• 22 آب 2026
  • ثقافيات

 

بقلم : ا.د. زيدان عبد الكافي كفافي 

القدسية والقداسة أي تقديس المكان والانسان، وهذا ما كان منذ بداية العالم. إذ عاش الناس في بداية حياتهم على الجمع والصيد والالتقاط لذا كانت الأماكن التي توفر فيها مصادرهم الغذائية مهمة جداً في استمرار حياتهم، فأصبحت هي الوطن. والأوطان تكتسب صفة التقديس لدى أصحابها، حتى وإن لم تكن مقدسة بمفهوم القداسة. لكنها تصبح كذلك بعد أن تقام فيها معابد، وكنس، وكنائس ومساجد وجوامع، هذا بنظرنا، وتزداد قدسيتها إن ولد على أرضها أو عاش على أرضها، أو حتى مرّ بها أنبياء. وهذه كلها مرتبطة بالدين والعبادة والتعبد. وبهذا إضافة إلى المكان المقدس أصبح هناك شخص مقدس هو النبي. 

ولم تقف حدود القداسة عند المكان والإنسان، بل تعدته إلى الحيوان، ففي زمان بدء البشرية كانت هناك الحيوانات المفترسة التي شكلت خطراً كبيراً على حياة البشر، فكان لا بد له إمّا أن يحاول قتلها دفاعاً عن النفس، أو التقرب إليها لعظمتها وقوتها. وتدلنا بعض رسومات الكهوف الأوروبية على ذلك، لا بل فإن "الثور/البقرة" كان له دور كبير في النواحي الدينية منذ أن تحول الناس إلى الزراعة، إذ عثر في مواقع من العصر الحجري الحديث على دمى لهذا الحيوان تدل على أهميته وقوته.  

لم يقتصر الأمر على تقديس المكان والانسان والحيوان، بل اتسع وتحول لشمل الأرض الواسعة فخرج علينا الفرنجة بمصطلح "الأرض المقدسة Holy Land"ـ وبذلك لم تعد "أورشليم" هي المقصد، بل أينما كان لنسل يعقوب قصة، حتى لو تذكر إلاّ في التوراة. وامتدت القصص من الفرات إلى النيل، بل توسعت في الحاضر لتصل اليمن، ويساعد باحثون عرب على إثبات ذلك. أحار في أمر الناس، نقول أن كتاب العهد القديم قد حرّف، خاصة وأنه كتب بعد أن أستلم موسى الصحف على جبل سيناء بمئات السنين، وأن كتّابه قد تأثروا بحياة وديانة وادي الرافدين، وأصبح الآن هو الدليل. جاء الآثاريون الغربيون إلى بلادنا يحملون المعول بيد والتوراة بيد أخرى، وأما الآن فيحمل بعض الباحثون العرب التوراة بيد ويذهبون إلى اليمن بحثاً عن مظهر طبيعي يشابه الوصف التوراتي.

لن أناقش في هذه العجالة مصطلح "ارض الميعاد" الواردة في النصوص التوراتية بصيغ متعددة هي: أرض إسرائيل وهي أرض الرب (يوشع 9: ، تثنية 11: 123)، ونعلم أن الإسم "إسرائيل" منحه الرب لشخص "يعقوب" أي لإنسان وليس صفة لأرض أو مكان، و"الأرض البهية" (دانيال 11: 16)، والأرض المقدسة (زكريا 2: 12)، والأرض المختارة التي وعدها الله لإبراهيم ونسله وهي من النيل للفرات.

هذه مقدمة سريعة وكل موضوع منها سواء قدسية المكان أو الإنسان أو الحيوان منها بحاجة إلى كتابة بحث عنها، وهذا ليس هدفنا في هذه الخاطرة. الهدف من هذه الإضاءة السريعة القاء الضوء حول القصة الدينية لأن الأمر لا يتعلق بأصحاب الديانة الإسلامية فقط، بل الديانتين السماويتين الأخريين اليهودية والمسيحية. ومكان هذه الديانات الثلاث ممتد من العراق إلى مصر. وعلى الرغم من الصراعات الدموية بين أبنائها، إلاّ أنها التقت على أن المكان المقدس هو الذي ولد، أو عاش، أو دعى فيه هذا النبي أو الرسول إلى دينه. 

