• 15 شباط 2026
  • حارات مقدسية

 

بقلم : الباحث الشيخ مازن اهرام 

 

تغزل الشوارع في القدس خيوطاً تميّز محيط طريقها، فلكلٍ منها قصته، وتاريخه، وحجارته التي باركتها السماء لتكون جزءاً من المدينة المقدّسة فالقدس تزخر بالقصور والأبنية التاريخية التي تعكس عراقة المدينة وتنوع حضاراتها، أبرزها القصور والقلاع والبيوت الفخمة في القرنين الثامن والتاسع عشر في فلسطين علامة مميزة في التاريخ الفلسطيني، ونشطت حركة العمران في مدينة بيت المقدس  وتفاضلت المدينه  القديمة لما قدمته من إرث عمراني يتصف بتكامل وشمولية وظائفية يظهر في الانسجام والتمازج الاجتماعي على مدى الحضارات المتعاقبة عليها، قلما نراه في مدن اليوم فعند النظر إلى معالم المناطق السكنية في المدينة القديمة نجدها تتميز بمزيج المساكن من قصور ومنازل وأحواش لتوفر احتياجات الطبقات المجتمعيّة المختلفة، يتجاور فيها مساكن الحكّام والقيادات الدينيّة والسياسيّة مع المساكن التي يقطنها المواطنين بصرف النظر عن القوة أو الثروة أو الوضع الاجتماعي  كما شكل نسيجها العمراني بيئة حضرية متجانسة من مبان ومنشآت وصروح مختلفة الأحجام والأشكال والطرز المعماريّة والجماليّة 

شكّلت تلك التركيبة الأساسيّة، النواة المتكاملة للمدينة والتي استمرت خلال الحقب الزمنية المتلاحقة في حين امتدت وتوسعت لتلبي الاحتياجات المتغيّرة للسكان وحكّامهم ولتواكب التطورات المستجدة. ترتّب على ذلك تحول في استخدامات المباني مع تبدّل العادات والتقاليد ومتطلّبات الحياة وتطورها بما فيها اختلاف الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة. كما استلزم القيام بتطويع وتجديد جزئي لعدد من المبانِ والصروح العمرانيّة لتلبي وظائف واحتياجات جديدة أكثر ملاءمة لما يستجد خلال التطور الطبيعي للمدينة.

وإنصافاً للتاريخ لابد  أن تتظافر أقلام  الباحثين بتسليط الضوء على العمارة في القدس والإشارة لتلك القصور والأبنية  في القدس والبلدة القديمة   والبقعة بشقيها وحي الوعرية والنمامرة  والطلبية و لا زالت البيوت باقية بعراقتها وهويتها وعمارتها المميزة تئن بالغرباء الذين استولوا على مساكنها وبيوتها المسروقة في القدس ولكن شيئا واحداً لا يمكنهم سرقته هو الرواية التي ما زال أصحاب الحي يرون تفاصيل حياتهم في هذا الحي وحقهم في العودة ومسقط رأسهم ....

يمثل قصر الزهراء لعائلة الدقاق المقدسية  شاهدًا معماريًا على مرحلة انتقالية في تاريخ القدس العمراني، اتسمت بتفاعل الأصالة المحلية مع التحولات السياسية والاقتصادية للعصر العثماني المتأخر. ومن خلال دراسته ضمن إطار قصور القدس في القرن التاسع عشر، يمكن قراءة القصر بوصفه نصًا حجريًا يعكس البنية الاجتماعية، والذوق الجمالي، وأنماط العيش في مدينة ظلّت عبر العصور مركزًا حضاريًا وروحيًا فريدًا يُشير السياق التاريخي  إلى أن قصر   الزهراء  كان ملاذاً ومكاناً هادئاً اجتمعت فيه ثلة من الشخصيات التاريخية بجوار المقادسة

  تشير الأروقة في قصرالزهراء والأفنية إلى ترف عزّ نظيره في المدينة العتيقة وخاصة بعد عام 1948 م فقصر الزهراء موقع تراث عالمي بامتياز، فهي تربط الطبيعة بالعمارة بطريقة خاصة، قلما تجدها في أماكن أخرى، إذ تتزين بإطلالة بانورامية خلابة تمتد على سهل الساهرة وعلى المناظر الطبيعية ونواة الحي بأكمله 

الموقع يقع قصر الزهراء في شارع الزهراء، أحد المحاور العمرانية التي نشأت خارج أسوار البلدة القديمة في أواخر العهد العثماني وبدايات القرن العشرين. وارتبط القصر بعائلة الدقاق المقدسية، وهي من العائلات التي كان لها حضور في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمدينة 

