- 11 حزيران 2026
- نبض إيلياء
في هذه الايام يعيش المقدسيون اياما عصيبة صعبة على جميع الأصعدة النفسية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية . فهذه الأيام تعيش القدس ذكرى احتلالها وسلخها عن عمقها العربي بين ليلة وضحاها ، وفي اقل من اربع وعشرين ساعة .
تلك المدينة التي كانت ذات يوم عاصمة العواصم العربية، أصبحت خلال فترة قياسية مدينة منكوبة حزينة مدمرة، فقدت كل شيء ، وغطت النيران والدماء شوارعها وأزقتها واحيائها، وتشحت نسائها بالسواد حداد على الفتية والشبان الشهداء الذين قتلوا تلبية لنداء الدفاع وواجهوا آلة الدمار والقتل الإسرائيلي بأيد عارية واسلحة معطلة وصدور شامخة فكانت النتيجة موت واحتلال ودماء ولم يرحم المحتل أي كائن حي كان يتحرك ، واستشهد الكثيرون ودخلت المدينة في مرحلة المغول والخراب ….
القدس بعد 59 عام على فقدان بوصلتها وعمقها العربي ، أصبحت مدينة تائهة يبحث أبنائها عن الطريق والوالد عن ولده والزوجة عن زوجها ، واختلط الحابل بالنابل بأمر المحتل الذي لم يعرف ولا زال لا يعرف كيف يتعامل مع هذه المدينة وسكانها العرب ، فهو يريدها مدينة بدون بشر بدون روح ، ويتمنى أن يرحل الجميع وتختفى حكايات المدينة العربية الاسلامية المسيحية ، ولهذا نجده تارة يهدد بالابعاد ، وتارة يدعو الى الاندماج وتارة ثالثة يفرض العقوبات، وتارة يقتل ويعتقل…
القدس بعد 59 عاما بالنسبة للمحتل هي معضلة ديموغرافية أمنية ، وشعاراته الرنانة هي بهدف فرض سيادته بالحديد والنار. فاي عاصمة في العالم يكون أكثر من 40٪ من سكانها منبوذين يشكلون خطرا على مدينتهم في عيون السلطات هناك !!!!!
ما علينا
المهم ، انظروا ما حل بالقدس منذ احتلال إسرائيل ، في القدس بعد 59 عاما لم يتم بناء حي واحد ، لم يتم إنشاء منطقة صناعية واحدة ، وبدل ذلك قامت إسرائيل بتدمير قطاع التجارة بالكامل وأنهكت قطاع السياحة إلى حد نقطة الانهيار، اصبحت الغالبية العظمى من اليد العاملة في القدس تعمل في إسرائيل فيما يعرف بالعمالة الرخيصة لأن الغالبية يعمل في قطاع الخدمات الذي يعاني من رواتب منخفضة جدا وهذا زاد من حالة الفقر إلى أكثر من 60٪ من سكان القدس .
وفي قطاع الصحة فإنه لولا المراكز الصحية المائة المنتشرة في الأحياء العربية التابعة لصناديق المرضى الاسرائيلية ، لما تمكنت المنظومة الصحية الاسرائيلية بما في ذلك صناديق المرضى من تقديم الخدمات للعرب في المدينة، اضافة الى المستشفيات العربية.
أما المستشفيات الاسرائيلية التي لا تستطيع اصلا استيعاب اليهود أنفسهم بسبب الاكتظاظ وسوء البنية التحتية فإن أكثر من 40٪ من العاملين فيها هم من العرب الذين لا يمكن الاستغناء عنهم .
وفي مجال التعليم ، فان القدس بعد 59 عاما فان السلطات الاسرائيلية غير قادرة على توفير التعليم الأساسي والذي هو حق من حقوق المقدسيين ، ولولا المدارس الخاصة والأهلية العربية سواء المسيحية او الاسلامية او الخاصة ، لكان قطاع التعليم التابع لإسرائيل قد أصيب بالشلل التام ، ورغم ذلك فان السلطات الاسرائيلية أجبرت المدارس التي تلهث وراء الدعم المالي الإسرائيلي ا تطبيق المنهاج الإسرائيلي ومنع تعليم المنهاج الاردني اولا والفلسطيني ثانيا ، ومنذ عامين منعت اسرائيل فتح أي صف من الأول الابتدائي لتعليم المناهج العربية ، فقط للتذكير ان هناك اكثر من 10 آلاف طالب لا مقاعد دراسية لهم في القدس لا المدارس الاسرائيلية ولا المدارس الاهلية والخاصة ، وهذه مسؤولية المحتل ..
