- 8 آب 2026
- ثقافيات
من دفتري العتيق
بقلم : د. زيدان عبدالكافي كفافي
نشر الصهيوني رون واط (Ron Wyatt) عام 2023 في مجلة Bible and Spade بحثاً تحت عنوان:
“A Christian Apologetics Ministry Dedicated to Demonstrating the Historical Reliability of the Bible through Archaeological and Biblical Research”.
حاول فيه تحويل مسار خروج بني إسرائيل من مصر إلى شمال غربي الجزيرة العربية عوضاً عن فلسطين، وأن جبل اللوز في السعودية هو جبل سيناء " ويا همَّ لالي....".
مقدمة:
نحاول في دراستنا هذه تفنيد ادعاءات الهاوي الصهيوني المدعو "رون واط" ، الذي دخل بطريقة غير شرعية عام 1984م إلى المنطقة الشمالية الغربية من الجزيرة العربية حاملاً التوراة بيد والمعول باليد الأخرى، محاولاً أن يثبت على أرض الواقع وجود أماكن حط فيها الاسرائيليون عند خروجهم من مصر، متوجهين إلى أرض كنعان. ومن المحزن أن عدداً من الرهبان الإنجيليين واليهود قد اتبعوا وآمنوا بادعاءات هذا الشخص. ويذكرنا هذا المنهج، بالمنهج نفسه الذي اتبعته المدرسة التوراتية الانجيلية عند انشائها في نهاية القرن التاسع عشر(1865م) لإثبات صحة الأحداث التي وردت في النصوص التوراتية فجاؤوا إلى فلسطين يحملون التوراة بيد والمعول باليد الأخرى (The Bile and Spade). فشل هذا المنهج فشلاً ذريعاً، باعتراف التوراتيون أنفسهم، ومن هنا تأسست جماعة كوبنهاغن المعروفة باسم “Minimalists” لتقول أنه لا يجب الاعتماد بشكل كلي على النصوص التوراتية في تفسير الظواهر الأثرية.
نشط الصهيوني Ron Wyatt منذ عام 1979م بالبحث في الأنفاق الممتدة أسفل بناء المسجد الأقصى، وكذب وادّعى بعثوره على آثار اسرائيلية تعود لبداية تأسيس الدولة الاسرائيلية الموحدة. وهذا افتراء شكك كثير من الباحثين فيه. وبعد فشله وفشل المدرسة التوراتية في اثبات صحة المعلومات التوراتية، يتم في الوقت الحاضر نقل "قصة خروج بني اسرائيل"، خاصة الطريق التي سلكها هؤلاء من مدينة "رمسيس/ تل الضبعة" في مصر إلى بلاد كنعان. فعوضاً على أن الجمع الاسرائيلي الخارج من مصر دخل إلى سيناء ومن ثم إلى جنوبي بلاد الشام، وبعدها عبروا نهر الأردن إلى أريحا في فلسطين (كما كان يقول التوراتيون)، ينحرف خط السير الآن ليذهبوا إلى "مدين"، حيث النبي شعيب والد زوجة النبي موسى (تسيبورا/عصفورة) بشمال غربي الجزيرة العربية. وهنا وفي نظرنا تكمن الخطورة الآن، وللأسباب الآتية:
- توسيع الرقعة الجغرافية التوراتية لتشمل "مدين"، أي شمال غربي السعودية وجنوبي الأردن، وجنوبي فلسطين.
- الادعاء بالحق التاريخي لليهود في هذه المنطقة.
- لإثبات هذا الحق في هذه المنطقة لا بد من اجراء دراسات أثرية ميدانية فيها (كما كان الحال في فلسطين).
- تتبع شبه جزيرة سيناء لمصر، وهذا يعني أن الخروج كان من مصر إلى شبه الجزيرة العربية مباشرة دون المرور بأي مكان آخر.