ويمثل القصر نموذجًا للعمارة المدنية المتأخرة في القدس؛ إذ يعكس انتقال السكن من الحارات المتداخلة داخل الأسوار إلى أبنية أكثر انفتاحًا واتساعًا في محيط المدينة، مع الحفاظ على العناصر المحلية في البناء، ولا سيما استخدام الحجر الكلسي المقدسي بوصفه مادة أساسية في التشييد وهو من المعالم السكنية المدنية التي ارتبطت بمرحلة التحوّل ويُعدّ نموذجًا دالًا على انتقال الثقل السكني لبعض العائلات من داخل أسوار البلدة القديمة إلى محيطها الخارجي، في سياق اتساع المدينة وتطورها العمراني وإلى أبنية أكثر انفتاحًا واتساعًا خارجها

السمات المعمارية يتجلّى في قصر الزهراء عدد من الخصائص المعمارية التي تميز عمارة القدس في تلك الفترة، من أبرزها الدلالة الاجتماعية لم يكن القصر مجرد مسكن، بل كان فضاءً للتمثيل الاجتماعي واستقبال الضيوف وعقد اللقاءات، ما يعكس مكانة العائلة المالكة له في المجتمع المقدسي. ، وهو تحوّل ارتبط بتغيرات اجتماعية واقتصادية واضحة في أواخر العصر العثماني 

القيمة التراثية يمثل قصر الزهراء شاهدًا على مرحلة مفصلية من تاريخ القدس العمراني، حيث تداخلت الأصالة المحلية مع التأثيرات الوافدة ضمن إطار يحافظ على الهوية المعمارية للمدينة. ومن ثمّ فإن توثيقه ودراسته يندرجان ضمن جهود حفظ التراث المدني المقدسي، بوصفه جزءًا من الذاكرة المعمارية والاجتماعية للمدينة  وبذلك يُعدّ قصر الزهراء 

وهو أحد المعالم التي تبرز ثراء القدس العمراني في القرنين التاسع عشر وبدايات العشرين، وتؤكد استمرار تقاليد البناء الحضري الفلسطيني في سياق من التطور التاريخي المتصل.

 بني قصر الزهراء عام  1900م، على يد الأخوين سعيد وعمران الدقاق، وقد كان من أوائل البيوت في سهل الساهرة. تم تصميمة من قبل مهندس تركي، فهو مزيج معماري متميز من الحضارة الاسلامية و التركية. سكنته عائلة الدقاق لغاية 1930م

يتألف المبنى من طابقين ,يحتوي كل طابق على ثمانية غرف وقد سكنت عائلة الدقاق هذا البيت حتى العام 1927 
‎أشهر من سكنه المندوب السامي البريطانيّ السير جون تشنسلر في العام 1930م انتقل المندوب السامي عام 1927 للسكن في منزل عائلة الدقاق هناك "قصر الزهراء"، حتى العام 1930 بعد أن تعرض مقره "قصر اوغستا فكتوريا" لبعض الدمار نتيجة الزلزال الذي ضرب المنطقة في ذلك العام نستطيع أن نتخيل أمام هذا المنزل كيف كانت تجمعات أول مظاهرة نسائية في فلسطين في تشرين الأول من عام 1929، حيث توزعت (300) سيدة من أنحاء فلسطين، على 100 سيارة، جئن للاجتماع مع المندوب السامي وحرمه

  استأجره السيد روحي الخطيب، الفندق منذ عام1950م الذي قام بتحويل البيت إلى فندق الزهراء.ليكون من الفنادق الأولى بمدينة القدس قامت شركة الفنادق العربية بمغادرة الفندق في العام 1959 ثم تم تأسيس شركة الفنادق العربية لاحقاً وبناء فندق الامباسادور في حي الشيخ جراح   في العام  1965م، حيث قامت عائلتي الشماس والسلفيتي بإعادة تشغيل الفندق والمطعم الى يومنا هذا...قامت عائلة الدقاق في العام 1965 ببناء عدد من المحلات التجارية امام مبنى الفندق بمحاذات شارع الزهراء.شخصيات مقدسية لازالت تشغله كفندق الزهراء   

