- 6 حزيران 2026
- ثقافيات
بقلم: مصطفى شِتّا
في مساء الاثنين الخامس والعشرين من أيار 2026، قدّم مسرح الحرية، القادم من مخيم جنين ومحمّلاً بأسئلته وندوبه، العرض الافتتاحي لإنتاجه المسرحي الجديد «الشهداء يعودون إلى رام الله – حكاية سرّ الطيف» على خشبة مسرح وسينماتك القصبة في رام الله، في أمسية ثقافية وفنية لافتة شهدت حضورًا واسعًا من جمهور المسرح والمهتمين بالشأن الثقافي والوطني وقضايا الأسرى والشهداء المحتجزة جثامينهم.
العرض، المستوحى من نصّ الأسير الشهيد وليد دقّة، لم يأتِ بوصفه مناسبة مسرحية عابرة، بل كحدث ثقافي يفتح بابًا واسعًا على أسئلة العدالة والذاكرة والجسد الفلسطيني المحتجز حتى بعد الموت. وحضر الافتتاح عدد من الشخصيات الوطنية والثقافية، في مقدمتهم الأستاذة سناء سلامة «أم ميلاد»، زوجة الشهيد وليد دقّة، ورفيقه في تجربة الأسر والنضال والوطن؛ زكريا زبيدي، مؤسس مسرح الحرية وعضو اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، إلى جانب فنانين وكتّاب ومسرحيين ومتابعين للحياة الثقافية الفلسطينية.
كما كان لفريق مسرح عشتار حضور خاص في هذا المسار، إذ أتاح مقرّه في رام الله لاستضافة مراجعات وتدريبات العمل، في استجابة عملية لتعذّر إنجاز الإنتاج في مقر مسرح الحرية في جنين، بفعل الظروف الميدانية القاسية في المخيم وصعوبة الوصول إلى المسرح. بهذا المعنى، لم يكن العرض نتاج مؤسسة واحدة فحسب، بل ثمرة إسناد ثقافي فلسطيني متبادل، في لحظة كان فيها المسرح مطالبًا بأن يجد طريقه إلى الخشبة رغم العوائق والحصار والخراب.
المسرح بوصفه مساحة للمعنى
لا يمكن التعامل مع «الشهداء يعودون إلى رام الله» بوصفه بندًا في الروزنامة المسرحية الفلسطينية، بل بوصفه لحظة فنية ونقدية تتجاوز الخبر الصحفي المباشر. فالنقد المسرحي، في جوهره، لا يبدأ من النص وحده ولا ينتهي عنده؛ بل يبدأ من العرض بوصفه فرجة حيّة وآنية، تتلاقى فيها كتابة المؤلف مع كتابة المخرج، ويتحول فيها النص الأدبي إلى خطاب مسرحي مركّب تصنعه الخشبة والأجساد والضوء والموسيقى والسينوغرافيا والصمت أيضًا.
من هنا تبرز أهمية هذا العمل؛ فهو لا يكتفي بتقديم نص وليد دقّة على الخشبة، بل يفتح اشتباكًا جماليًا وفكريًا مع أسئلة العدالة، والأسر، واحتجاز الجثامين، والذاكرة، والشهادة، والكرامة الإنسانية. إنه عرض يرتكز على نص تسكنه السخرية والكوميديا السوداء، لكنه محاط في الوقت ذاته بهالة خاصة، لأن كاتبه لم يكتب عن الأسر من الخارج، بل من عمقه؛ من تجربة طويلة في السجن، ومن معرفة داخلية بعالم الأسرى وأسئلتهم الوجودية حول الجسد والزمن والموت المؤجل.
نص كُتب سرًا… وعرض أُنجز تحت النار
بدأت حكاية هذا العمل قبل وصوله إلى الخشبة بسنوات. ففي عام 2021، ومن داخل سجن جلبوع، شرع وليد دقّة في كتابة نصه بعد عام على ميلاد ابنته ميلاد، ناقلًا فصوله سرًا إلى خارج القضبان. وفي آب 2023، وجّه دقّة رسالة إلى مسرح الحرية يحثّه فيها على تبنّي العمل وتقديمه على الخشبة الفلسطينية. غير أن مسيرة الإنتاج اصطدمت بعقبات جسيمة: الحرب، والظروف السياسية والأمنية، وتدمير الحياة اليومية في جنين ومخيمها، واعتقال المدير العام لمسرح الحرية ومنتج العمل، وما تبع ذلك من صعوبات إنتاجية وتنظيمية.