كانت البداية حين توجه اللاهوتيون بأنظارهم إلى منطقة شمال-غربي المملكة العربية السعودية، خاصة بعد السماح للبعثات الأجنبية للعمل والبحث الميداني في السعودية بعد عام 2000/2001م. علماً أن عدداً من التوراتيين زاروا المنطقة قبل هذا التاريخ وكتبوا عنها دون ذكر أن لها علاقة بالتوراة، كما أن مشروع المسوحات الأثرية السعودي الذي جرى في سبعينيات القرن الفائت، كان قد غطى هذه المنطقة دون وجود أي إشارات للعلاقة بين خروج بني إسرائيل من مصر وهذه المنطقة. إذ تم في حينه نشر عدداً من الأبحاث حول نتائج هذه المسوحات في مجلة "الأطلال" الصادر ة عن إدارة الآثار والمتاحف السعودية، إذّاك. كذلك قام بعدها، واعتماداً على دراسات أثرية ميدانية عدد من الآثاريين السعوديين بنشر مجموعة من الدراسات والأبحاث الأثرية الأصيلة، مثل دراسات حول مواقع، مدائن صالح "الحجر" و "البدع" و "تيماء"، وغيرها. كما تقوم الآن عدة مشاريع مشتركة مع جهات فرنسية وألمانية بشكل خاص في عدد من المواقع في المنطقة الشمالية الغربية للسعودية مثل، حفريات ددان (جامعة الملك سعود)، ومدائن صالح (سعودية-فرنسية) وتيماء (سعودية - ألمانية) وقريّه (سعودية- ألمانية/نمساوية). وللأسف فإن نتائج جميع هذه الدراسات التي تمت وتتم بمنهج علمي صحيح لم تجد أي اهتمام من قبل الباحثين اللاهوتيين الصهاينة الذين يصرون على علاقة المنطقة بالأحداث التوراتية.
كما ذكرنا أعلاه من بين التوراتيين الهواة، الممرض Ron Wyatt ، الذي زار المنطقة وادّعى بأن جبل اللوز هو جبل سيناء، ثم تبعه في الوقت الحاضر مجموعة من اللاهوتيين الذين اتبعوا منهج التوراة بيد والمعول بيد أخرى، ووثقوا رحلاتهم بواسطة أشرطة فيديو تلقى انتشاراً واسعاً بين الناس دون مناقشة أو حتى دحضها. وأتمنى ألا يتبع هذا المنهج بعضاً من الباحثين العرب. ولتفنيد ما ورد في بحث/ مقالة Ron Wyatt من ادعاءات، نقدم أدناه مناقشة لها:
- بين جبل سيناء وجبل اللوز:
إن تحديد موقع "جبل سيناء" المذكور في التوراة في بلاد "مدين"، ومقابلته ب "جبل اللوز" غير صحيحة، وغير مقبولة وذلك للأسباب الآتية:
- صعوبة تحديد حدود مصر الشرقية في ذلك الوقت، ونتساءل عن طبيعة العلاقة بين شبه جزيرة سيناء ومصر في ذلك الوقت، أي هل كانت شبه جزيرة سيناء تابعة لها أم لا؟ إذ وعلى سبيل المثال كشفت المسوحات والحفريات الحديثة والتي أجرتها بعثة مصرية أن سيناء كانت تابعة للأنباط في يوم من الأيام.
- يقع "جبل سيناء" خارج “مدين" بكل تأكيد، على الرغم من أن بعضاً من العلماء التوراتيين من أمثال Cross/ جامعة هارفرد، يوافقون رأي Ron Wyatt.
- عدم اتفاق الباحثين، خاصة اللاهوتيين، حول تحديد موقع "جبل سيناء"، واعتباره من قبل بعضهم أنه خارج شبه جزيرة سيناء. ومن نافل القول أن أحدهم ويدعى (Teman) يرى أنه يقع بجنوبي الأردن
- مناقشة الشواهد الأثرية والجغرافية:
نقدم أدناه مناقشة لمحاولة مطابقة الواقع الجغرافي لسيناء وشمال غربي الجزيرة العربية مع ما ورد من وصف توراتي لهاتين المنطقتين. أي وصف الطريق الذي سلكه الاسرائيليون في خروجهم، والمنطقة البحرية التي تراجعت فيها المياه ليتمكنوا من العبور.
- بالنسبة للشواهد الأثرية: نرى أن الوصف للمكتشفات الأثرية التي سجلها أصحاب نظرية أن جبل اللوز هو جبل سيناء، اعتمد على النص التوراتي وليس على الواقع الأثري الحقيقي الذي يعتمد على نتائج الدراسات الأثرية الميدانية.
- لم يأخذ أنصار الادعاء بأن جبل اللوز هو جبل سيناء بنتائج الدراسات الميدانية الأثرية التي أجراها ونشر نتائجها الباحثون السعوديون، وحتى شركائهم.
- زوّر المناصرون لادعاء Ron Wyatt تاريخ الآثار المتواجدة في المنطقة، مثل، رسومات الأبقار الصخرية العائدة للعصر الحجري الحديث واعتبارها معاصرة لفترة الخروج، وكذلك بخصوص الكهوف والقبور النبطية واعتبارها مدينية.
- تذكر النصوص التوراتية أن موسى بنى مذبحاً، وليس بني اسرائيل، وما هو موجود في منطقة شمال غربي السعودية هو بناء ضخم لا يستطيع شخص منفرد بناءه.
