• 11 آذار 2026
  • حكايات مقدسية

 

 بقلم : الشيخ الباحث مازن اهرام 

 

بسم الله الرحمن الرحيم  

(  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة183  

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} 

هذا الشهر الفضيل الذي أنزل فيه القرآن الكريم وخط الله سبحانه وتعالى به بداية فجر الإسلام  ونص الرسالة المحمدية والذي فرض الله تعالى علينا فيه الصيام شهر الطاعة والغفران نطرحه هنا من منظور صوفي فقد شدني كلام أهل هذا المنهج لما يمثله من رسالة سامية ومنهج روحي للإسلام و بعيداً عن الهموم السياسية والتشدد  حرصت الزوايا الصوفية علي إحياء ليالي رمضان بـ الحضرة والابتهال في مدينة القدس وضمن الأجواء التي طرأت على المدينة المقدسة ومنذ بداية الشهر الفضيل حالت بعض مظاهر الطرق الصوفية من إظهارالاحتفالات تبدأ بقدوم شهر رمضان  المبارك وتتجلى في العشر الأخيرة  بالاعتكاف بالمساجد  والزوايا  وخاصة  المجاورة للمسجد الأقصى المبارك بتلاوة القرآن الكريم والأذكار وحلق الذكر وكان من  مشائخ تلك الزوايا  إرسال بعض مورديهم(تلاميذهم) ليلاً في جنح الظلام  إلى بعض البيوت العفيفة لتأمين وجبات الإفطار والسحور وتقديم كسوة العيد للفقراء  ودعم الأيتام والأسر المحتاجة من مأكل وملبس  ونفقة عيد الفطر وإدخال الفرحة على الأطفال  ثم يتبعه  عيد الفطر هو أحد الأعياد الإسلامية التي تتجلى فيه الرحمة      واليوم  رغم تلبد الأجواء التي  تعصف بالبلاد والعباد .....!! 

الصوفية لم يكتفوا بالصيام عن الطعام والمشرب وما إلى ذلك ، ولكن تعدا الصوم ليصبح عندهم معراجاً إلى الحضرة الإلهية  تُغيب الخلق لتظهر به نور الحق تعالى الذي بدوره يضفي نورانيته تعالى على قلوب العابدين ليغنيهم عن استعمال المقتضيات البشرية ليتصف بصفات صمدية تلك الصفات المستمدة منه سبحانه يقول الشعراني :

 الصوم صفة صمدانية ونجد أن في  التجربة الروحية التأكيد على الجوارح أكثر من سواها لمعرفتهم سر مكنونات الإنسان فالباحث محمد غازي عرابي عبر عن الصوم بأنه :

 فطم النفس عن شهواتها وهي حاجة ملحة لخروج النفس من قمقمها المادي بمعنى كسرها إياه لا بمعنى المفارقة والصوم عماد الدين بعد الصلاة ، هو توأمها ورديفها الثاني ، فمن دون الصوم لا يمكن للعبد أن يتفكر في ما اعتاده في حياته من عادات ثابته   

وفيما نعتبره نحن شهراً للطاعة وطلباً المغفرة وشهراً لغسل الذنوب وشهر مثوبة يراه الصالحون قدست أسرارهم على انه شهر نكران الذات والتخلي عن كل شي إلا الله تعالى ومعرفة ذلك معرفة حقيقية والتمسك بكونها إرادة إلاهية ، وفيما نحن نراه صياماً لله فهم قدست أسرارهم يروه صياماً به تعالى يقول الإمام القشيري  

من شهد الشهر صام لله  ومن شهد خالق الشهر صام بالله  فالصوم لله يوجب المثوبة والصوم بالله يوجب القربة والصوم لله تحقيق العبادة 

والصوم لله صفة كل عابد والصوم بالله تصحيح الارادة  والصوم بالله نعت كل قاصر

الصوم لله قيام بالظواهر والصوم بالله قيام بالضمائر ولصوم هذا الشهر الفضيل فوائد لا تعد ولا تحصى ولكن ما الرمزية الصوفية لفوائد الصوم  

ويقول الحكيم الترمذي : ثمرة الصوم تطهير النفس  

وقد تكون رمزية الصوم عند الصوفية ذات مفاهيم اصطلاحية متعددة معبرة عن مسلكهم الروحي الذي طالما كان غامضاً مفهوماً ، ظاهراً باطناً أمام الخلق والعيان تفردوا بفهمه هم وحدهم أو من سلك مسلكهم ، ذلك المسلك الروحاني الذي يبنى على التجربة الروحية وما تحتويه من اختبارات الحال ونتائج المقام ، وقد نرى أن مراحل حياة الصوفي بمعنى أو بآخر كلها عبارة عن صيام حيث أن كل ما تقدم هو عبارة عن منهجهم التعبدي اليومي إلى آخر يوم في حياتهم .