لم تنطلق مرحلة العمل الفعلي إلا مطلع عام 2026، حين بدأت القراءات والمراجعات والتطوير الدراماتورجي في رام الله، وصولًا إلى التدريبات المكثفة خلال نيسان، ثم العرض الافتتاحي في الخامس والعشرين من أيار على خشبة القصبة. هكذا وصل النص، الخارج من السجن، إلى الخشبة عبر مسار طويل من التعطيل والمقاومة والإصرار؛ كأنه يختبر، في رحلته الإنتاجية نفسها، معنى أن يعود من كُتبوا في العتمة إلى فضاء الضوء.
قراءة مخرجية تبتعد عن الخطابة
قدّم المخرج محمد عيد قراءة مسرحية ناضجة ومعاصرة للنص، متجنبًا الوقوع في فخ الخطابة أو الاستسهال العاطفي. تعامل مع المادة الأصلية لا بوصفها وثيقة جامدة، بل بوصفها مادة قابلة للتجسيد والتحويل، تتجاور فيها الواقعية الوثائقية مع السخرية السوداء واللمسة السريالية. وقد بدا العرض مشغولًا على بناء فرجة تتجاوز الحكاية المباشرة، لتفتح أمام المتلقي فضاء بصريًا وفكريًا تتداخل فيه ثلاجات الموت، ومكاتب السلطة، وشوارع رام الله، والمقبرة، والذاكرة الفلسطينية المثقلة بالخسارات.
وقد لعبت الدراماتورجيا التي اشتغل عليها الكاتب والدراماتورج غسان ندّاف دورًا محوريًا في تحويل النص إلى بنية عرض قابلة للحركة والتعدد. فالنص، الذي يحمل في أصله كثافة فكرية وسياسية عالية، جرى تفكيكه وإعادة تركيبه عبر لوحات ومشاهد تسمح للشخصيات والأطياف والمؤسسات والرموز بأن تتجاور وتتصادم داخل فضاء واحد. بهذا المعنى، لم تكن الدراماتورجيا مجرد معالجة تقنية للنص، بل كانت جزءًا من بناء خطاب العرض نفسه، ومن تحويل السؤال السياسي إلى فعل مسرحي.
الجسد المحتجز والذاكرة التي لا تستريح
يبدأ العمل بدخول طقسي على إيقاع ترويدة «تمهّلوا»، في مشهد وداعي للأسرى وهم يودّعون الشهيد كمال أبو وعر قبل أن يتحول إلى ملف ورقم محفوظ في سجلات السجون. ومن هذه اللحظة، ينتقل كمال إلى الثلاجة، حيث يلتقي بطيف الشهيد الأسير المحتجز أنيس دولة. هنا تتأسس إحدى أبرز لوحات العرض: لقاء بين شهيدين لا يتحدثان عن الموت بوصفه نهاية، بل عن المصير السياسي للجسد الفلسطيني بعد الموت، وعن معنى أن يُحرم الإنسان من حريته في حياته، ثم من حقه في الدفن والعودة إلى أهله بعد رحيله.
في هذا اللقاء الطيفي، تتحول الثلاجة من مكان بارد ومغلق إلى فضاء مسرحي وفلسفي. إنها ليست مجرد ثلاجة موت، بل أرشيف مؤجل، ومكان احتجاز رمزي، ومختبر للأسئلة السياسية والأخلاقية. فالشهداء لا يعودون في العرض بوصفهم أرواحًا غيبية، بل بوصفهم أسئلة حيّة، واتهامًا أخلاقيًا يواجه الأحياء: ماذا فعلتم بنا؟ ماذا فعلتم بقضية الأسرى؟ وماذا بقي من الثورة حين تتحول إلى شعارات ومراسيم وملفات مؤجلة؟
لم يُقرأ نص وليد دقّة بوصفه حكاية عن موتى فحسب، بل بوصفه نصًا عن الأحياء أيضًا؛ عن مجتمع يُمتحن أمام جثامين لم تُدفن، وذاكرة لا يُراد لها أن تستريح. فاحتجاز الجثامين، كما يطرحه العمل، ليس إجراءً عسكريًا أو أمنيًا فحسب، بل سياسة استعمارية تستهدف الجسد والاسم والذاكرة معًا. لا تنتهي الجريمة عند قتل الجسد، بل تمتد إلى محاولة محو أثره، ومنع عائلته من الوداع، وتحويل الشهيد من إنسان له اسم وحكاية إلى رقم في مقبرة أو ملف في ثلاجة.