- يرى المناصرون لنظرية "رون واط" بأن "جبل سيناء" ليس في شبه جزيرة سيناء يعود لغياب الشواهد الأثرية فيها. لكنهم يغضون الطرف على أن طبيعة الاسرائيليين الخارجين من مصر كانت بدوية، لذا لم يتركوا خلفهم أية آثار.
- بالنسبة للشواهد الجغرافية:
ينسحب تحت هذا العنوان البحث عن تحديد المكان الذي تراجعت فيه مياه البحر الأحمر ليتمكن الاسرائيليين عبورها في طريقهم لبلاد كنعان، وطبيعة هذه المنطقة جغرافيتها وتضاريسها. لكننا نتساءل، لماذا تحديد هذا المكان أصبح هاماً للتوراتيين في الوقت الحاضر؟ فقد بحثوا سابقاً عن المكان الذي عبروا فيه نهر الأردن إلى كنعان، ولم يعثروا عليه حتى الحاضر. على أي حال، هناك اقتراح بتحديد خمس مناطق لتراجع مياه البحر (بحر سوف)، وهي على النحو الآتي:
- مياه بحيرة البردويل.
- منطقة البحيرة المرة وبحيرة التمساح وبحيرة البلح "امتداد بحيرة المنزلة".
- المنطقة الوسطى بين رأس خليج السويس والبحر المتوسط "أي منطقة البحيرات المرة".
- منطقة رأس خليج السويس.
- منطقة نويبع/ خليج العقبة، ومضائق تيران.
ما هي المشاكل في أن يكون خليج العقبة هو مكان العبور؟
تواجه أصحاب مقترح أن يكن خليج العقبة هو مكان العبور عدد اً من المشاكل:
- يعتمد تحديد جميع هذه المناطق إذا تم التوافق على تفسير أو تحديد أين يقع "بحر سوف"؟ فهل هو خليج السويس أم خليج العقبة؟ علماً أن الكتابات المصرية القديمة تذكر أن الملك سنوسرت قد شق قناة في حوالي 1900 قبل الميلاد ربما من رأس خليج السويس.
- يقترح أصحاب نظرية أن مكان العبور هو خليج العقبة أن المكان الذي عبر منه الاسرائيليين كان من إما منطقة نويبع، أو مضائق تيران. لكن هذا المقترح يواجه الرفض للأسباب الآتية:
- بُعد المسافة بين منطقة نويبع ومدينة رمسيس/تل ضبعة.
- صعوبة طوبوغرافية منطقة تحت الماء في منطقة نويبع مما يشكل صعوبة في مسير الناس وسير العربات.
- أما بالنسبة لمنطقة مضائق تيران، فالمنطقة بين مدينة رمسيس (تل الضبعة) والمضائق بعيدة جداً وتبلغ حوالي 350 ميلاً.
- صعوبة تضاريس منطقة جزر تيران وطوبوغرافيتها وكيفية تواصلها مع بعضها بعضا، فهي تحتاج إلى جسور.
كما قدم الباحث سؤالاً حول المدة الزمنية التي احتاجها بني اسرائيل للوصول من مدينة "رمسيس/تل الضبعة الحالي" حتى وصلوا البحر الأحمر. تذكر النصوص التوراتية أن المسافة المكانية بين مدينة رمسيس والبحر الأحمر احتاجت للإقامة في ثلاثة أماكن، هي: (Succoth, Etham and Migdol)واستغرقت المسافة بين منطقة وأخرى مسير ثلاثة أيام. النتيجة، يجب استبعاد منطقة خليج العقبة على أنها كانت مكاناً لعبور بني اسرائيل إلى "مدين".
الخاتمة:
لا تثبت الشواهد الأثرية والجغرافية والجيولوجية والتاريخية، وحتى النصوص التوراتية نفسها ما يدل على أن "جبل اللوز" في شمال غربي الجزيرة العربية هو "جبل سيناء" المذكور في التوراة إلاّ في أذهان الإنجيليين وأصحاب الديانة اليهودية الصهاينة منهم.
ملاحظة: لو صح الكلام أن التوراة جاءت من جزيرة العرب، وأن اليمن هي إسرائيل، فهل يحرر هذا فلسطين؟ أم يضيف الجزيرة إلى أطماع الصهيونية. إذن لماذا البحث في هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات والإصرار عليه، ومحاولة إثباته، ولمصلحة من؟ والأدهى من ذلك على يد مدرسة عربية.
عندما نسأل عن التوراة (العهد القديم) نقول أنها غير دقيقة المعلومات، وأنها كتبت في مرحلة متأخرة جداً عن وقت النبي موسى، وعلى الرغم من هذا نذهب مسرعين لاثبات صحة ما جاء فيها، ونعدها مصدراً أصلياً في بحثنا.