 يحكى أن السيدة نفيسة احتضرت وهي صائمة فألزموها الفطر فقالت : وعجباً ، لي منذ ثلاثين سنة أسئل الله أن ألقاه وأنا صائمة فأفطر الآن ، هذا لا يمكن . ثم أنشدت تقول 

اصرفوا عني طبيبي    ودعوني وحبيبي

     وغرامي ونحيبي    زاد بي شـوقي إليه

(  وعندما وصلت قوله تعالى   و(لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون )    (الأنعام127 خرج السر الالهي          

دلالة الصيام في الخطاب الصوفي   يعتقد الكثير من الناس أن الصوفية أو التصوف مذهب تحكمه رؤية واحدة ويجهلون أن هناك طرقا للتصوف وأن لكل متصوفة مدرسة ووليا (عارفا) يتبعونه ويستلهمون منه طقوس العبادة ويجعلون منه مثلا و طريقة لإداء الشعائر.
وعلى الرغم من تعدد طرق التصوف وتنوع تصنيفاتها إلا أن شعائر العبادات واحدة هي ذاتها شعائر المسلمين كافة ومكامن الاختلاف في الرؤى وطرق أدائها ما بين الاعتدال والمبالغة ليس إلا ولكن الطابع العام للمتصوفة بتعدد طرقها والصورة الرسمية لديهم متسقان ومتماسكان ليشكلا في تصورنا رؤية شكلية سطحية للمتصوفة فهو مضمون جوهري وغاية العبادة هي التحقيق الذي يمثل تطهيرا للقلب من الآثام والذنوب وأساسها هو الحب الخالص لله – عز وجل- الذي يعيشون به تجاربهم الروحانية والإيمانية .
من شعائر العبادة التي تحظى طقوسها باهتمام بالغ عند الصوفية هي الصوم.. إنها عبادة مميزة لها دلالات روحانية ونفسية عميقة يعيشها المتصوفة وفق رؤى تحددها لهم طريقة التصوف .
لم تقف دلالة الصوم لدى المتصوفة عند حدود ذلك المعنى الظاهري الذي يحمل معنى الإمساك عن كل ما نهى عنه الله تعالى كراهة أو تحريما بل تجاوز ذلك إلى الإمساك عن كل ما سوى الله – سبحانه – كما يرون في الصيام بابا من أبواب الولاية لله تعالى ويرون منه غاية التقوى 
يختلف الصيام عند المتصوفة من حيث الرتبة ما بين صيام العامة وصيام الخاصة من الأولياء والعارفين كما يسمونهم وفي هذه الرؤية يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي:
أهل الخصوص من الصوام صومهم  صون اللسان عن البهتان والكذب  .
والعارفون وأهل الإنس صومهم صون القلوب عن الأغيار والحجب 

لقد تعدى الصوم عند الصوفية من المعنى المباشر إلى دلالة واسعة ليصبح عندهم معراجا إلى حضرة الذات الإلهية وتشع روح العبد بنورانية الحق تعالى الذي بدوره يضفي نورانيته على العابدين ويمنحهم صفة من صفاته وهي الصمدية ويعتقدون أيضا بأن الصوم هو الغيبة عن رؤية الخلق برؤية الحق –سبحانه وتعالى – وأن الإنسان يبلغ بصيامه وروحانية تعبده مبلغا كماليا عظيما ويرتقي في عبادته إلى الخضوع لله وحده ويقطع بها أسباب التعبد لغير المولى –جل وعلا – وهنا يحصل التشبه بالملائكة في الابتعاد عن عبادة الشهوات البهيمية ويصل إلى درجة رفيعة من التنزيه والتقديس ويحصل علم الغيب –كما يعتقدون – بما تحمله الروح من تقوى مستندين في نظرتهم هذه إلى قول الله تعالى:((واتقوا الله ويعلمكم الله ..)) 
صوم القلب والعقل والجوارح عن المعاصي والآثام أبرز طابع عند الصوفية في صيامهم من أجل تزكية النفس الإنسانية وتطهيرها وتهذيب الجوارح وقد تغنى كثير من شعراء الصوفية بالصوم وكل شاعر يجعل منه أيقونة رمزية ودلالية لروحانيته وطقسه.

لقد كتب الشعراء عن الصيام وعن طقوس شهر الصيام مادحين وباكين فراقه وانقضاء لذة روحانيته يقول الشاعر الجزائري محمد الأخضر مادحا الهلال

   ذكـر النــاس عهــودا هي من خير العهــود 
يوم كان الصـوم مــعنى للتسامــي والصعـود    ينشر الرحمـة في الأرض علـــى هذا الوجـود 
ومن هنا لم يعد للصوفية حرج في إعطائهم للكلمة الواحدة التي لها معنى مخصوص مضمونا آخر 
أما رمزية الصوفية لفوائد الصوم فتتمثل في قول جعفر بن محمد الصادق 
الصوم يميت مراد النفس وشهوة الطبع وفيه صفاء القلب وطهارة الجوارح وعمارة الظاهر والباطن والشكر على النعم والإحسان إلى الفقراء وزيادة التضرع والخشوع والبكاء  الصوفية هم الذين عطروا أيام الصوم بالأنفاس الروحية، وإليهم يرجع الفضل في نظم ما ساد على ألسنة الناس من الأناشيد، وقد سلكوا مسالك مختلفة من التنغيم والتطريب، وكثرت منظوماتهم في الفن الغنائي الذي يعرف باسم «كان وكان» وإليكم هذا الشاهد الطريف 

