• 30 آب 2026
  • إقتصاد وحياة

 

    

 القدس - أخبار البلد - كتب خالد الاورفالي :

اجرى الباحثان الدكتور عزمي بهاء الدين ابو السعود والاستاذ عزمي احمد سراج بحثا يعتبر الاول من نوعه في القدس حول واقع الشيخوخة في القدس والتحديدات التي يواجهها كبار السن في المدينة المقدسة  وحاولا في بحثهما المعمق استقراء مستقبل هذه  الفئة من سكان القدس ( والذي لا يبدو انه سيكون افضل ).

 ويسعدنا في ” أخبار البلد“ ان نقوم بنشر البحث   لاهميته ولانه يغطى فئة عمرية من سكان المدينة والتي تعتبر الاضعف وسط هشاشة العلاقات الاجتماعية وتفتت القيم الاخلاقية التي كان يقوم عليها المجتمع المقدسي 

تعدُّ مدينة القدس بؤرة للصراع السياسي لإثبات الأحقية التاريخية وأصل الهوية، ولكنها أيضاً موطن لمجتمع انساني يخضع لتحولات ديمغرافية عميقة، من بين هذه التحولات تبرز قضية شيخوخة السكان العرب، كتحد صامت، لكنه بالغ الخطورة.

يواجه المسنون في القدس مصيراً مزدوج التعقيد، فهم يتقاسمون مع كل مسني العالم تحديات التقدم في السن، من أمراض ووحدة وحاجة متزايدة للرعاية، ولكنهم يحملون فوق أكتافهم عبئاً اضافياً فريداً ناتجاً عن وضع المدينة المحتلة والمقسمة. هذا البحث، ليس مجرد دراسة ديمغرافية أو اجتماعية، بل هو محاولة لقراءة مستقبل فئة مجتمعية، تُوشك أن تصبح من أكثر الفئات هشاشة، في مدينة تُعاني أساساً من هشاشة وجودية.  

تكمن المشكلة البحثية في التشابك المعقد بين عملية الشيخوخة الطبيعية كمصير بيولوجي، وبين الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تفرضها حالة الاحتلال والصراع في القدس، هذا التشابك يُنتج واقعاً مُركباً، حيث يُصبح المُسن سجيناً بين مطرقة حاجاته المتزايدة للرعاية، وسندان نظام سياسي، يُمارس التمييز في توزيع الموارد والخدمات، مما يُهدد كرامته وأمنه وجودة حياته بشكل عام  وتبرز دراسة هذه المشكلة لعدة أسباب:

   أولاً: التمييز الصارخ في تخصيص الموارد بين الأحياء العربية واليهودية في المدينة، حيث تظهر فجوة واضحة في جودة ودعم مراكز الرعاية النهارية، وخدمات الرعاية المنزلية، وحتى في البنية التحتية الأمنة للمسن.

  ثانياً: نقص البيانات الإحصائية، والأبحاث الشاملة، التي تجمع بين الأبعاد الصحية والاجتماعية، الاقتصادي، والسياسية لهذه القضية، مما يجعل التخطيط للمستقبل ضرباً من التخمين.

  ثالثاً: الواقع السياسي الذي يمنع تطوير سياسة موحدة وشاملة للرعاية، فالمٌسن المقدسي يُعاني من اهمال السلطة الإسرائيلية من جهة، وعجز السلطة الفلسطينية من التدخل الفعال من جهة أخرى، مما يخلق فراغاً مؤسسياً.

  رابعاً: التغيرات الاجتماعية العميقة التي أثرت على نمط الأسرة الممتدة التقليدية، التي كانت بمثابة شبكة الأمان الأولى للمُسن، بسبب عوامل التمدن، وضغوط المعيشة، مما يزيد من عزلتهم.

وهذا البحث يهدف إلى تشخيص الواقع الراهن للمُسن في القدس، من خلال تحليل أوضاعهم الصحية، الاقتصادية، الاجتماعية، والنفسية، وتحليل للاطار القانوني والسياسي المحيط بهم، وتأثيره المُباشر على إمكانية وصولهم إلى أبسط حقوقهم في الرعاية، ورصد وتحليل أبرز التحديات الحالية التي تواجههم  (منظمة الصحة العالمية، 2021)، وتلك المتوقعة في المستقبل القريب، واجراء مُقارنة  تحليلية مع واقع شيخوخة السكان في المجتمعات الأجنبية، للوقوف على الفجوات والفروقات في تعامل تلك المجتمعات مع المُسن عندهم، والمجتمع العربي المقدسي، ووضع اطار عام للتوصيات والسياسات الممكنة التطبيق لتحسين جودة حياة المًسن المقدسي في مدينته بكرامة واحترام.

في قلب مدينة القدس، بين ازقتها العتيقة وحاراتها المزدحمة، يعيش ألاف كبار السن من المقدسيين حياة تشبه التوازن على حافة الهاوية، فهم لا يعانون من تقدم العمر فقط، بل يحملون على كاهلهم أعباء إضافية لا تُحصى: الاحتلال، الحصار الجغرافي، تقييد الحركة، تآكل البنية التحتية، وانعدام خطط استراتيجية لرعاية المسنين، ففي الوقت الذي تُعد فيه الشيخوخة ظاهرة ديموغرافية طبيعية في كل المجتمعات، فإنها تتحول في مدينة القدس إلى حالة استثنائية، تُدار في ظل ظروفٍ لا تشبه أي مدينة أخرى في العالم، فما هو واقع هذه الفئة السكانية؟، وماذا يُخبىئ المستقبل لهم داخل مدينتهم المقدسة؟ الشيخوخة  في القدس ليست مجرد عملية بيولوجية، بل هي ظاهرة اجتماعية- سياسية- اقتصادية معقدة  (Karjawlly,2017).  فكبار السن في مدينة القدس لا يشيخون فقط، وإنما يُهمشون تدريجياً، فالإحصائيات تُشير إلى أن أكثر من (12%) من سكان المدينة الشرقية تجاوزوا سن الستين، وهذه النسبة في تزايد مستمر، خاصة مع التزايد الملحوظ من هجرة الشباب إلى مناطق السلطة الفلسطينية بحثاً عن مسكن أرخص، وبعيداً عن غلاء كافة الخدمات والسكن داخل المدينة المقدسة، أو إلى دول أخرى، مما يترك كبار السن وحدهم في  قد تتعرض للهدم أو المصادرة، وصعوبة الزيارات العائلية بسبب الحواجز العسكرية، ونظام التصاريح (للدراسات، 2021) ومن هنا تُصبح الشيخوخة تجربة عزلة مركبة، عزلة جسدية بسبب الامراض المزمنة، وعزلة اجتماعية بسبب فقدان الأبناء، وعزلة مكانية بسبب انعدام وسائل النقل  الملائمة وعزلة سياسية لأنهم يعيشون في مدينة تُدار بسياسات تمييزية واضحة. إن السياسات الإسرائيلية تلعب دوراً أساسياً في تفاقم معاناة كبار السن في القدس، فعلى الرغم من  أنهم يحملون هوية(مقدسي)، إلا أنهم يُعاملون كأجانب في مدينتهم، تعترضهم الكثير من المعيقات  المعيشية، الاجتماعية، والاقتصادية، فالمرافق العامة التي وظيفتها تقديم كافة الخدمات للمسن المقدسي داخل مدينته، قليلة نسبياً مقارنة مع تلك التي تُقدم ذات الخدمات لليهود في الجانب الغربي منها.

