• 26 آذار 2026
  • ثقافيات

                                                                                                                              

بقلم : المحامي حسن عبادي

تناولت الكاتبة صفاء الحطاب في إصدارها الأخير "791 معسكر الاعتقال رقم 1" (نوفيلا، 96 صفحة، لوحة الغلاف: الفنانة التشكيلية سارة الطرايره) ذاكرة النكبة ومعسكر اعتقال أقامه المحتلّ على أراضي قرية (إجليل القبليّة) المهجّرة مباشرة بعد نكبة 1948 (من إصداراتها: لصوص الآثار، نفرتاري الرقيم، والنبطي المنشود).

جاء في الإهداء (المقدّمة؟): "بعد مرور فترة غير قصيرة على إعلان الحرب (احتلال فلسطين)؛ أصبحت قرية "إجليل القبلية" معسكراً للسجناء العرب الذين أسرتهم منظمة الهاغاناه. وقد نقل مراسل نيويورك تايمز في 11 تشرين الأول/ أكتوبر: (أن نحو نصف الـ 5000 أسير عربي، الذين أسرهم الجيش الإسرائيلي منذ أيار/ مايو محتجز في مخيم نصب بسرعة على رمال وعشة في وادٍ صغير مجاور لهذه القرية التي كانت ذات يوم قرية عربية) وكان المخيم يبعد قليلاً عن طريق تل أبيب– حيفا، على بعد بضع مئات من الأمتار من البحر، وكان يشتمل على أكثر من 200 خيمة كبيرة، (معسكر اعتقال 791) وقد ذكر المراسل أنّه (حتى سلطات المخيم ليست متأكدة من عدد (السجناء) الذين كان بعضهم من أفراد الجيوش العربية)، وكان في جملتهم نحو 250 فلسطينياً أُلقي القبض عليهم بعد الاستيلاء على قراهم".

تستند الكاتبة على كتاب "كي لا ننسى" (وليس "لكي!") لطيّب الذكر وليد الخالدي الذي رحل مؤخرا لتعرّف القارئ بتلك القرية المهجّرة:

"القرية اليوم: 

يُستخدم الموقع مكبًا للنفايات، ومن العسير تمييز معالمها الأصلية. وثمّة على رقعة صغيرة من التل– لم تغلب النفايات عليها بعد– بقايا منازل حجرية قرب صهريج لتخزين البنزين، هذا فضلاً عن أجمة من النباتات البرية والصبّار، وعلى بعد نحو 100 متر شرقي الصهريج يقوم منزل مهجور بالقرب من بقايا بناء مهدم تهديماً كاملاً". (ما زال المنزل المهجور على حاله شاهداً على الجريمة وأقيمت على أنقاض القرية المهجّرة مستوطنة رمات هشارون. ح. ع.)

"لأرواح هؤلاء أهدي هذا العمل".

لمسة وفاء بحقّ ضحايا صاروا مجرّد رقم.

لفت انتباهي عنوان الرواية/ 791 وأخذني مجدّداً لفترة عملي التطوّعي في حينه كمستشار قانوني لأمنستي/ منظمة العفو الدوليّة وتقرير الصليب الأحمر (No. G59/I/GC) وقد تم نشره يوم 06.02.1949 وتناول معسكرات:

1. معسكر رقم 791 على أراضي قرية إجليل، وكان فيه 1991 أسير وقائده (موشدال)

2. معسكر رقم 792 على أراضي عتليت، وكان فيه 1640 أسير وقائده (فايسباخ)

3. معسكر رقم 793 على أراضي صرفند، وكان فيه 1360 أسير وقائده (ربابورت)

4. معسكر رقم 794 على أراضي تل ليطفنسكي/تل هشومِر، وكان فيه 1310 أسير وقائده (كوسوبسكي)

وبموجب التعليمات (حسب تقرير الصليب الأحمر) كان الهدف استغلال الأسرى المحتجزين لإنعاش الاقتصاد الإسرائيلي، وتم إغلاقها بعد حوالي 5 سنوات.