كانت مدينة "أور" بجنوب العراق، منطلق رحلة إبراهيم "أول مسلم"، إلى بلاد الشام ومنها إلى مصر مع زوجته سارة، ومن بعدها نقل هاجر وابنها إسماعيل إلى "بكة" في الحجاز. وكلنا يعرف قصة النبي "موسى" ومكان ولادته في مصر ونشأته في قصر الفرعون بعد أن وضعته أمه في سلة في نهر النيل (كما كانت سلة سرجون الأكادي)، وقدومه إلى موقع "مدين" وزواجه من ابنة النبي "شعيب"، وعودته إلى مصر مع عائلته، ومن بعدها خروجه مع قومه الذين أتوا إلى مصر مع اهل النبي "يوسف" متوجهاً إلى فلسطين، بلاد كنعان. ومن هنا أصبحت جميع المواقع التي تواجد فيها قوم موسى وأقاموا لهم مكاناً للعبادة، حتى وإن كانت خيمة، أو نخلة، أو بئر مكاناً مقدساً عند اليهود. وللعلم فإن جميع هذه المرويات موجودة فقط في الكتب الدينية، ولم يعثر عليها حتى الآن في أي مصدر تاريخي.

أما السيد المسيح (عليه السلام)، والديانة المسيحية، فقد تم التوافق على أن مكان ولادته كانت في بيت لحم بفلسطين، ونشأ في الناصرة، وجال في برية الأردن وتعمّد في أرضه، وانتهى به الأمر في أورشليم. وبعد أن أصبحت الديانة المسيحية ديناً رسمياً للدولة الرومانية بعد عام 324 ميلادية، انتشر بناء الكنائس في أصقاع بلاد المشرق، فشاع التعبد وتقديس المكان والبناء. وحيث أن أصحاب المسيحية يؤمنون بأن السيد المسيح قد صلب، أصبحت إشارة الصلب رمزاً لهم، ومن يسيء إلى هذه الإشارة سيواجه عقوبة كبيرة.

وإذا ما ذهبنا إلى الدين والقدسية في الإسلام، فإن الحجاز هي مكانها الواسع، ومكة والمدينة هما مكان البدء، في الأولى الكعبة التي رفع بنيانها إبراهيم وإسماعيل قبل الإسلام، والتي قدسها العرب قبل الإسلام وبعده، وأما المدينة فهي عاصمة الإسلام السياسية، ومرقد النبي محمد عليه الصلاة والسلام وصحبه. كما أن النبي محمد وقبل نزول الوحي عليه "جبريل" جاء مع عمه أبو طالب في تجارة إلى بلاد الشام فهل نعدّ خطواته على أرضها ونقول أنها جميعها مقدسة؟ وإذا قبلنا في الأمر فإنني أقبل أن تكون "ميفعة/ أم الرصاص" مكاناً مقدساً...!

كان جمعُ الباحثين العرب، وغيرهم من غير العرب، قد اتفقوا على قدسية الأماكن التي لها علاقة بأنبياء الديانات السماوية الثلاث (موسى، وعيسى، ومحمد)، وتمركزت القصة التوراتية على أخبار نسل يعقوب بن اسحق بن ابراهيم، وأهملت أخبار إسماعيل بن إبراهيم لأنه ابن الجارية "هاجر"، فكان هذا التحيز الأول في العلاقة العائلية في القصة الدينية التوراتية.  كذلك هناك أبحاث ودراسات متعددة حول حياة النبيين عيسى ومحمد، وديانتيهما.  