هذه السياسات لا تُعد مجرد اهمال، وإنما هي جزء من سياسة إسرائيلية تهدف إلى تفريغ المدينة من سكانها الأصليين، حيث يُعتبر كبار السن، رغم ضعفهم، عقبة أمام إعادة تشكيل الديموغرافية المقدسية (الاونوروا - وكالة الامم المتحدة لاغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين، 2020). وإذا ما تطرقنا إلى التركيبة السكانية والاجتماعية لمدينة القدس، نجد أنها تجمع بين مجتمعين مختلفين، الأول فلسطيني والأخر إسرائيلي، ولكل منهما خصائصه الديموغرافية واحتياجاته المختلفة، حيث تُظهر الإحصاءات أن نسبة كبار السن في القدس أخذة بالازدياد، مما يتطلب تخطيطاً مستقبلياً لضمان توفير  الخدمات الكافية لهم (الامام و واخرون، 2018) وكبار السن المقدسيون في مدينة القدس الشرقية يواجهون تحديات فريدة، مثل صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية والاجتماعية، بسبب القيود البيروقراطية والسياسية، إضافة إلى الفقر الشديد والوضع الاقتصادي المتدهور في بعض الأحيان.

من ناحية أخرى يتمتع المسن الإسرائيلي عموماً من سهولة الحصول على أفضل الخدمات الحكومية من رعاية صحية واجتماعية، إلا أن كلا المجتمعين يعانون من تحديات مشتركة، تتعلق بالعزلة الاجتماعية، خاصة في الاحياء التي تعاني من انخفاض كثافة السكان الشباب حيث تعتبر العلاقات الأسرية في كلا المجتمعين عاملاً مهماً في دعم كبار السن، حيث تلعب الأسرة الممتدة دوراً حيوياً وهاماً في تقديم الرعاية والدعم العاطفي (Lewis,2024)   

التحديات الاقتصادية والاجتماعية:  

تعتبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية من أهم القضايا التي تواجه المسن المقدسي في مدينته، فعظم كبار السن يعيشون ويعتمدون في معيشتهم على دخل ثابت من التقاعد أو من (مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية)، والذي قد لا يكفي نفقات المعيشة المرافعة. وعلى الصعيد الصحي، فالكثير من كبار السن يعانون من أمراض مزمنة، تتطلب رعاية مستمرة،  وعلى الرغم من توفر عدد من المراكز الصحية، إلا ان الوصول إليها قد يكون صعباً بسبب أماكن السكن البعيدة، وكثرة الحواجز العسكرية، أو صعوبة التنقل بسبب سوء البنية التحتية للشوارع، أو الأحياء ذات الشوارع الضيقة والدرجات الكثيرة، كما أن الخدمات لنفسية لكبار السن لا تحظى باهتمام كافٍ، على الرغم من أنهم الأكثر عرضة للعزلة والاكتئاب (الشنار و الشافعي، 2019).

مقارنة أوضاع كبار السن المقدسيين مع أوضع المسنين في المجتمعات العالمية:

يمكننا اجمال واقع مجتمع كبار السن في القدس الشرقية، بأنه مجتمع يعاني من ضعف في البنية التحتية الصحية، والتمييز في تلقي الخدمات، ونسبة عالية من حالات الفقر، وعزلة اجتماعية بسبب التوتر السياسي،  وإذا نظرنا إلى واقع عالم اكبار السن في دول عالمية، فإننا نرى على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، يُعتمد نظام (ADA)، وهو قانون الحقوق المدنية الشامل، وفيه يضمن المُسن الأمريكي من الوصول إلى نظام ـامين صحي مخصص له، والذي يُلزم المباني والمواصلات بأن تكون صديقة للمسنين، وإذا انتقلنا إلى أوروبا، فإننا نجد أن المسن فيها يعامل معاملة خاصة، فهو يتمتع بكافة الخدمات الاجتماعية والصحية الشاملة، وكذلك يتمتع برعاية صحية منزلية، ودعم نفسي، ومرافق اجتماعية عديدة وكثيرة،  وبرامج تثقيف مجتمعي شامل، وفي اليابان، والتي تُعتبر من أكثر الدول تقدماً من الناحية السكانية، فقد طورت نظام الرعاية طويلة الأمد، الذي يُغطي (90%) من تكاليف الرعاية لكبار المسنين (منطمة اليونسكو، 2019)

هذه النماذج، وإن كانت لا يُمكن نقلها، إلا أنها تُظهر الفرق الشاسع والكبير، بين مستوى الخدمات المُقدمة للمسن في تلك الدول، والخدمات التي تُقدم للمسن في إسرائيل عموماًً، وفي القدس الشرقية على وجه  الخصوص (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2022)

المراجعة النقدية للدراسات السابقة

يمكننا أن نقول، أن أي محاولة لدراسة هذه الظاهرة، صعوبات كثيرة، فعملية جمع البيانات  والمعلومات في القدس ليس سهلاً، فالحواجز العسكرية تُعيق الدارسين، والمواطنون يخافون من الإفصاح عن معلومات قد تُستخدم ضدهم، كما أن الاحصائيات الرسمية قليلة ونادرة أو غير دقيقة، مما يستدعي 

 الاعتماد على دراسات ميدانية صغيرة، لا تفي بالمطلوب، لتحقيق دراسة شاملة ودقيقة عن واقع المسن في مدينة القدس. وقد اشارت دراسة أجرتها منظمة اليونسكو عام (2019) حول الشيخوخة، إلى ان البيانات حول كبار السن، غالباً ما تكون ناقصة، أو متحيزة، مما يستدعي إلى اعتماد منهجيات بديلة، تعتمد على السرد الشفوي والشهادات الحية، وهو ما ينطبق تماماً على واقع القدس (منطمة اليونسكو، 2019) وقد أشارت تقارير لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وأبحاث لمعهد فلسطين للدراسات، إلى معاناة كبار السن في الأراضي الفلسطينية، إلا أنها لم تتعمق في الحالة المقدسية بوصفها حالة فريدة، نظراً لخصوصية  مدينة القدس، حيث يعيش السكان تحت نظام قانوني مزدوج، وحيث تُفرض سياسات الانفصال الجغرافي والديموغرافي (للدراسات، 2021).