وأخذني أيضاً لمرافقتي زوجتي سميرة في مؤتمر طبّي في أم الرشراش/ إيلات كونها رئيسة جمعيّة تمريض المسالك البوليّة في البلاد، ولفت انتباهي أنّ غالبيّة عمال النظافة من الأردن (استفسرت الأمر فأخبروني بأن حوالي خمسة آلاف عامل أردني يعبرون الحدود يوميا للعمل في فنادق إيلات)، وكذلك الأمر إلى ما نشاهده عبر وسائل الإعلام العبرية في الآونة الأخيرة (كثير من "مؤثّري الرأي " يخاطبون عرب الخليج: ننتظركم عمّال نظافة في بلادنا) ولفت انتباهي أن القادة كانوا من ضحايا المعسكرات النازية، وتساءلت : هل استورد قادة المعسكرات هذا النهج من الغيتوات النازية ونقلوا التجربة إلى هنا؟ أم من أصول توراتيّة؟ (سفر التثنية 29، 11)

"أَنْتُمْ وَاقِفُونَ الْيَوْمَ جَمِيعُكُمْ أَمَامَ الرَّبِّ إِلَهِكُمْ: رُؤَسَاؤُكُمْ، أَسْبَاطُكُمْ، شُيُوخُكُمْ وَعُرَفَاؤُكُمْ وَكُلُّ رِجَالِ إِسْرَائِيلَ، وَأَطْفَالُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ، وَغَرِيبُكُمُ الَّذِي فِي وَسَطِ مَحَلَّتِكُمْ مِمَّنْ يَحْتَطِبُ حَطَبَكُمْ إِلَى مَنْ يَسْتَقِي مَاءَكُمْ" والمقصود "محتطبو الحطب ومستقو الماء" يعني العهد الإلهي لا يستثني أحداً، من أعلى سلطة إلى أبسط عامل. الخادم والملك يقفان معاً في نفس المرتبة أمام الله في تلك اللحظة.

هؤلاء الناس هم الغرباء/ الأغيار الذين انضموا إلى بني إسرائيل في الصحراء وأُدخلوا تحت كنف العهد، فقبلهم موسى وعيّنهم في وظائف خدمية لتأمين احتياجات المعسكر من حطب ونار وماء. (سأتناول الأمر في مناسبة أخرى).

جاءت "الرواية" في فصلين؛ حمل الفصل الأول عنوان "القدس"، وشمل أربعة عناوين ثانويّة ترتبط بالقدس ومعالمها، أزمنتها وأمكنتها: القدس– حي الطالبية 30/4/1948، قرية بتير/ قضاء القدس 1936، القطمون/ القدس الغربية 1937، والقدس/ حي الطالبية 1938.

وحمل الفصل الثاني عنوان "معسكر الاعتقال 791– حزيران 1948"، وشمل 9 عناوين ثانويّة؛ معسكر الاعتقال الصهيوني 791– نافذة على الخارج، معسكر الاعتقال 791 الصهيوني– دير مار إلياس، بداية الرحلة 1948– دير مار إلياس، معسكر الاعتقال الصهيوني 791– الانتظار، دير مار إلياس خريف 1948، يافا– رصيف الميناء، دير مار إلياس– رسالة سلامة، قرية بتير قضاء القدس، ودير مار إلياس الرسالة الأخيرة. 

المكان بطل الرواية ومحورها؛ 

صوّرت الكاتبة النكبة عبر صرخة نائلة (التي كانت تسكن في حي الطالبية– من أرقى أحياء القدس آنذاك) حين شاهدت إبراهيم يتقدم نحو بيتها وهو مصاب ومضرّج بدمائه، وما قاله لنعمان "لقد هزمنا يا نعمان! وسيطر الصهاينة على كل أحياء القدس، إنهم يتحصنون بدير مار الياس! وتأتيهم الإمدادات من الخلف، من المنطقة الوعرة، بلا توقف، أما نحن فلم يتبق من رجالنا سوى خمسة عشر مقاتلا، والقوات الإنجليزية تمنع وصول الإمدادات والرجال من الأهالي إلينا"...هذه هي الحكاية.

تستعين الكاتبة بتقنيّة الاسترجاع الفني؛ تعيد إبراهيم إلى قرية بتير في عام 1936، حيث قرّر الزواج من ابنة عمه صفية وقت الموسم، ووصفت أجواء القرية وطقوس الخطوبة والزيجة، وتكاليف العرس الباهظة، والضرائب التي فرضها الإنجليز على الفلاحين.