 عمل الصوفية على الارتقاء بمفهوم الصيام في أبعاده الكمالية، بقصد الاستشراف إلى معانيه السامية، وذلك بصوم الجوارح عن المعاصي والزلات، والجوانح عن الأغيار والغفلات، حتى يصفو المحل لأن تشرق فيه أنوار اليقين، وبوارق التوحيد، قال صاحب الحكم: “كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته”. فالقلب أدنى شيء يؤثر فيه، فلهذا ينبغي للمريد أن … يقف على باب قلبه، وليفعل كما قال بعضهم: وقفت على باب قلبي أربعين سنة، مهما خطر عليه ما سوى الله رددته

الصوم عند علماء الصوفية منقسم إلى ثلاثة أقسام: *صوم الأبدان، صوم الأروح، صوم عن الوجود* 

يقول الصوفي الشهير عمر بن الفارض في قصيدته «التائية»، في إشارة إلى أن ليلة القدر بالنسبة له ليست ليلة محددة الميعاد، ولكنها الليلة التي تشهد قربه من الذات العلية بصرف النظر عن وقتها.في القرآن الكريم نزلت سورة مخصوصة لهذه الليلة، وفي آياتها نقرأ عن فضلها: «…ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر».وفي السُنّة هناك أحاديث كثيرة توضح فضلها، منها الحديث النبوي الذي جاء في صحيح البخاري (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه).ونسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم  أنه قال للصحابة «التمسوها في العشر الأواخر، في الوتر»، أي أن ميعادها في الليالي الوترية من العشر الأواخر.

فإن الصوفية لا يتقيدون بهذا الأمر بشكل صارم، بل قد يصادف الصوفي ليلة القدر في أي وقت، في رمضان أو غيره من الشهور… فما هي ليلة القدر عند الصوفية،  .

كل الليالي ليلة القدر وكل الأماكن عرفات

نسَب ابن عجيبة في تفسيره إلى الشيخ أبو العباس قوله: «نحن والحمد الله أوقاتنا كلها ليلة القدر». والبعض يعتقد أن أبا العباس المقصود هو «المرسي» صاحب الضريح الشهير بالإسكندرية.ويعلق ابن عجيبة مفسرًا كلام أبي العباس بأن عبادات الصوفية كلها عبادات قلبية بين فكرة واعتبار، وشهود واستبصار، ولذلك فإن كل لياليهم قدر، وكل الأماكن عندهم عرفات، والأيام كلها جمعات.لأنّ سر تعظيم الأماكن والأزمنة هو ما يقع فيها من التقريب والكشف والعيان، بين العبد وربه، فإذا حدث ذلك في أي ليلة فهي ليلة القدر، ولذلك فإن الأوقات والأماكن عند العارفين كلها سواء في هذا المعنى 

ويسوق ابن عجيبة أبياتًا في هذا المعنى تقول 

لولا شهود جمالكم في ذاتي … ما كنت أرضى ساعة بحياتي
ما ليلةُ القدر المعظَّم شأنها … إلاَّ إذا عمرَتْ بكم أوقاتي
إنَّ المحب إذا تمكّن في الهوى … والحب لم يحتج إلى ميقاتِ

والبيت الأخير يكشف جوهر العلاقة بين الله وعبده (المحب والمحبوب) عند الصوفية، وهو الحب، ولا يستقيم الحب مع تحديد أوقات للكرم؛ فالحبيب كريم مع حبيبه في كل الأوقات 

وفي هذا المعنى يقول الصوفي الأندلسي أبو الحسن الششتري:

كُلُّ وقتٍ مِنْ حَبيبيِ … قدره كألف حجة
فازَ مَنْ خلَّى الشَّوَاغِلْ … وَلِموْلاَه تَوَجَّه

الصوفية ضد أي قيد مكاني أو زماني يحجم أو يحدد أو يعطل الفيض الإلهي، أو يعوق السعي إلى الاتحاد بالله، وهذا المبدأ ليس مع ليلة القدر فقط، بل في عموم علاقتهم بالله، فكما جاء في بيت الششتري «كل وقت من حبيبي قدره كألف حجة»، وفي بيت ابن الفارض كل أيام اللقاء يوم جمعة، وكذلك فكل الأماكن كجبل عرفات.فهم يعتبرون أن الأماكن والأزمنة تحدد أعمال الجسد، ولكن أعمال القلوب والأرواح لا تحدها أماكن أو أزمنة، وهم يبنون علاقتهم مع الله داخل قلوبهم وأرواحهم، حتى ولو التزموا بأداء العبادات الجسدية. هذا المبدأ وارتباطه بليلة القدر أكد عليه كثير من كبار الصوفية، ومنهم أبو طالب المكي، وعبد الكريم الجيلي، والقشيري، وغيرهم.