القدس بعد 59 عاما الفجوات بين القدس الشرقية والقدس الغربية اخذ بالاتساع رغم الكلام الفارغ عن سد الفجوات ، بين المدينتين المختلفين المنفصلتين عن بعضهم البعض بكل شئ .
فعلى سبيل المثال يعيش أكثر من 400 ألف مقدسي عربي على مساحة لا تزيد عن 10 الف دونم من مساحة القدس الاجمالية .
بينما يعيش اقل من 250 ألف مستوطن في القدس الشرقية على اكثر من 34 ألف دونم .
تم إخراج ما تبقى من الأراضي العربية من كل مخططات البلدية المستقبلية للتوسع العمراني ، وذلك بهدف خنق العرب في أحيائهم التي لا تسعهم ، فالقدس بحاجة الى اكثر 1700 شقة سنويا نتيجة الزيادة الطبيعية للسكان ، كما أن المدنية محتاجة إلى بناء 70 ألف وحدة سكنية بشكل فوري لسد العجز في الوحدات السكنية.
لهذا نجد أن أكثر من 175 ألف نسمة من سكان المدينة أجبروا على السكن في الأحياء خارج الجدار العنصري في أكثر من 70 ألف شقة بنيت جميعها بدون تراخيص وبعلم بلدية القدس التي لم تصدر أية أوامر هدم ، فطالما أن هذه الشقق خارج الجدار فلا مانع لدى المحتل ، بينما في القدس الغربية نراهم يسمحون ببناء عمارات تزيد من 40 طابقا وحدائق عامة …
القدس بعد 59 عاما يصاب سكانها بالحزن والأسى عند سماعهم الاسطوانة المشروخة المتكررة من قبل المسؤولين في البلدية والحكومة الإسرائيلية ميزانيات لسد الفجوات بين القدس الشرقية والغربية ، فهذه الميزانيات وان تم تخصيصها حقا فهي من أجل المستوطنين هذه الأموال تساعدهم في الاستيلاء على مزيد من المنازل والأراضي العربية، بينما ينفق القسم الآخر على عملية تسوية الأراضي لصالح اليهود ، كما تم الاستفادة مما تبقى من تلك الميزانية لصالح بناء مزيد من مراكز الشرطة في الأحياء العربية والمراكز الجماهيرية التي هي عمليا مراكز لترويض العرب وربطهم مع البلدية وخدماتها التي لا تقدمها اصلا .
القدس بعد 59 عاما بات واضحا انه لا فرق بين اليسار واليمين الاسرائيلي بخصوص القدس والسيطرة عليها ، فالواقع التاريخي يقول ان ما تعانيه القدس منذ لحظة احتلالها هو من بنات أفكار وتطبيق اليسار الإسرائيلي من ايام بن غوريون الى تيدي كوليك والان وصول الى هذه الحفنة من المتطرفين التي تعتبر كل العرب وخاصة في القدس تهديدا أمنيا يجب التخلص منه .
القدس بعد 59 عاما ، يمكن ان القول ان إسرائيل غير قادرة على تحمل مسؤولياتها في القدس الشرقية ، ولكنها قادرة على العمل كل ما باستطاعتها لتعميق سيادتها اليهودية في المدينة على جميع المستويات ورغم ذلك فإنها لا تزال بعد 59 عام على الاحتلال تبحث عن رموز لهذه السيادة اليهودية الإسرائيلية في القدس .
وكما قال صديق لي بعض ان قراء هذه الارقام ان القدس تغلي وأنها فوق برميل من البارود قابل للانفجار ذات يوم بسبب السياسات الإسرائيلية ، عنوانها الأكبر السيطرة على القدس ، تزامنا مع إجماع شبه كامل في أوساط المجتمع الاسرائيلي بكل اطيافه اليساري واليميني على حد سواء على أن السيادة على المسجد الأقصى يجب أن تكون لليهود فقط.
وللحديث بقية …
خليل احمد العسلي