ترسم معالم حي الطالبية؛ عبر بيت نعمان وإلهام، والبيانو الأسود الكبير المستقر في زاوية صالة الضيوف الكبيرة، (أخذتني إلى قصتي "البحث عن فاطمة"، في مجموعتي القصصية، على شرفة حيفا) والتحضيرات لخطوبة نائلة وعيسى، وهدايا العرس (زوج من أساور الذهب المبروم، وخاتم من الألماس، وحلق على شكل وردة جورية فيها حجر أحمر، وفستان وحذاء من المخمل، وثلاثة قمصان، ومرآة، وقبقاب مصدّف، ومشاية مقصّبة، ومروحة يد، وقطعتي قماش، ومخدة من المخمل مزيّنة بحبات اللؤلؤ)، ووصف البيت الفخم... ومداهمة البوليس الإنجليزي بيت عيسى صباحيّة اليوم التالي وقتله، فقد كان مقاوماً، حمل الميكروفون الإذاعي الإعلامي بيد والبندقية المقاوِمة باليد الأخرى.

في بداية الفصل الثاني يتم اعتقال صفية ونائلة في معسكر 791؛ تصوّر مشهديّة اعتقال نائلة من بيتها، فتمر ببيوت خوري وحنا سلامة وبشارات وحديقة الطالبية، وصف مشابه لما أسمعه من المعتقَلات في سجون الاحتلال، وتتوقف أمام حديقة الطالبية حيث كانت تجلس فيها مع عيسى يخططان لحياتهم المقبلة، تماماً كما حدّثتني بشرى عن حلمها بليلة العرس مع محمود، ولحظة الاعتقال وفصلها عن العائلة، (دون أي متاع أو حاجيات شخصية). يا إلهي. نفس المشهد يتكرّر اليوم! ولقاء صفية ونائلة عند مدخل المسكر.

كانت صفيّة حامل؛ هاجمت السجان صارخة "لن يكون مولودي مجرد رقم في هذا المكان البائس!"، فأطلق رصاصة باتجاهها، وأرداها قتيلة. نجحت زميلات الأسر بإنقاذ جنينها... إبراهيم عيسى نعمان.

تناولت الكاتبة ظاهرة وصول أفواج جديدة من المعتقلين إلى معسكرات الاعتقال؛ طقوس الاستقبال والمعاملة السيئة، (قام الجندي بفكّ أزرار بنطاله والتبول على الشاب ومن معه وهو يقهقه. مشاهد باتت يوميّة)، ومن بينهم الأسير (سلامة اليافاوي)، كان يعمل حلاقاً ومعالجاً لأهل قريته، يروي القصص ويردد الأهازيج الفلسطينية، وعبره تناولت الكاتبة أهميّة الرسائل بالنسبة للأسير ولنقل صوته وفضح الانتهاكات بحقّه. 

كما تناولت تسخير المعتقلين بقوة السلاح لتفريغ البيوت المقدسية من مقتنياتها الثمينة كالذهب والأموال ونقل بعض ممتلكاتها من أجهزة كهربائية وأثاث منزلية إلى أماكن سكن عائلات يهودية مهاجرة، ظاهرة تتكرّر ونشاهدها اليوم في غزة والبلدات الفلسطينية. 

صوّرت وضع الأسرى في معسكر الاحتجاز والاعتقال، تماماً كما هو عليه الحال اليوم، "يتحولون إلى هياكل عظمية آدمية... يعاني الجميع من انتشار القمل وتفشي الأمراض الجلدية" (ص. 61)، (أعادتني للقائي بهيثم جابر في سجن النقب، حين وصفته بأنّه صار هيكلاً عظمياً، وتصويري لبنات الدامون والقمل الذي هاجمهن، ومرض السكابيوس الذي عانى منه غالبيّة الأسرى في الفترة الأخيرة).

ملاحظات لا بد منها؛

لا علم لي بحرق جثث الأسرى كما صوّرته الكاتبة "حكم عليهم بمشاهدة إجبارية لحرق الجثث التي ارتفعت ألسنة النار لعشرين متر على الأقل بعد سكب البنزين على أكوام منها وإضرام النار فيها!" (ص. 41)

كما ألحقت الرواية بملحق يضم مجموعة من الصور "التوثيقية"، وحبّذا لو أشارت إليها في النص، وبعضها لا علاقة لها بالرواية، كما تبادر لذهني المصادر التي اعتمدتها الكاتبة؛ هل كانت شهادات شفوية أم كتب بحثيّة أم أرشيفات أم مواقع إلكترونيّة؟

ولفت انتباهي غياب التحرير.

وأخيراً؛ نجحت الكاتبة في إحياء صوت المغيّبين وأنسنة معاناتهم.