العالمي. وحفظ الذاكرة التاريخية: تُجسّد الرواية التجارب الشخصية للناجين من النكبة، وهو أمرٌ ذو قيمةٍ خاصةٍ في ظلّ الاهتمام المتزايد بتاريخ الشرق الأوسط. اضافة الى الحوار بين الثقافات: يُعزّز نشر الكتاب باللغة الروسية وبصيغةٍ مُيسّرةٍ التفاهم المتبادل بين روسيا وفلسطين، مُظهرًا احترامًا مُتبادلًا لآلام وتجارب كلٍّ منهما.
الخاتمة
إنّ عرض رواية "الحب والخبز" ضمن معرض "فلسطين في قلوبنا" ليس مجرّد فعاليةٍ مكتبيةٍ فحسب، بل هو أيضًا بادرةٌ إنسانيةٌ. يذكرنا هذا بأن للأدب قدرة على تجاوز الحدود، وأن الشمولية ليست مجرد مصطلح، بل فرصة حقيقية لإيصال صوت من يُستبعدون من الحوار. وقد أثبتت مكتبة كالوغا للمكفوفين مرة أخرى أن رسالتها تتجاوز بكثير مجرد كونها مستودعًا للكتب. إنها مكانٌ تصبح فيه الكتب أداةً للرحمة والذاكرة والأمل.
رابط المقال المنشور عن هذا الخبر في روسيا:
