- 28 شباط 2026
- ثقافيات
د. علي قليبو
يرافقُ حلولَ شهر رمضان إحساسٌ غامرٌ بأننا دخلنا زمناً مقدساً، فيُستبدلُ تبادلُ السلام بعبارة "رمضان كريم"، لتأتي الإجابة "الله أكرم"؛ فرمضان شهرٌ مبارك تحلُّ بركته على مختلف مناحي الحياة الاجتماعية، فتكتسب رونقاً خاصاً نلمحه في مختلف جوانب الحياة الفلسطينية. وهنا يتصدر الخبز مكانةً مميزة؛ فهو "عطية الله" وهو رمز البركة، حيث أصبحت حبات القمح على السنبلة من أهم رموز التطريز الفلسطيني عبر الزمان؛ فالخبز مرادفٌ للحياة، ورحمةٌ وعطاءٌ من الله.
للخبز مكانة مميزة في فلسطين وخاصة في هذا الشهر الفضيل، فنجده يتصدر المائدة؛ حين يصبح الحمص والفلافل والفتوش أهم وألذ طعماً للصائم من سائر ألوان الطعام التي تعج بها السفرة، ليصبح رغيف الخبز محور سفرة رمضان العامرة بشتى أصناف الطعام الخاص بهذا الشهر. إن أريج الخبز الطازج يضفي على الإفطار نكهة تلهي الصائم وتجذبه ليغمس الخبز بالحمص والزيت مع بعض المخللات والزيتون، ويتلذذ بطعمه مع الخضروات في صحن الفتوش. ولأهمية "الغمس" وضرورة الخبز في شتى المأكولات، أصبح الركيزة التي تمنح الأطباق الشعبية قيمتها وحضورها الطاغي، سواء كان خبز الطابون أو الكماج العادي أو الشراك. كما أن أهم أطباق رمضان، كفتّة المقادم أو فتّة اللحم، تعتمد كلياً على وجوده؛ حيث يشكل الخبز القاعدة الأساسية التي تحتضن المرق والنكهات. وبالإضافة إلى الخبز اليومي، يضاف في رمضان صنفان من المعجنات: أولاً الخبز المجدل —وهو خبز مقدسي بامتياز، يُميزه شكله المضفور كالجديلة وقوامه الهش المزين بالسمسم والقزحة— والآخر هو رغيف برازق رمضان الهش الرقيق بدون أي سكر مضاف، وقد اكتسى بطبقة ناعمة من السمسم.
ويلقى الخبز درجةً قصوى من التقدير والتبجيل؛ ففي رمضان، ومع كثرة وتعدد أصناف الطعام، قد تُرمى بقية الأطباق بعد يومين أو ثلاثة جانباً ومن ثم في القمامة، إلا الخبز؛ فيُوضع جانباً. وحتى في المآدب الباذخة، لا يُرمى الخبز كسائر أنواع الطعام من لحوم ودجاج في كيس النفايات، بل يُجمع ويُوضع في كيس منفصل ليصبح علفاً للمواشي فلا يُهدر. وغالباً ما ترى رجلاً أو امرأة ينحنيان أرضاً ليلتقطا "شقفة" أو كسرةً من الخبز، فيقبلانها ويضعانها بمنأى عن موطئ قدم المارة، على حافة شباك أو أي شيء مرتفع؛ فالخبز له قيمة مميزة ومبجلة تكاد تصل إلى درجة التقديس. وكأن لسان حال الفلسطينيين يمتثل لوصية الإمام علي بن أبي طالب حين قال: "أكرموا الخبز؛ فإن الله عز وجل أنزله من بركات السماء، وأخرجه من بركات الأرض"؛ فالخبز هو عطية الله.
تخيل دهشتي حينما دخلتُ خيمةً لـ "معزبين"؛ قد نصبوا خيامهم وأقاموا الحظائر في الطبيعة، كما درجت العادة في فصل الربيع في قرانا الجبلية، حين ينتقلون من القرية مع حلالهم إلى البرية. قاموا بواجب الضيافة، مقدمين لي قدح شايٍ بالمرامية، وأجلسوني على طرف السرير داخل الخيمة حمايةً لي من شمس آذار. بدأتُ أنظر حولي أتفقدها، أمحصها وأدرس تفاصيلها لمقالةٍ قد أكتبها يوماً، ففاجأتني رؤية "شقفة" خبزٍ متآكلة، رمادية، مغبرة، ومتغضنة، وقد انتشرت فوقها العفونة الخضراء؛ تتصدر الخيمة وقد وُضعت بعنايةٍ على العامود "الواسط" —وهو مركز ثقل الخيمة وعمادها الرئيسي—. فراعني المشهد؛ ونظرتُ حولي ثم بصورةٍ لا شعورية ترجمتُ الرؤية كإهمالٍ وقذارة، وكدليلٍ فجّ على الرثاثة والنتن وانعدام الترتيب؛ فاشمأززتُ وسكبتُ الشاي أرضاً. وبعد المجاملات خرجنا، وبقيت صورة الخبزة العطنة عالقةً ببالي.
وتمضي الأيام وتمر السنون في أرجاء فلسطين؛ أتابع جولاتي الميدانية، وأجري المقابلات، وأستقصي مختلف مناحي الحياة الفلسطينية بحثا عن المنطق المستتر الذي ينسج من خيوط هذه الظواهر الاجتماعية معالم الهوية الفلسطينية، بجذورها الضاربة في عمق نمط الحياة الذي أرساه أجدادنا الكنعانيون والأموريون. وخلال زيارةٍ لأصدقاء في قرية "بيتا"، وكان بيتهم حديث البناء، متسع الأطراف؛ فهو "بيت الحامولة" الذي يحتوي على غرفٍ وشققٍ خاصة لكل أسرةٍ منهم وأولادها. فما زالت "العائلة النووية" —أي المقتصرة على الزوج والزوجة وأولادهم— تعيش في كنف "العائلة الممتدة"؛ يتشاركون في إدارتها اقتصادياً، ويتخذون القرارات الاجتماعية إجماعاً. وبعد السلام والكلام، اصطحبني مضيفي ووالدته في جولة في ارجاء المترامي البيت المترامي الاطراف لأشاركهم فرحتهم بالإضافات الجديدة، والتي لتعددها أصبحتَ تشعر بداخلها وكأنك تسير في قلعة؛ فإذا بغرفة "العقد" الحجرية التقليدية —أي البيت الفلسطيني القديم— تتوسط البناء الحديث في ساحة سماوية وكأنها حِرزٌ ثمين تحيط بها غرف الصرح العائلي.
ولجت داخل البيت العتيق فاذا هو قد استحال مخزن "مونة" البيت. فاستوقفني الترتيب والنظافة المدهشة للغرفة ولأسلوب الخزين ونمط توزيع مؤنة البيت السنوية بداخله؛ راعني المشهد فهو البيت النموذجي الفلسطيني الذي وُلد بمثله سيدنا المسيح، حيث يعيش الإنسان في غرفة واحدة مكوّنة من شطرين: علوي وسفلي. ويُطلق على القسم العلوي —مسكن البشر ومكان نومهم— اسم "المصطبة" أو "العلية"، ويطلق على الدور السفلي حيث كانت تحفظ الماشية والدواجن لقب "قاع الدار"؛ فهذا النمط المعيشي في "الصهوة" هو امتدادٌ للنمط المعيشي بالكهوف.
تأملتُ "بيت المؤنة" العامر، حيث رصت الجرار والسلال المليئة بالحبوب والقطين والزبيب، وجرار الزيت الصافي والدبس والعسل، وكل ما جادت به الأرض ليُدخر عوناً للأيام وتلفتت حولي فاذا انا وجها لوجه مع تلك الخبزة العفنة الغضنة فدهشتُ كيف لبيتٍ بهذا الترتيب والنظافة أن يعلّق خبزةً متعفنة؟ وما هو السرّ المكنون في هذا الخبز ا الغضن؟ وبما أنني قد زرتهم مراتٍ عديدة، بادرتُ وسألتُ "أم حسن" مستفسراً، فأجابتني مبتسمة: "بَرشة رمضان"؛ أي بركة رمضان. وشرحت بأنهم يقتطعون قطعة عجينٍ من اخر "عجنةٍ" في رمضان، وأنهم يحتفظون بها من عامٍ إلى آخر تيمناً بالشهر المبارك؛ ليصبح هذا الرغيف "حِرزاً" معلقاً، يحرس بركة الغلال، ويشع في أرجاء البيت عافيةً، ويحافظ على صحة أفراده واستمرار بركة الله عليهم. وتتجلى المفارقةُ الأعمقُ في قرية "بيتا"، حين نجدُ "بيت العقد" القديم —بوقاره وحجارته القديمة— قد تحول بحد ذاته إلى "حِرزٍ معماري" يحتضنُ في قلبه "حِرزاً رغيفياً"؛ ليصبح الحِرزُ داخل الحِرز ضمانةً مضاعفةً للبقاء.
تتجاوز "البركة" في الوجدان الفلسطيني مفهوم "الوفرة" المادية المجرّدة؛ فهي "عقيدةُ القناعةِ والرضا" التي تمنحُ رغيفَ الخبزِ أبعاداً غيبية، والضمان الاجتماعي الروحي ضد تقلبات الزمان. لم يكن اختيارُ موقعٍ يتصدرُ المشهدَ لتعليق تلك الخبزة الجافة مجرد مصادفة مكانية، بل هو إعلانٌ بصريٌّ عن سيادة "البركة" ومنعتها؛ فالحِرزُ —بوصفه الوقايةَ الحارسة والتميمةَ المانعة للنقص والزوال— لا يؤدي وظيفته في العرف الاجتماعي إلا إذا واجه الزمان بوضوح، ليكون درعاً تردُّ عينَ الحسد وتقهرُ شبحَ الجوع. إنَّ تثبيتها على "الواسط" في بيت الشعر أو في صدر الدار، يحولها من مادة عضوية تالفة إلى "أيقونة طقسية" تتحدى الحواس؛ فما تراه العينُ المجرّدة عفناً مقرفاً، يراه الوجدان الجمعي حارساً يقظاً وسنداً روحياً يسندُ سقف الخيمة مع أعمدتها الخشبية واقواسها البيت الحجرية. ولم يكن إخفاؤها وارداً، لأن البركة في الفهم الفلاحي روحٌ يجب أن "تتنفس" وتختلط بهواء المكان؛ فهي الراية التي تُرفع لتُعلم الداخل والخارج أن الدار محروسةٌ بعهد الرغيف المقدس.
وتمرُّ العصورُ، وتتعددُ الحضاراتُ، ورغماً عن تقلباتِ الزمنِ، تبقى السرديةُ الكنعانيةُ حاضرةً وقد اتخذت حُلةً فلسطينيةً إسلاميةً متجددةً، ليبقى هذا الرغيفُ الغَضَنُ أبلغَ شاهدٍ على أنَّ الثقافة الفلسطينية لا تنهزمُ أمام المادة؛ فهي تحوّلُ "العفنَ" الماديَّ إلى "يقينٍ" روحيّ، وتستدعي البركةَ من رمضانٍ إلى رمضان.