تتحرك الأطياف في رام الله، تحاول إشعار الجميع بوجودها، لا طلبًا لمعجزة، بل مطالبةً بالحد الأدنى من الحق: أن تُفك أغلال الجثامين وتعود إلى أهلها. غير أن هذا المطلب «البسيط» يكشف في بنية العرض عجزًا أعمق في المشهد السياسي والمؤسسي، إذ تذهب المسرحية إلى مساءلة دور السلطة الفلسطينية ومؤسساتها في ملف الأسرى والشهداء، وتعرض جانبًا مما أصاب هذا الملف من ترهل إداري وبيروقراطي، في ما يُفترض أنه في صلب الوجدان الوطني.
مساءلة البنية الفلسطينية لا الاحتلال وحده
لا يكتفي العرض بإدانة الاحتلال وسياساته تجاه الأسرى والشهداء، بل يوسّع دائرة النقد لتطال البنية الفلسطينية ذاتها: المؤسسات التي تتحدث باسم النضال، واللغة التي تكرر الشعارات، والمكاتب التي تؤجل الفعل، والخطاب الذي يحوّل المناضلين إلى أيقونات وألقاب من قبيل «أسطورة النضال» و«عميد الأسرى»، بينما يبقى الفعل الحقيقي معلقًا، وتبقى الجثامين محتجزة، وتبقى العدالة مؤجلة.
في إحدى أهم طبقاته، يطرح العرض سؤالًا نقديًا حول تحوّل المسار النضالي إلى مسار ممأسس، محكوم بالإجراءات والملفات والتمويل والرضا الدولي. لكنه لا يفعل ذلك من موقع الوعظ، بل من خلال السخرية المسرحية التي تكشف المفارقة بين الخطاب والفعل. هنا يصبح المسرح مساحةً لمساءلة اللغة ذاتها: كيف تُستعمل مفردات من قبيل «الصمود» و«المقاومة» و«التحرير»؟ ومتى تتحول من أدوات فعل إلى بدائل لفظية عنه؟
ومن خلال تحويل الجسد المحتجز إلى طيف يتحرك ويسأل ويحتج، يترجم العرض رؤية وليد دقّة الرافضة لأن يتحول الشهداء إلى أيقونات صامتة أو أسماء مؤطرة في الذاكرة الرسمية. فالشهداء في هذه المسرحية لا يعودون لطلب الرثاء، بل لتحريك الوعي، ومساءلة الأحياء، ودفعهم إلى مواجهة صمتهم وعجزهم. إنهم لا يعودون بالجسد، بل بالأثر؛ بالصوت والصورة والكابوس والسؤال، وبالقدرة على جعل الغياب حضورًا مسرحيًا وسياسيًا فاعلًا.
سينوغرافيا الاقتصاد وكثافة الدلالة
على الصعيد البصري، صمّم الفنان التشكيلي محمد الراعي سينوغرافيا وأزياء تستند إلى الاقتصاد في العناصر وكثافة الدلالة. لم تكن الخشبة مزدحمة، لكنها بدت مشحونة بالبرودة والملفات والحضور الشبحي، متنقلة بين فضاءات السجن والثلاجة والشارع والمؤسسة. وقد أسهم هذا التصميم في خلق عالم بصري يقع بين الواقعي والغرائبي، حيث تتحرك الشخصيات كأنها خارجة من أرشيف حي لا يريد أن يُغلق.
وفي واحدة من أكثر علامات العرض ذكاءً، حضرت «العرباية» بوصفها عنصرًا بصريًا ساخرًا ومكثفًا، يستدعي صورة الدولة/المؤسسة وهي محمولة على عربة هشّة. وقد توقف الناقد أنس أبو عون عند هذا العنصر، معتبرًا أن استخدام «العرباية» كان من أكثر عناصر السينوغرافيا نضجًا ودلالة: دولة على عرباية.