وفي تقرير المنظمة الصحة العالمية، حيث يُسلط الضوء على التحديات النظامية في القطاع الصحي الفلسطيني، ويُشير بشكل خاص إلى العوائق التي تواجه سكان القدس الشرقية في الوصول إلى الخدمات الصحية (منظمة الصحة العالمية، 2021).

وفي دراسة لمجموعة من الباحثين المقدسيين، تحلل بشكل عميق كيف تؤثر السياسات الإسرائيلية في القدس الشرقية على المحددات الاجتماعية للصحة، مع التركيز على الفئات الأكثر ضعفاً، مثل كبار السن، وهذه الدراسة تُقدم أدلة مباشرة، حول العلاقة بين الوضع السياسي ونتائج الصحة (الشنار و الشافعي، 2019).

وتسلط روزاني (2022) الضوء على الفروق العرقية في الصحة الذاتية بين اليهود والعرب في إسرائيل، حيث يميل كبار السن العرب إلى تقييم حالتهم الصحية بصورة أقل إيجابية مقارنة باليهود، وهو ما يعكس تأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية، مثل الدخل والتعليم، والوصول إلى الموارد الصحية، وتُضيف الدراسة إلى أن "الفجوات" الاجتماعية والاقتصادية تؤثر بشكل مباشر على الصحة الذاتية، ما يزيد من هشاشتهم مقارنة مع مثيلاتهم اليهود (روزاني، 2022).

وفي مقالة بحثية عن الهشاشة وغلاقتها بالوفيات طويلة الأمد بين كبار السن المقيمين في المجتمع في إسرائيل، بينت أن كبار السن العرب، وخاصة في مدينة القدس، أكثر عرضة للهشاشة، وما يترتب عليها من أخطار، بسبب سوء تقديم الخدمات الصحية ووفرتها، مقارنة مع ما يُقدم للجانب الإسرائيلي اليهودي في غرب المدينة (المجلة الاسرائيلية لبحوث سياسات الصحة، 2024)

وتشير دراسة الجعبري وآخرون (2024) إلى أن كبار السن في الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك القدس الشرقية، يواجهون حواجز متعددة للوصول إلى الرعاية الصحية نتيجة القيود الجغرافية، التصاريح، والقدرة المالية المحدودة، وهو ما يؤدي إلى تفاقم الأمراض المزمنة وارتفاع العبء الصحي. كما يؤكد الباحثون أن "غياب الوصول السلس للخدمات الصحية يعرض كبار السن لمضاعفات خطيرة ويحد من قدرتهم على العيش باستقلالية" (الجعبري، واخرون، 2024). 

التعقيب على الدراسات السابقة 

وهذه الدراسات في مجملها، تُقدم معلومات قيمة حول جوانب مختلفة من واقع الشيخوخة في القدس،  إلا أنها تفتقر إلى تحليل شامل ومتكامل يُركز بشكل خاص على التداخلات المميزة والفريدة بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسيةـ، التي تؤثر على صحة ورفاهية السكان العرب كبار السن في القدس، وهذه الورقة البحثية التي نحن بصدد اعدادها، نحاول قدر جهدنا سد هذه الفجوة، من خلال تقديم تحليل  معمق يأخذ بعين الاعتبار جميع هذه العوامل ضمن اطار نظري متكامل.

تعتبر الدراسات والادبيات السابقة ركيزة أساسية لأي بحث علمي، فهي تُقدم إطاراً معرفياً يُبنى عليه البحث الحالي، وتُسهم في تحديد الفجوات المعرفية، التي يسعى البحث لسدها، في سياق دراستنا حول موضوع الشيخوخة عند المقدسيين العرب في مدينة القدس، وقد استعرضنا مجموعة من الدراسات والتقارير، التي تُلقي الضوء على جوانب مختلفة من هذا الموضوع، وإن كانت هذه الدراسات والادبيات لا تُركز جميعها او معظمها بشكل مُباشر وحصري على الفئة المستهدفة أو المنطقة الجغرافية المحددة، وهي مدينة القدس، والقسم الشرقي منها على وجه الخصوص. وبحثنا، الذي نحن بصدده، يهدف إلى مُحاولة سد هذه الفجوة، من خلال تقديم تحليل معمق، يُراعي التداخلات بين العوامل الاجتماعية، الاقتصادية، الصحية، والسياسية، ووضع هذه التوصيات والاقتراحات أمام من بيدهم صُنع القرار، وتغيير الواقع الحالي لكبار السن في مدينة القدس، على تغيير في السياسات القائمة، وزيادة الاهتمام بالجزء الشرقي من المدينة، ومحاولة فقط محاولة، أن تُقارب الخدمات المُقدمة لهم بكافة أشكالها من تلك المُقدمة لليهود في القسم الغربي من المدينة.

مجتمع الدراسة وعينتها:

مجتمع الدراسة في هذا البحث، يشمل كبار السن المقدسيين في المدينة، والذين تبلغ أعمارهم (60- فما فوق)، ويعيشون تحت واقع جيوسياسي مُعقد، ناتج عن الاحتلال الإسرائيلي، وغيره من الإشكاليات الحياتية. ويُمثل هذا المجتمع شريحة مجتمعية مهشمة، تتعرض لتميز مُنظم، من قبل السياسة الإسرائيلي  المُتبعة في شرق المدينة، والاقتصاد المتداعي بسبب هذه السياسات، وقلة الخدمات الصحية والاجتماعية،

  والعزلة الاجتماعية الأسرية الناتجة عن الحواجز العسكرية، وغيرها من الأسباب. وقد تم اختيار عينة قدرها (200) مُسن من سكان أحياء القدس الشرقية، وهي أحياء تُمثل النسيج السكاني المقدسي الأصيل، وتتعرض لكثير من الاضطهاد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، مما يجعلها نموذجاً مركزياً، لفهم تأثير السياسات الإسرائيلية على الشيخوخة، وقد تم اختيار العينة بطريقة عشوائية طبقية، من أجل ضمان تمثيل متوازن حسب الجنس، والوضع الصحي والمستوى الاقتصادي، ونوع السكن مما يُعزز من مصداقية النتائج وتمثيلها للواقع الحقيقي.