اختلف الأمر مع بداية الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر الميلادي، إذ أن النصوص التوراتية لم تذكر أنه كان لأصحاب موسى وقومه وطن ثابت، بل تفرد تفصيلاً لحركة هؤلاء القوم وتتبعت خطواتهم في كل مكان ذهبوا إليه. وحيث أن أصحاب هذه الديانة اليهودية كانوا مكروهين في أوروبا لسيطرتهم على الاقتصاد فيها، لذا وضع الأوروبيون الخطط والمشاريع للتخلص منهم وإخراجهم من بلدانهم إلى أي مكان آخر في العالم، فوجد بلفور في فلسطين الوطن المناسب لليهود لأن القصص التوراتية تشير إلى وجودهم فيه، وهنا تبدأ حكايتنا مع البحث في الأرض التوراتية المقدسة من حيث مكانها. 

بناء عليه بدأت الجهات الأوروبية البحث عم وسيلة تربط هؤلاء القوم بأرض أي أرض، فأصبح لا بد من دراسة البلاد والعباد في فلسطين ومحاولة مطابقتها مع ما ورد في كتاب العهد القديم من قصص.  وهذا هو نفس المنهج الذي يتبعهم بعضهم في نقل القصة الدينية اللاهوتية من أرض فلسطين إلى أرض اليمن.  ولإعطاء الأمر صفة علمية ومقبولة لدى الناس تم في عام 1865م إنشاء أول جمعية أسسها أساقفة الكنيسة في كانتربري هدفت لإثبات صحة ما جاء في التوراة، وأن فلسطين هي المكان، علماً أن الأوروبيين ومن بعد الحروب الصليبية لم ينقطعوا عن زيارة البلاد العربية عامة، وفلسطين خاصة، من خلال الرحالة والمستكشفين. على أي حال، تبع تأسيس "جمعية صندوق اكتشاف فلسطين" تأسيس معاهد وجمعيات أوروبية وأمريكية أخرى. نتيجة لهذا جاء إلى فلسطين مجموعة من الباحثين يحملون المعول بيد والتوراة بيد أخرى، وركزوا حفرياتهم في مواقع ذكرتها التوراة، مثل، أريحا (تل السلطان)، وتل المتسلم (مجدو)، وبيسان. ثم ظهر الأمريكي وليم فوكسويل أولبرايت الذي آمن بما ورد في النصوص التوراتية التي تقول أن أهل الخروج دخلوا إلى بلاد كنعان عنوة، أي عن طريق الحرب، فبحث أصحاب مدرسته عن الطبقة التي حرقها الإسرائيليون أثناء دخولهم لفلسطين. وبقي هذا المنهج في البحث الميداني سائداً حتى عام 1994م، حين ظهرت مدرسة "كوبنهاغن"، ومن بين أعضائها آثاريين إسرائيليين، والتي دعت إلى عدم الاعتماد الكلي على النصوص التوراتية في الدراسات التوراتية، لفشل مدرسة وليم أولبرايت.

كان عام 1994م، عاماً فاصلاً ليس فقط في العلاقات العربية الإسرائيلية، إذ أنه وبعد اتفاقية السادات وبيغن في عام 1978م، تم توقيع اتفاقيات سلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية والأردن، وبدأت تعود بقوة إلى سطح الدراسات الأثرية ما نادى به الباحث والمؤرخ الفذ كمال الصليبي "التوراة جاءت من جزيرة العرب". وبرز على الساحة التاريخية/الأثرية باحث عراقي اسمه "فاضل الربيعي"، رحمه الله، وقد ملأ الساحة بالكتب التي تجادل بأن أرض الميعاد هي "اليمن" وليس فلسطين. 