أما الموسيقى التي أنتجها خصيصًا للعمل الموسيقي رامي وشحة، فقد شكّلت عنصرًا دراميًا فاعلًا لا مجرد خلفية صوتية؛ حملت توتر العمل بين الرثاء والسخرية، وبين الترويدة والإنذار، وبين برودة الثلاجة ونبض الذاكرة. وتكامل ذلك مع تصميم الإضاءة والتدخل التقني الذي اشتغل عليه فراس أبو صباح، بما منح العرض إيقاعًا بصريًا قادرًا على الانتقال السلس بين العتمة والتحقيق والانتظار والحضور الطيفي.
الأداء: طاقة جماعية وانتقالات متقنة
أدائيًا، ارتكز العرض على طاقة جماعية واضحة، وعلى مقدرة الممثلين على الانتقال بين شخصيات متعددة وأزمنة متداخلة. قدّم ضياء حرب ورائد خطاب أداءً متوازنًا في شخصيتَي كمال وأنيس، إذ شكّلت العلاقة بينهما مركزًا دراميًا للعرض؛ شهيد جديد يدخل فضاء الاحتجاز في مقابل طيف سابق خبر برودة الانتظار وطول الغياب. نجح الاثنان في بناء حوار بين الصدمة والسخرية، وبين الغضب والعبث.
وقدّم مؤيد عبد الصمد حضورًا لافتًا في دور السلطة بما يحمله من ثقل رمزي وسخرية سياسية حادة، بينما تنقّل إيهاب عابد بين شخصيات الحاجب والمحقق والجندي المغلوب على أمره، كاشفًا هشاشة المنفّذين الصغار داخل منظومات أكبر منهم. أما تامر طافش فقد تنقّل بين شخصيات متعددة المستويات، من شاعر الثورة إلى طبيب الثلاجة إلى مراجع هيئة شؤون الأسرى «أبو صقر»، وصولًا إلى «أبو العز» حارس المقبرة وصديق الأطياف. فيما أدّى مؤيد عودة عدة أدوار، كان أبرزها دور «عميد الأسرى» كما رسمه دقّة بسخرية قاسية: شخصية منهكة أمضت عمرها خلف القضبان، لكنها عاجزة حتى عن فهم قانون الأسرى؛ إشارة موجعة إلى ما يتركه الإهمال الطويل من أثر على الجسد والوعي معًا.
حين يلتقط النقد ما أنجزته الخشبة
أثار العرض، منذ افتتاحه، عددًا من القراءات النقدية التي التقطت مستويات مختلفة من بنيته الجمالية والسياسية. ففي زاويته «دفاتر الأيام»، كتب الأديب زياد خدّاش أن المسرحية جاءت خلافًا للتوقعات التي كان يمكن أن تدفع نصًا كهذا نحو المباشرة والشعارية؛ فحساسية الموضوع ومكانة مؤلفه الشهيد كانتا كفيلتين بدفع العرض نحو الخطابة والهتاف، غير أن فريق العمل نجح، بحسب خدّاش، في تحويل هذه البنية الثقيلة إلى لغة مسرحية هادئة تعتمد الإيحاء والصمت والهمس. ورأى أن مسرحة النص على يد غسان ندّاف لعبت دورًا أساسيًا في «إنقاذ العمل من حفرة الصراخ»، وأن المخرج محمد عيد كان واعيًا لمنطق المسرح، مقدمًا «لوحة ألم فلسطيني واحتجاج» دون أن تتحول الخشبة إلى منبر. وقد لخص خدّاش نجاح العرض بعبارته اللافتة عن الممثلين: لقد مرّوا «عن لغم الشعار دون أن ينفجر بهم».
وفي قراءة موازية نشرتها جريدة «القدس»، وضعت د. دلال صائب عريقات العمل في سياق أوسع من الخشبة، معتبرة أن نص دقّة لم يخرج من خلف القضبان بوصفه عملًا أدبيًا فحسب، بل بوصفه فعل مقاومة وجزءًا من معركة الفلسطيني على الرواية والذاكرة والوعي. فالقضية الفلسطينية، كما تشير عريقات، لم تكن يومًا صراعًا على الأرض وحدها، بل صراعًا على الرواية أيضًا؛ من يروي الحكاية، وكيف تُقدَّم للعالم. ومن هذا المنظور، يصبح المسرح والسينما والشعر والرواية أدوات لصناعة الإدراك، تتجاوز حدود السياسة المباشرة لتخاطب الإنسان في وجدانه.