الخصائص الديموغرافية للمسنين:

تُعد الخصائص الديموغرافية في القدس متغيراً سياسياً وقانونياً، وليس مجرد إحصاء سكاني:

  • تأنيث الشيخوخة والأرملة: أظهرت البيانات أن نسبة الإناث تتجاوز (53%)، مع تركيز كبير في فئة الأرامل سوسيولوجياً، تعاني المسنة المقدسية من "عزلة مُضاعفة" فهي تفتقد للمعين المادي بعد وفاة الزوج، وتصطدم ببيئة حضرية (طرق وأدراج) لا تُراعي خصوصيتها الجسدية.
  • التوزيع الجغرافي وسؤال " الهوية": إن تقسيم العينة بين “داخل وخلف الجدار"، كشف عن ظاهرة "اللاجئ في مدينته"، فالمسنون خلف الجدار مثل (كفر عقب والرام وغيرها من الأحياء) يعيشون في "منطقة رمادية"، فهم يدفعون الضرائب للبلدية، إلا انهم محرومون من الخدمات مثل الخدمات  الطبية المهمة والمعقدة، والتي لا تتواجد إلا في الجانب الغربي من مدينة القدس، مما خلق عندهم شعوراً بالاغتراب والضياع القانوني.
  • توزيع الفئات العمرية: أظهرت النتائج أن الفئة العمرية (65-75) هي الأكثر تمثيلاً، وهي فئة "الشيخوخة النشطة"، التي لا تزال تحاول الانخراط في الحياة العامة على الرغم من المعيقات.
  • التركيبة الأسرية: رغم التحولات العصرية، لا يزال (65%) من عينة الدراسة يعيشون ضمن  أسر ممتدة، لكن المقابلات كشفت عن "شرخ صامت"، حيث يعيش المُسن مع عائلته جسدياً،  لكنه يُعاني من "عزلة عاطفية"، بسبب انشغال الأبناء بضغوطات العمل والحياة.

الواقع الصحي والخدمي:

  • الخارطة الوبائية للمسنين: كشفت النتائج على أن (88%) من مجتمع العينة يُعنون من امراض مزمنة، مثل (السكري الهشاشة، القلب)، وبالتحليل المُعمق يتبين أ نذلك يربط بين "التوتر السياسي المستمر"، وبين "صعوبة السيطرة على هذه الأمراض"، فالمسن المقدسي يعيش في حالة " استنفار فيزيولوجي"، دائم بسبب الملاحقات الضريبية، أو الخوف على الأبناء، مما يُعطل جسده للعلاجات التقليدية.
  • جغرافية الألم والوصول: من خلال مجتمع العينة، برزت الحواجز العسكرية كـ"أداة تعذيب بيولوجي"، فالمُسن الذي يحتاج إلى جلسة علاج كيماوي في مشافي القدس يضطر للانتظار  لساعات، مما يؤدي إلى تدهور حالته قبل وصوله للسرير الطبي، هذا الواقع دفع بالعديد من المُسنين إلى "تطبيع الألم"، والسكوت عن المرض لتجنب رحلة العذاب عبر الحواجز.
  • النتائج الصحية: "الخوف القانوني" ه1ا، يُجبر المسنين المقدسيين على البقاء في بيوتهم المتهالكة، وغير الصحية، داخل البلدة القديمة، أو في الأحياء خارج أسوار القدس كمناطق مثل (العيساوية، سلوان، الطور، وغيرها من الأحياء)، والتي تفتقر إلى أهم الخدمات كالمصاعدـ وتكثر فيها الرطوبة، مما يؤدي إلى تفاقم الأمراض التنفسية والروماتزم، وهو ما تطلقه عليه بـ(الاعتلال الجسدي الناتج عن التثبيت المكاني القسري). وهو ما بينته المقابلات المعمقة مع العديد من مجتمع العينة من المسنين المقدسيين.
  • الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية
  • مخصصات التأمين وخط الفقر: أظهرت النتائج أن متوسط مخصصات الشيخوخة لا تتجاوز  (3500) شيكل، بينما يحتاج المًسن المقدسي العربي إلى (6000) شيكل كحد أدنى للعيش بكرامة، هذه الفجوة يتم سدها من خلال الاقتطاع من الغذاء والدواء، او الاعتماد على الأبناء المنهكين أصلاً.
  • الاستغلال والتبعية: يعاني بعض المُسنين، كما بينت النتائج، من "فقر الصيدلية"، حيث يضطرون  لاختيار أرخص أنواع الأدوية، أو تقليل الجرعات لتوفير ثمن الخبز، وهو ما يعكس غياب شبكة   أمان اقتصادية حقيقية تحمي المُسن من تقلبات الأسعار في مدين هي الأغلى في المنطقة.
  • شبكات الدعم الاجتماعي: أثبتت النتائج أن "الأسرة: هي العمود الفقري للصمود، ولكنها شبكة" تنوء تحت الحمل" فالأبناء أنفسهم، يُعانون من ضغوط اقتصادية، مما يخلق شعورا بالذنب  لدى المُسن بأنه "عبء" على عائلته، وهو ما يُفسر ارتفاع مؤشرات القلق النفسي في المقابلات النوعية

تحليل شبكات الدعم الاجتماعي:

  • الدعم الأسري: لا يزال، كما أظهرت النتائج، أنه هو "صمام الأمان"، ولكن، بينت النتائج عن"تآكل الروابط"، بسبب ضغوط الحياة الحداثية، فالأبناء يضطرون للسكن بعيداً عن الوالدين بسبب أزمة السكن، مما يترك المُسن في حالة من" العزلة السكنية"، الخطيرة وخاصة في حالات الطوارئ الصحية.
  • الدعم المؤسساتي: بينت النتائج بأنه" إغاثي تجميلي"، فالجمعيات المجتمعية، التي من واجبها تقديم الخدامات التي لا تقدمها الحكومة الإسرائيلية، وتقوم بدعم المُسن المقدسي، فإنها لا تقوم إلا بالتنظير فقط، دون تقديم الخدمات الضرورية للمُسن، أو تقدمها من اجل تجميل صورتها أمام الرأي العام    العالمي والمحلي. والمسن المقدسي، في الأساس، وكما أظهرت النتائج من خلال المقابلات المُعمقة معهم، أنه يحتج إلى "رفقة إنسانية"، ودعم نفسي تخصصي، من أجل مواجهة الخرف واكتئاب الشيخوخة، وهو ما تفتقر إليه المؤسسات العاملة في مدينة القدس الإسرائيلية أو الفلسطينية.

تحليل العوامل السياسية والقانونية:

  • يعيش المُسن المقدسي تحت وطأة نظام قانوني فريد يُعرف "بالإقامة الدائمة"، وهو وضع قانوني قلق، يجعل حق المُسن في العيش بمدينته مشروطاً بأثبات أن "مركز" حياته يقع داخل حدود بلدية القدس الإسرائيلية.
  • الأثر الميداني: كشفت المقابلات المُعمقة مع مجتمع العينة من المسنين، أن الكثيرين منهم يرفضون الانتقال للعيش مع أبنائهم في مناطق الضفة الغربية، أو حتى في الأحياء المقدسية خلف الجدار، التي قد تتوفر فيها ظروف سكنية أفضل، خوفاً من سحب "سحب الهوية الإسرائيلية.
  • لا يُمكن قراءة واقع الشيخوخة في مدينة القدس بمعزل عن "جدار الفصل العنصري"، بالنسبة لـ(45%) من عينة الدراسة ممن يقطنون خلف الجدار، فقد بينت النتائج أن الحواجز العسكرية تحولت عند المُسن من عائق فيزيائي، إلى عائق بيولوجي. وقد أظهرت النتائج، أن المُسن الذي يُقيم خلف الجدار يمر بعملية " فرز سياسي"، بشكل يومي حال مروره عبر هذه الحواجز، وما يتعرض له من ظروف بيئية قاسيةـ من حرارة شديدةـ أو برد قارس، انتظاراً للسماح له بالعبور والوصول إلى وجهته داخل مدينة القدس.
  • انقطاع الرعاية: بينت النتائج، أن السياسة القانونية العامة المُتبعة تجعل وصول الخدمات الصحية أو الطبية الطارئةـ لهذه المناطق متعثراً في الكثير من الأوقات، وذلك بحسب مزاجية من يتحكمون بهذه الحواجز، وتقييمهم لكل حالة بشكل فردي، مما يضطر المُسن للاعتماد على وسائل بديلة من  وسائل المواصلات للوصول إلى وجهته داخل المدينة، أو الانتقال من سيارة اسعاف فلسطينية إلى سيارة إسرائيلية تنتظره خلف الحاجز، وبعد الحصول على الموافقات العسكرية لذلك، وهي عملية  تبديل قد تعرض حياة المُسن في بعض الحالات الحرجة، لخطر الوفاة قبل الوصول إلى المستشفى.
  • البيروقراطية القانونية والحرمان من حقوق التمريض: يمنح القانون الإسرائيلي " مخصصات  تمريض" للمسنين ممن يحتاجون لمساعدة يومية، إلا أن النتائج ومن خلال التحليل النوعي للمقابلات بينت عن وجود فجوة كبيرة في الحصول على مثل هذه الحقوق للمُسن المقدسي.
  • عائق اللغة والوعي: يُعاني المسنون المقدسيون من " الأمية القانونية" باللغة العبرية، مما يجعلهم غير قادرين على ملء الاستمارات للمطالبة بالحقوق، أو فهم قرارات اللجان الطبية التابعة للتأمين الوطني.
  • التمييز المؤسساتي: بينت المقابلات أن معايير استحقاق المسن المقدسي للخدمات التي تقدمها مؤسسات الخدمات المجتمعية الإسرائيلية تعتمد " تحقيقات صارمة" من" اثبات"مكان الإقامة، كوسيلة لتعطيل أو حرمان المسن من تلقي مثل هذه الخدمات، في مقابل أن هذه الخدمات تُقدم بكل يُسر وسهوله لنظيره المُسن اليهودي. الضرائب (الأرنونا) والضغوط الاقتصادية ذات الأبعاد السياسية:  بينت النتائج من المقابلات العميقة على مجتمع العينة، أن العديد من المُسنين إلى البحث عن مساكن بديلة خارج الجدار، في مناطق الضفة، أو في الاحياء المقدسية خارجه، تفادياً لدفع الايجارات الباهظة للبوت التي يقطنون فيها، أو إلى دفع المبالغ الطائلة التي تفرضها البلدية الإسرائيلية كضرائب عليها  "أرنونا"، هذا الحصار المالي، الذي تفرضه الحياة داخل المدينة المقدسة، يضعه في حالة من التوتر النفسي الدائم.
  • غياب الحماية القانونية في دور الرعاية والملاجئ: بينت النتائج من مجتمع العينة موضوع الدراسة، على أن المسن الذي يضطر للمكوث في ملاجئ تقع خارج مدينة القدس، في مناطق مثل (أبو ديس والعيزرية)، والتي تقع جغرافياً في مناطق السلطة الفلسطينية، وخاضعة لها إداريا وسياسيا وقانونيا، على الرغم من أنهم مقدسيون، وهذا التداخل السيادي يجعل هذا المُسن في حالة ضياع بين من المسؤول عنه، وزارة الشؤون الفلسطينية أم مؤسسة التأمين الإسرائيلية، وهذا يؤدي إلى تلقيه وحصوله على الرعاية الصحية القانونية لعدم معرفة الجهة الواجب أن تقدمها له، ويجعله ضحية لهذا الصراع السيادي ولقد تبين من مجمل المقابلات واجابات الاستبانات التي تم اجراؤها مع مجتمع العينة موضوع
  • الدراسة، إلى أن الشيخوخة في القدس، هي حالة " شيخوخة تحت الحصار"، فالقوانين والأنظمة المعمول بها لا تهدف إلى رعاية المُسن كقيمة إنسانية، وإنما تُستخدم كأدوات هندسة ديموغرافية، ولذلك فإن أي تدخل صحي أو اجتماعي لن ينجح ما لم يُصاحبه " تمكين حقوقي وقانوني"، يحمي وجود المُسن في مدينته، ويضمن له الوصول الحر وغير المشروط لحقوقه الطبيعية.

مناقشة النتائج وتفسيرها

أظهرت نتائج الاستبانة أن (77%) من المسنين يُعانون من أمراض السكري، لكن التفسير العلمي لهذه النتيجة يتجاوز العامل البيولوجي المرتبط بالسن. ويمكن تفسير هذه النسبة العالية من خلال نظرية (الاجهاد التراكمي)، فالمُسن المقدسي عاش عقوداً من الضغوط النفسية والسياسية، مما أدى إلى استنزاف " النظام الهرموني والجهازي" لديه. إن الربط بين المقابلات النوعية التي تحدث فيها المسنون عن " القلق المستمر على الأبناء"، وبين نتائج الاستبانة الصحية، تؤكد أن الأمراض المزمنة في مدينة القدس هي " امراض سياسية بامتياز. وكذلك كشفت النتائج عن فجوة هائلة بين السكان الذين يسكنون داخل المدينة وأولئك ممن يسكنون خارجها وراء الحواجز العسكرية، (94%) منهم يعانون من عوائق الحواجز، وتفسير ذلك يرتكز على" الاقصاء المكاني القسري"، فالحواجز لم تعد مجرد نقاط تفتيش، وغنما تحولت لتصبح أدوات "هندسة ديموغرافية"، تؤدي إلى تدهور الحالة الصحية للمسنين لدفعهم إما للرحيل أو الانعزال، وهذا يُفسر لجوء المُسن لـ “تطبيع الألم"، حيث يختار المُسن تحمل الأوجاع في بيته على مواجهة ذل الحواجز، وهو ما نعتبره سوسيولوجياً " انسحاباً من الحق في الحياة".

