- 19 آذار 2026
- حكايات مقدسية
بقلم : ا.د. زيدان عبد الكافي الكفافي
كان ذلك في خمسينيات القرن الماضي، كنت حينها طفلاً أعيش في قرية من قرى الخليل بفلسطين. وكان لجدي الشيخ عبد الفتاح رحمه الله مضافة تفتح أبوابها لجميع أهالي البلدة، وكنّا أبناء أبناءه نتواجد في المضافة لتقديم الواجب للضيوف، والسماع لحكاياتهم. وفي أحد أيام الشتاء، وكان الجو عاصفاً، زمهرير من المطر وبرق ورعد، وقد طلب إلي الذهاب إلى مكان بعيد لإبلاغ صديق له أنه ينتظره في المضافة. وبطبيعة الحال، يجب عليك الطاعة، ولا يجوز الاعتراف أمام الرجال أنك "خائف"، حتى لو كنت خائفاً. سرت في عتمة الليل أتلمس طريقي، أسمع عواء الكلاب من حولي، ولما كنت أمر بين الأشجار أشعر بحفيف الهواء وصوت لم أعهده من قبل. فكنت أسير ورجلي تعقب الواحدة الأخرى، حتى وصلت الهدف وأخبرت الرجل بما يجب أن أخبره به، لكني كنت أرتعدُ خوفاً. لكني أنجزت ما كلفت به، وعدت إلى المضافة وأعلمت جدي بأنني أنهيت ما طلبه مني. لم أجلس مع الحاضرين، واستأذنت جدي بالذهاب، فسمح لي.
دخلت البيت، واسناني تصطك، وارتجف، لم أستطع أن أقدر هل هو من برد الشتاء؟ أم من الخوف؟ وأعلمت المرحومة والدتي (مريم) بما حصل. فولولت وقالت: سلامتك، الله يحميك، تعال نام، دثرتني بلحف سميك، وتمتمت بكلمات فهمت منها، لازم نسقيك من طاسة الرعبة، أنا خبأتها بين الفرشات، لازم ما تشوف الضوء".
لم أفهم حينها ماهية طاسة الرعبة حتى سحبتها من بين اللحف والفرشات المطوية في المصفط، بعد أن أطفأت ضوء السراج. وكان سواد الليل قد انقشع، ورأت وجه القمر وقد خرج معلناً توقف المطر، تحيط به النجوم ضاحكات. ملأت الوعاء المعدني بالماء، ووضعته على مدخل البيت حتى يرى ما بداخله ضوء القمر. وكان على الوالدة أن تدخله إلى داخل البيت وأن يشرب منه الشخص الخائف قبل بزوغ الفجر. ويضع بعض من الناس سبع حبات من التمر إلى جانب الإناء.
وتبين لي لاحقاً أن هذه الطاسة مصنوعة من النحاس، وأغلاها من الفضة، ومنقوش على جدرانها الداخلية آيات قرآنية كريمة، منها “آية الكرسي" و "المعوذات"، ويحمل بعضها زخارف نباتية محزوزه. والهدف من هذه العملية كلها هو شفاء الخائف حيث يعمد الناس، حين يُصاب أحدهم بالخوف نتيجة لخبرِ أو حادثِ ما، إلى ملء الوعاء بالماء وسقيه إياه اعتقاداَ منهم بأن الماء الذي لامس الآيات والنصوص المقدسة سيهدأ من روعِ المصاب.
مضت الأيام، والأشهر، والسنوات، ونجد أنفسنا الآن في حالة مستمرة من خوف مستقبلي، وتفقد بيتنا بحثاً عن طاسة الرعبة، فلم أجدها، لذا قررت أن أبحث في أصل استخدامها من خلفيتي الأثرية. فوجدت أن هذا تراث مستمر في بلادنا العربية منذ أن عبد الناس الإله "سن" إله القمر، وهو الإله الرئيسي عند الأكاديين (حوالي 2350 – 2100 قبل الميلاد)، وقبله عند السومريين "الإله "نانار". فهل يا ترى ارتباط هذا المعتقد الشائع، خاصة في بلاد الشام بمدنها وقراها وبواديها، بالديانة؟ طبعاً الشواهد تقول نعم. الأمر الآخر، هل يمكننا أن نضيف هذا النوع من المعتقد إلى الطب الشعبي؟ أم إلى السحر؟
ونحن في شهر رمضان الكريم، والحرائق تشتعل من حولنا، والأقصى مغلق في وجه المصلين، وغزة تئن، وغطرسة القوي على الضعيف تسود عالمنا، أقول:- " ارحمنا يا رب برحمتك، وأحمي بلادنا العربية من تغول القوي علينا، وامنحنا طاسة الرعبة".
عمان في 18/ 3/ 2026م