تم تأجيرقصر الزهراء  لمدرسة الروضة لغاية العام 1948 م ارادت مدرسة الروضة ان تتوسع خارج اسوار القدس , فاستأجرت في العام 1932 بيت الدقاق وحولته ليصبح مدرسة روضة المعارف الحديثة في باب الساهرة , كما قامت باستئجار الطابق الثاني من بيت الشهابي المجاور ليكون سكنا للطلبة, وبقيت مدرسة الروضة تشغل المبنيين حتى النكبة في شارع الزهراء أحد أهم الشوارع الحيوية والتجارية في مدينة القدس ومع ذلك لا زالت بيوته ترمز لمكانته وتراثه العربي والإسلامي  

 وصدر مؤخرا كتاب "عتبات شارع الزهراء" للكاتب عزام أبو السعود، رئيس الغرفة التجارية في القدس تحدث فيه عن تاريخ البيوت والعائلات المقدسية في هذا الشارع، وأورد قصص وذكريات وصور ساكنيه؛ في محاولة لاكتشاف مراحل تطوره منذ نهاية العهد العثماني حتى يومنا هذا 

الكاتب عزام أبو السعود وثّق تاريخ هذا الشارع في كتاب "عتبات شارع الزهراء"، فقال إن "التاريخ المكتوب لا يقل أهمية عن التاريخ الشفوي، لأنه مرجع أساسي، ونجد في غرب القدس كتبًا باللغة العبرية تحتوي على معلومات أكثر من الكتب العربية، فهي توثّق المباني والمؤسسات والبيوت وسكانها بعد 1948، وهنا تكمن أهمية هذا الكتاب

. وإن شارع الزهراء بدأ ترابيا كمسار للخيل وعرباتها، إن أول بيت موثّق في هذا الشارع هو مبنى الشيخ الخليلي، بجانب حديقة روكفلر "كرم الخليلي"، انتهى بناؤه عام 1711 م، سميّ هذا الشارع عام 1956 -أي أثناء العدوان الثلاثي على مصر- بـ"شارع بورسعيد" تخليداً لبطولاتها، ثم أعادت الحكومة الأردنية عام 1959 إعادته لاسمه الأصلي، "شارع الزهراء". ويقال إن الانجليز أطلقوا اسم الزهراء على الشارع بسبب وجود "قصر الزهراء" فيه، وهو الاسم الذي أطلقه "آل الدقاق" على بيتهم

في شارع الزهراء سكن أيضاً فريد الحسيني، تحديداً في منزل آل قليبو، الذي خرجت منه جنازة حاشدة لأخيه قائد قوات الجهاد المقدس، الشهيد عبد القادر الحسيني، بعد استشهاده عام  1948م، في معركة القسطل، وهو الآن مركز ثقافي تركي

(مبنى الشهابي التاريخي) وبالعودة إلى تاريخ هذا المبنى، نجد أن أهم من سكنه كانت السيدة زليخة الشهابي، وهي مناضلة فلسطينية، كانت أول من شكّل اتحاداً نسائياً فلسطينياً لمناهضة الانتداب البريطاني، وشاركت في مظاهرة 1929، ومقابلة المندوب السامي بعد ثورة. وبعد وفاتها عام 1992 سُرق من المنزل بلاطه القديم، والمغسلة الفنية الأثرية التي تم استعادتها. وبعد صراع على ملكيته تم الاتفاق بين الورثة وسامي ابو دية الذي أصبح شريكهم بعد شرائه حصصاً منهم، بتأجير المبنى لمعهد ادوارد سعيد، بينما تتبرع العائلة بحصتها من الإيجار لمؤسسة التعاون

وكذلك في شارع الزهراء يوجد بيت عائلة القدوة (الطزيز) وعائلة البديري وعائلة الأنصاري وعائلة والحلاق  

الهوامش والمراجع

الاستاذ الباحث عزام أبو سعود 

عارف العارف، المفصل في تاريخ القدس، القدس: مطبعة المعارف،  1961.

كامل العسلي، وثائق مقدسية تاريخية، عمّان: الجامعة الأردنية،  1983.

شقير مصطفى، القدس في العهد العثماني، بيروت: دار الهدى،  1995.

شكري عرّاف، الخانات في فلسطين، حيفا: دار الهدى، 1993 (للسياق العمراني  المدني في القرن التاسع عشر).

سليم تماري، القدس العثمانية: دراسات في المجتمع والاقتصاد، بيروت: مؤسسة  الدراسات الفلسطينية، 2008.

رشيد الخالدي، الهوية الفلسطينية: بناء الوعي القومي الحديث، بيروت: مؤسسة  الدراسات الفلسطينية، 1997 (للسياق الاجتماعي العام).

 اصدارات هيئة أشراف بيت المقدس بالقدس وفلسطين