التحديات الاقتصادية

وعند تقاطع نتائج الاستبانة (78%) (عدم كفاية الدخل)، مع المقابلات المُعمقة، تبرز صورة  " الفقر الممنهج"، وهذا يُفسر بتدني مستوى المعيشة في ضوء نظرية "التبعية القسرية"، فالمُسن المقدسي محاصر بين منظومة ضريبية إسرائيلية باهظة (أرنونا)، وبين مخصصات تأمين وطني مصممة للحد الدنى من البقاء، وهو ما يجعل المُسن المقدسي يفاضل بين ما يحتاجه لمعيشته اليومية أو توفير أثمان الأدوية التي يحتاجها، وهذا يكشف عن انهيار في منظومة الأمان الصحي عنده.

وكشفت المقابلات عن تحول المُسن من " المركزية الأبوية" إلى "التبعية للأبناء"، وهذا الانقلاب في الأدوار الاجتماعية يؤدي إلى ما يُسمى " الوفاة الاجتماعية المُبكرة"، حيث يشعر المُسن بفقدان قيمته ودوره، مما يُفسر ارتفاع مؤشرات الاكتئاب والقلق في نتائج الدراسة الكيفية 

مناقشة شبكات الدعم الاجتماعي: (ارهاق الرأسمال الاجتماعي):

أظهرت الاستبانة أن الأسرة هي الداعم الأول بنسبة (60%)، وكشفت المقابلات كذلك عن تصدعات 

في هذه الشبكة، وهذا التناقض يُفسر بأن الرأسمال الاجتماعي في مدينة القدس، يتعرض لعملية "استنزاف" فالأبناء المقدسيون يوجهون أزمات سكن واقتصاد طاحنة، مما يجعل قدرتهم على رعاية والديهم " مادية"، اكثر منها " رعائية “، وهذا عائد إلى أن الأسرة المقدسية قد بدأت بالتحول من أسرة "ممتدة متكافئة"، إلى أسرة "مشتتة جغرافياً"، وذلك لأسباب كثيرة معيشية وسكنية، والجدار والحواجز العسكرية، مما يترك المُسن المقدسي في حالة " يُتم مكاني"، على الرغم من وجود أبنائه على قيد الحياة.

رؤية مُستقبلية

تنبثق الرؤية المستقبلية لهذه الدراسة من رحم المُعانة التي كشفت عنها المُعطيات الميدانية، وهي تهدف إلى الانتقال بالمُسن المقدسي من حالة "الصمود بالحد الأدنى"، إلى حالة “الرفاه والكرامة"، وتتلخص هذه الرؤية في المحاور الاستراتيجية التالية:

يُمكن تفسير تمسك المسنين المقدسيين ببيوتهم التي يملكونها، أو نلك التي يقطنون بها، مهما كانت أوضاعها البنائية، سليمةـ متهالكة، أو تفتقر إلى مقومات ثباتها وعدم هدمها، داخل البلدة القديمة او في الأحياء المحيطة بها داخل حدود المدينة المُقدسة، من خلال مفهوم "المُقاومة السلبية"، أو "الصمود الفيزيائي"، فالمًسن مستعد للتضحية بصحته الجسدية (البيولوجية) في سبيل الحفاظ على هويته القانونية (اثبات الإقامة). إن صعوبة الوصول لحقوق المريض، ليست مجرد عائق لغوي، وإنما هي "بيروقراطية إقصائية"، ويمكننا تفسير ذلك من خلال استخدام الإجراءات الإدارية الإسرائيلية المُعقدة بالنسبة للمُسن المقدسي،  كأداة لتقليل الإنفاق العام على المُسن العربي المقدسي، وتوجيه هذه الموارد إلى مثيله من المسنين في الجانب الغربي من المدينة، مما يُكرس حالة " المواطنة المنقوصة" أو "المواطنة الخدمية المشروطة".  إن الإجابة على سؤال الدراسة: " إلى أين"؟ تضعنا أمام مسارين لا ثالث لهما:

المسار الأول: الاستمرار في الوضع الراهن: وهو مسار يُنذر بكارثة إنسانية، حيث سيؤدي استمرار التهميش، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتشديد الخناق الجغرافي، إلى تحويل مجتمع المُسنين في مدينة القدس إلى مجتمع "منسي"، يُعاني من نسب مرتفعة من الوفيات المبكرة، وانتشار الخرف الناتج عن العزلة، والفقر المدقع، مما يعني خسارة  المدينة المقدسة لأهم صمامات امان هويتها وتاريخها.

المسار الثاني: مسار الرؤية والتمكين: وهو ما ندعو إليه من خلال هذه الدراسة، وذلك بالانتقال من "الإغاثة الموسمية"، إلى " الحماية الهيكلية"، إن آفاق المستقبل التي نرسمها من خلال هذه الدراسة، تقتصي وتستلزم تحويل التوصيات التي تم طرحها هنا، إلى سياسات حقوقية، صحية، واجتماعية، تصمن للمُسن المقدسي ان يشيخ في مكانه بكرامة، مدعوماً بتكنولوجيا ميسرة، وحماية قانونية دولية ومحلية، وشبكة تكافل وطنية، لا  تتركه وحيداً، في مواجهة البيروقراطية الإسرائيلية المُعقدة، ولا المحاولات الاحتلالية التي تسعى بكل ما تحت أيديها من وسائل غير قانونية لإجباره على التهجير والابتعاد عن مكنون حياته، وصمام أمانه في بيته، وفي مدينته المقدسة، محور حياته ونبض روحه 

الرؤية لمجتمع "صديق للمُسن":

نامل ان تتحول القدس، بمبانيها العتيقة وأحيائها المكتظة، إلى بيئة حضرية، تحترم وتراجع القدرة  الجسدية للمُسن، وما نأمله هو إعادة تأهيل شاملة للكل المرافق الحياتية فيها من أبنية وأرصفة  وشوارع وخدمات ونقل، تساعد المُسن المقدسي في حياته اليومية، وتمكنه من التنقل الحر وغير المُقيد بالتعقيدات الأمنية العسكرية التي يفرضها واقع الاحتلال للمدينة، ويُنهي عصر " العزلة  القسرية" التي يعيشها المسنون اليوم.