أما أنس أبو عون، ففي مقاله المنشور في جريدة «الأخبار» اللبنانية بعنوان «وليد دقّة والشهداء عادوا إلى رام الله!»، فقد قرأ الثلاجة بوصفها استعارة لفلسطين المعلّقة. فالثلاجة، كما كتب، ليست مكانًا لحفظ الجثامين فحسب، بل صورة مكثفة عن واقع فلسطيني عالق بين التحرر والدولة، وبين الذاكرة والمؤسسة، وبين الخطاب السياسي والحياة اليومية. كما توقف عند جرأة المسرحية في كشف تحوّل قضية الجثامين من شأن وطني جمعي إلى عبء عائلي تتحمله الأسر غالبًا وحدها، في ظل تراجع الدور الرسمي والمؤسسي.
بين انتصار خدّاش للهدوء المسرحي على «لغم الشعار»، ورؤية عريقات للعمل في قلب معركة الرواية والوعي، وقراءة أبو عون للثلاجة استعارةً لفلسطين المعلّقة، يتأكد أن «الشهداء يعودون إلى رام الله» ليس مجرد عرض افتتاحي، بل لحظة مسرحية وثقافية تتقاطع فيها الجماليات مع الذاكرة، والنقد مع المقاومة، والفن مع الحق في الحكاية.
مسرح المساءلة
في زمن الإبادة واحتجاز الجثامين ومقابر الأرقام، تصبح الخشبة مساحةً لاستعادة ما يحاول الاحتلال مصادرته: الاسم، والحكاية، والطقس، والوداع، والحق في الذاكرة. لذلك لا يكتفي العرض بالقول إن الشهداء يعودون إلى رام الله، بل يسأل جمهوره: إذا عاد من ماتوا من أجل الحرية، فهل ما زال الأحياء قادرين على حمل معناها؟
بهذا المعنى، لا ينتمي «الشهداء يعودون إلى رام الله» إلى مسرح الحكاية المباشرة وحده، بل إلى مسرح المساءلة. إنه لا يكتفي بأن يروي حكاية الشهداء المحتجزة جثامينهم، بل يسأل: ما الذي يحدث للحركة الوطنية حين تعجز عن استعادة موتاها؟ وما الذي يحدث للذاكرة حين تتحول إلى طقس رسمي؟ وما الذي يحدث للمسرح حين يضع هذه الأسئلة على الخشبة أمام جمهور يعرف أن ما يراه ليس مجازًا كاملًا، بل امتداد لواقع يومي شديد القسوة؟
«الشهداء يعودون إلى رام الله» عرض عن الموت، لكنه ليس عرضًا ميتًا. وهو عرض عن الغياب، لكنه يجعل الغائب حاضرًا بقوة؛ لا كذكرى فقط، بل كصوت يستمر في مساءلة الأحياء.
بهذا الافتتاح، يؤكد مسرح الحرية حضوره بوصفه مساحة فنية فلسطينية تطرح الأسئلة الصعبة وتفتح النقاش حول الذاكرة والعدالة وحقوق الأسرى والشهداء. ومن خلال تقديم نص وليد دقّة على الخشبة، يتحول العمل إلى مساحة يستمر فيها صوت الكاتب حاضرًا، لا بوصفه ذكرى، ولا أرشيف صامت، بل بوصفه فعلًا مسرحيًا حيًا، لا يزال يسأل ويحتج ويقاوم، خرج من السجن، وعبر المخيم، واستقر على الخشبة، ثم عاد إلى الجمهور بوصفه سؤالًا مفتوحاً.
الإنتاج والشركاء
جاء العرض بدعم رئيسي من مؤسسة عبد المحسن القطان ضمن منحة «تحوّلات 2025»، والصندوق الثقافي الفلسطيني، إلى جانب أصدقاء مسرح الحرية حول العالم، وضمن سياق من الشراكات الثقافية التي ينسجها مسرح الحرية مع مؤسسات فلسطينية وعربية ودولية، من بينها سيرك فلسطين وجمعية الكمنجاتي الموسيقية.
وتولّى المصور ماهر جودة التوثيق البصري للعملية الإنتاجية والعرض، حافظًا بذلك على الذاكرة البصرية لهذا العمل، ومتيحًا لاحقًا قراءة أثره الفني والجمالي.
بهذا المعنى، لم يكن العرض عودة الشهداء إلى رام الله فحسب، بل عودة المسرح نفسه إلى موقعه: شاهدًا، ومحرّضًا، ومساحةً لاختبار معنى أن نبقى أحياء أمام ذاكرة لا تُدفن.