لم يظل فاضل الربيعي (رحمه الله) هو الوحيد المنادي بنقل القصة التوراتية والقدسية من فلسطين إلى اليمن، بل لحقه باحثون عرب آخرون، نشر أحدهم كتباً بعنوان "التوراة الحجازية"، وجادل بأن الملك/النبي "داود" ولد في نجد، وأن الكعبة المشرفة "هي هيكله". بل وبدأت الدائرة تتسع حتى ظهر "عمر شوتر" الذي أكد على أن ما يذهب إليه الربيعي وأكد أن أرض الميعاد هي اليمن وهو أرض وأصل الحكاية التوراتية، ووصل إلى هذه النتيجة بعد بحث طويل استغرق أربعين عاماً. وأما الانتشار الواسع في نشر هذه الفرضية فيبدع فيه "باسم الجمل" من خلال بودكاست يقابل فيها باحثين، خاصة الباحث والمتخصص اللغوي "يوسف أبو عواد"، من مختلف التخصصات دعماً لوجهة النظر هذه. للجميع منهم كل الاحترام، لكني لا أتفق وإيّاهم على زمان القيام بمثل هذه الدراسات والأبحاث، أتمنى أن نلتفت لتعظيم تراثنا العربي الإسلامي/ المسيحي.

هذا من ناحية مكان أرض الميعاد، لكن ماذا بخصوص الدين؟ مع تشكل مدرسة الربيعي سطع نجم "خزعل الماجدي" في إصدار مجموعة كبيرة من المؤلفات التي تبحث في الديانات وأصولها وأصحابها.  لكن الماجدي لم يذهب إلى ما ذهب إليه الآخرين في أصل أرض الميعاد، بل اكتفي بالبحث في طبيعة الديانات ومدلولاتها، وأهلها. ومن الذين حاوروا الأديان، الباحث المصري "يوسف زيدان".  وأما صاحب المدرسة واسعة الانتشار في دراسة تاريخ الأديان والميثولوجيا القديمة فهو السوري "فراس السواح". وبرأيي، أن علينا أن نترك مساحة للفكر، لكن أن نناقشه الحجة بالحجة، ونبتعد عن التشنج... أنا الوحيد الذي أعرف.  استمتع كثيراً بمحاورة فراس السواح وخزعل الماجدي، وإن كنت اختلف أو أتفق معهما، جمعتهما طريق واحدة، وأكثر ما يعجبني فيهما هو الابتعاد عن السياسة.  وكوني أهتم كثيراً بما يكتبه المفكر السواح وجدت أنه لا بد من تسليط بعض الضوء عليه.

 ولد العالم والمفكر فراس السواح في حمص، وهو متخصص في تفكيك ودراسة الأديان في وادي الرافدين وبلاد الشام، ومن أشهر كتبه:

  • مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة /سوريا وبلاد الرافدين.
  • لغز عشتار: الألوهية المؤنثة وأصل الدين والأسطورة.
  • كنوز الأعماق: قراءة في ملحمة جلجامش.
  • دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني.

إذن شهدت تسعينيات القرن الفائت ظهور جدليتان، شككت الأولى في المكان المقدس التوراتي وطالبت بنقله من جنوبي بلاد الشام (فلسطين والأردن) إلى اليمن، وأما الثانية فبحثت في أصول الدين وغمزت بطرف عينها على الأديان السماوية. 

واجهت جدلية المكان معارضة ومناقشة من عدد من الباحثين العرب، وعلى رأسهم محمد المرقطن، وحمدان طه، وقليل آخرون. وقد تبادل الطرفان الحجج والاثبات العلمية، كل يدعي صحة موقفه. لا أدري لماذا يأخذ موضوع أرض الميعاد كل هذه الجلبة من الباحثين العرب وفلسطين واليمن هما أرض عربية. لا يهمني أين هي الأرض التي وعدها "يهوه" لإبراهيم ونسله، وعجبي كيف ينسى الناس أن إسماعيل هو الابن الثاني لإبراهيم، وله نصيب من ورثة أبيه، أو وعد (يهوه) بالأرض من النيل إلى الفرات، هذه حدود بشرية وليست ربانية وليفتكر أهل الفكر والدين بهذا. أنا أفتخر بكل مفكر عربي حتى وإن اختلفت آرائنا، ففي دراستي للآثار أتعرض لدراسة الأديان في العصور القديمة، كما أدرس الكتابات والنصوص التاريخية وأناقشها بيني وبين نفسي، وأكوّن رأياً أقرب أو أبتعد فيه من الآراء الأخرى لكن تبقى فلسطين هي فلسطين، واليمن هو اليمن عندي.