 الرؤية لنظام صحي " عابر للحدود السياسية":

نطمح لتحييد الحق في الصحة عن الصراع السياسي والجغرافي، وما نأمله هو الوصول إلى نظام "الرعاية المنزلية الشاملة"، تمكن المُسن من الحصول على الرعاية الصحية الشاملة، بعيداً عن كل التعقيدات السياسية، التي تستخدمها السلطات الإسرائيلية بحق المُسن المقدسي، وتحول بينه وبين الوصول الامن والمريح لكل الخدمات الصحية التي يحتاجها، وذلك من خلال تحقيق " الاستحقاق الصحي التلقائي"، حتى لا يضطر المُسن المقدسي لخوض معارك بيروقراطية لإثبات حاجته للتمريض أو الدواء.

 الرؤية للتمكين القانوني والأمان الهوياتي:

نامل أن تنتهي حالة "القلق الوجودي" المرتبط بالهوية والإقامة، وذلك عبر الوصول إلى وضع قانوني مستقر للمُسن المقدسي، يحميه من " سحب الهوية"، مهما كان مكان سكنه، أو مدة غيابه لتلقي العلاج، ونأمل أن يتم إقرار " مظلة حماية قانونية" دولية، تعتبر المُسن المقدسي محمياً بموجب القانون الدولي، مما يضمن له حصانة ضد الإخلاء القسري من منزله، وضد الضغوط الضريبية التي تستنزف مخصصات شيخوخته.

الرؤية للعدالة الاقتصادية والاستقلال المادي:

نطمح لأن يكون خريف العمر في القدس مرحلة راحة وليس مرحلة عوز، وما نأمله هو إقرار مدخول يكفي المُسن المقدسي، ويحفظ ماء وجهه، دون الحاجة إلى الاستجداء والعوز للغير، من أجل تحقيق أدنى درجات المعيشة، وهو ما يمكننا أن نطلق عليه "راتب الكرامة"، مما يجعله يفكر في كيفية تامين لقمة العيش الكريم.

الرؤية للتلاحم الاجتماعي

نامل في أن يستعيد المُسن المقدسي "المركزية الاجتماعية" في الثقافة المقدسية، ونأمل أن تختفي فكرة "الملاجئ" أو “دور العجزة"، بوصفها مكاناً للعزل، لتتحول ‘إلى مراكز تواصل عابرة  للأجيال، ونطمح إلى رؤية المراكز المجتمعية منتشرة في كل الأحياء العربية في المدينة المقدسة، حيث يجلي المُسن، حامي الذاكرة المقدسية، مع الشاب "حامل التكنولوجيا" في علاقة تبادلية، حيث يقدم المُسن الحكمة والتاريخ، بينما يُقدم الشاب الدعم التقني والبدني، مما يُعيد للمُسن احساسه بجدوى وجوده واهمية دوره في المجتمع.

استنتاجات البحث:

بعد رحلة بحثية استقصائية، عاصت في تفاصيل حياة كبار السن العرب في مدينة القدس، واستنطقت أرقام الاستبانة (200 مشارك)، وقصص المقابلات المُعمقة (100 مشارك)، نصل إلى ختام هذه  الدراسة، التي لم تكن مجرد رصد إحصائي، بل كانت تشريحاً لواقع "الصمود الرمادي" في اكثر مدن  العالم تعقيداً. كما أثبتت هذه الدراسة من خلال فصولها التحليلية، أن الشيخوخة في مدينة القدس ليست مجرد مرحلة عمرية بيولوجية، وإنما هي " شيخوخة سياسية وقانونية قسرية"، ويُمكن تلخيص أهم الاستنتاجات فيما يلي:

  1. المكان كقدر صحي: فقد خلصت الدراسة إلى أن الموقع الجغرافي للمُسن (داخل الجدار أو خلفه)، هو المُتغير الأكثر تأثيراً على جودة حياته وصحته، فينما يُصارع المسن "داخل الجدار" بيئة فيزيائية وعمرانية متهالكة، يُصارع المسن (خلف الجدار) عزلة قانونية وحواجز عسكرية، تمنعه من الوصول الأمن والطبيعي وبشكل حر إلى أماكن حصوله على الرعاية، مما خلق ما يمكننا تسميته" تجزئة الشيخوخة"، في المدينة الواحدة.
  2. ارتباط الاستحقاق بالمعاناة: استنتجت الدراسة إلى أن الحصول على الحقوق الصحية والقانونية مثل مخصصات التمريض، لا يتم كعملية خدمية طبيعية، وإنما كعملية نضالية قانونية شاقة، مما يُحرم  يُحرم معه المُسن من الأكثر ضعفاً من الحصول على حقوقه بسبب تعقيدات اللغة والبيروقراطية.
  3. هشاشة شبكة الأمان المزدوجة: كشفت الدراسة عن تأكل الرأسمال الاجتماعي، حيث تبين أن الأسرة المُنهكة اقتصادياً وسياسياً، لم تعد قادرة وحدها على تحمل عبء الرعاية الشاملة، في ظل غياب شبه كامل لشبكات الأمان المؤسساتية الوطنية المحلية أو الدولية، التي ترقى لمستوى الأزمة. 
  4. الأثر النفسي لمركز الحياة: تبين من خلال نتائج الدراسة أن القلق الدائم الذي يعاني منه المُسن المقدسي لخوفه من فقدان الهوية الإسرائيلية (سحب الإقامة)، هو المُحرك الخفي لرفض العديد من المسنين تحسين ظروف سكنهم، أو انتقالهم لمناطق اكثر راحة مما يجعل " الهوية القانونية" عبئاً صحياً يدفعه المُسن من عافيته الجسدية.

ختاماً:

إن البحث في موضوع "الشيخوخة في القدس، إلى أين؟" يكشف عن واقع مُركب، يتداخل فيه العجز الجسدي مع التهميش المؤسساتي والضغط الاقتصادي، وقد أظهرت النتائج ان المُسن المقدسي يواجه تحديات وجودية، تتمثل في عدم كفاية الدخل وصعوبة الحركة، وسط تشاؤم غام من تحسن الخدمات الرسمية مستقبلاً.

تتجسد معاناة المُسنين في مدينة القدس المحتلة كصورة مُصغرة للصراع الفلسطيني الشامل، حيث تتحول الشيخوخة من مرحلة عمرية طبيعية إلى فعل صمود يومي أمام منظومة قمع ثلاثية  الأبعاد، نظام صحي مُفتت يحرم (75%) من المُسنين من الوصول إلى المشافي في القدس بشقيها الشرقي والغربي، بفعل جدار العزل العنصري، وغياب الضمان الاجتماعي، الذي يدفع (45%) منهم تحت خط الفقر، وسياسات ممنهجة تهدد (40%) بفقدان حق الإقامة بحلول عام (2023) بسبب قوانين (مركز الحياة).

إلا أن التوصيات تُشير إلى مخرج يتمثل في "الرعاية التشاركية"، فمن خلال تعزيز الرعاية المنزلية، وتطوير البنية التحتية، لتكون صديقة للمُسن، يمكننا تحويل مسار الشيخوخة من حالة انتظار سلبية" إلى حالة "صمود نشط".

إن حماية كبار السن في المدينة المقدسة، ليست مجرد التزام اجتماعي، بل هو صيانة للذاكرة التاريخية والهوية الصامدة للمدينة، مما يتطلب تكاثف الجهود التربوية، الأهلية، والحقوقية، لضمان كرامتهم حتى في أصعب الظروف. عن كبار السن في المدينة المقدسة هم " الجذور الضاربة" في عُمق الأرض، وهو الذين دفعوا أثماناً باهظة عبر عقود من الصراع، للحفاظ على عروبة مدينتهم.

إن هذه الدراسة تخلص إلى أن الوفاء لهذه الفئة ليس منة ولا عملاً خيرياً، بل هو واجب وجودي، فبقدر ما نُكرم شيبتهم، نحفظ مستقبل مدينتا. لقد أثبت البحث أن " القدس التي نُريد"، هي المدينة التي يجد فيها المُسن رصيفاً يسيراً، وطبيباً قريباً، ودخلاً كافياً، واحتراماً لا ينقطع، إن الشيخوخة في القدس يجب ان تتوقف عن كونها "نضالاَ للبقاء"، لتُصبح "راحة مُستحقة"، في كنف مدينة تستحق منهم الأفضل، ويستحقون هم منها  الوفاء.

وأخيراً، " في مدينة القدس العربية المُحتلة" فإن كُل خطوة يخطوها المُسن نحو عيادة طبية هي معركة كرامة، وكُل لحظة يقضيها المُسن مع أبنائه وأحفاده، هي انتصار على التهجير. عن حماية مُسني القدس الشرقية ليست قضية إنسانية فحسب، وإنما هي العمود الفقري لصمود الهوية الفلسطينية، وحقه في الوجود.

     الاقتراحات والتوصيات:

بناء على النتائج التي تم التوصل إليها من خلال الاستبانة (الجانب الكمي)، والمقابلات المُعمقة  (الجانب الكيفي)، تُقدم هذه الدراسة (الشــيـخـــوخـــــة فــي الـقـــدس: إلــى أيــــــن؟ واقـــــع  الـتـــحــديــــــات وآفــــــاق الـمستـــقـــبــــل)، مجموعة من التوصيات الاستراتيجية والاجرائية التي نرجو أن تصل إلى صناع القرار والمؤسسات الحقوقية والمجتمع المحلي.

  • العمل على الضغط على الحكومة الإسرائيلية، لانتزاع بروتكول خاص يمنح كبار السن المقدسيين "أولوية المرور" عبر الحواجز العسكرية دون الخضوع لإجراءات التفتيش الطويلة، مع العمل على توفير وسائل نقل للمرضى (اسعاف)، مخصصة للتنقل بين ازقة المدينة المُقدسة، التي لا تصلها المركبات الكبيرة.
  • تحويل جزء من الميزانيات الصحية لتمويل " وحدات علاجية منزلية" التي يمكنها الوصول للمُسن في بيته، والعمل على تزويد هذه الوحدات بكل الأجهزة الضرورية الطبية اللازمة، لمراقبة الحالات الصحية الخطرة للمسنين عن بُعد، وذلك للتدخل بشكل سريع قبل وقوع أزمة صحية.
  • إنشاء صندوق تكافلي، يتم تمويله من التبرعات التي يمكن جمعها من السكان المقدسيين أو من المؤسسات المجتمعية الفلسطينية المقدسية،  او الدولية، ومهمته القيام بالمساعدة في تمويل تكاليف الأدوية للأمراض المزمنة، والتي لا تشملها  ولا تُغطيها سلة الخدمات الأساسية، وضمان صرفها للمُسنين الذين يقعون تحت خط الفقر القسري.
  • إنشاء وحدة قانونية متخصصة تتبع نقابة المحامين الفلسطينية المقدسية، او المؤسسات الحقوقية العاملة في مدينة القدس، لمساعدة المسنين المقدسيين في معاركهم ضد الحكومة الإسرائيلية حول" اثبات الإقامة"، وتحصيل حقوق التمريض
  • التحرك القانوني الجماعي لفرض إعفاء تلقائي وكامل من ضريبة "الأرنونا"، وضرائب الأملاك لكل مقدسي تجاوز سنه الـ(70 عاماً)، وذلك لضمان عدم استخدام الضغوط المالية كأداة لتهجيرهم من بيوتهم في مدينة القدس، داخل وخارج أسوار المدينة القديمة.
  • إنشاء مراكز نهارية تدمج بين" العلاج الوظيفي" و" نقل الذاكرة"، حيث يستثمر المسنون كخبراء في التاريخ الشفوي والحرف التقليدية لتعليم الأجيال الناشئة، مما يُعيد للمُسن الدور الاجتماعي الذي فقده بسبب الحداثة والضغوط السياسية، ويٌقلل من نسب اكتئاب الشيخوخة.
  • تدريب كوادر من " لجان الأحياء" والشباب المتطوعين على مهارات "الإسعاف النفسي الأولي للمسن" لتقديم الدعم المعنوي والرفقة الاجتماعية للمسنين الذين يعيضون بمفردهم، مع التركيز على تقنيات العلاج بالذكريات، لتعزيز هويتهم وصمودهم النفسي.

المقترحات المستقبلية:

في ظل النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة، فإن الباحث يقترح ويدعو إلى اجراء المزيد من الدراسات التالية مُستقبلاً:

  • دراسة مُقارنة بين جودة حياة المسنين العرب في القدس الشرقية والمُسنين في القدس الغربية، للوقوف على فجوة التمييز المؤسساتي.
  • دراسة أثر التهجير القسري وهدم المنازل على رؤوس أصحابها بحجج واهية وادعاءات زائفة تعلنها المؤسسات الحكومية الإسرائيلية من عدم وجود ترخيص لها، او عدم قدرة أصحابها من المُسنين إثبات ملكيتهم لها، لعدم توفر الأوراق القانونية معهم، لأنهم ورثوا هذه البيوت جيلاً بعد جيل.
  • دراسة دور التكنولوجيا الرقمية في تعزيز التواصل الاجتماعي، وتقليل العزلة لدى المُسنين، في ظل جدار الفصل العنصري.