• 17 شباط 2026
  • حارات مقدسية

 

بقلم: الباحث الشيخ مازن اهرام 

 أيتها القلوب الندية ، ذوات المشاعر الحسية ، أبقي كما أنتي وأصبري وصابري يا قدس على الألم فالصبح قريب اشتقت لك يا مطَرْ اً  تغسل قلوب البشررحم الله عمر بن عبد العزيز إن صحت مقولته  (‏انثروا القمح على رؤوس الجبال كي لا يُقال جاع طير في بلاد المسلمين)

في حواري البلدة القديمة داخل عقبة التكية وبين أزقتها مبنى أثري قديم في أحد الأزقة القريبة من المسجد الأقصى، ينهمك فيه عدد من الموظفين في إعداد وجبات ساخنة، تُقدم إلى سكان مدينة القدس ومحيطها يتوافد أهل بيت المقدس إلى بناية العمارة العامرة (خاصكي السلطان ) مع بزوغ الفجر إلى  التكية يصطف عشرات الشيوخ والنساء والاطفال في طابور  الفقراء والأغنياء على حد سواء امام بوابة التكية والتي انشأتها روكسيلانة زوجة السلطان سليمان القانوني على بعد مئات الامتار من المسجد الاقصى

فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ  للحصول على وجبتهم من أرز وحساء فيما يحملونه من اوعية الكشكول مع تعدد أنواعه وأحجامه تبركاً وسد اً لرمقهم وطعاماً  لعيالهم من حساء الجريشة القمح المجروش بالماء مع اللحم او بدونه وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلًا طَيِّبًا ۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم به مُؤْمِنُونَ 

هذه المنشأة من أهم المنشآت الخيرية في القدس وفي فلسطين كلها، وما زالت تعمل وتقدم خدماتها للأسر 

تكية خاصكي سلطان من أكبر المؤسسات الخيرية في فلسطين طيلة العهد العثماني، واستمرت في تقديمها الخدمات الجليلة لكافة الناس للفقراء والدراويش والمرابطين والمسافرين، ولزوار  التكية  التي أمرت السلطانة روكسيلانة أن تكون التكية وَقفاً في القدس سعيًا وراء “رضا الله” وذلك “للفقراء والمحتاجين والضعفاء والمشردين”، ذلك المبني الذي اشتمل على دير “بخمسة وخمسين بابًا” ونُزل مع مطبخ عام (تكيًه) ومخبز، وقد حوت المنشآت التي أقامتها الواقفة في القدس ووصف لها، وهذه المنشآت هي أربع 

 مسجد منيف، وعمارة كبيرة فيها مطبخ ضخم إطعام الفقراء، و55 حجرة لإقامة عابري السبيل والصوفية (رباط)، وخان واسع. ثم بيان القرى والمزارع والعقارات الأخرى الموقوفة على هذه المنشآت، ويبلغ عدد القرى والمزارع الموقوفة حوالي الثلاثين قرية ومزرعة وأربعة ألوية

كشكولنا اليوم  ليس بمفهومه أعني التسول والعوز إنما أعني أن على أهل بيت المقدس يدخروا كشكولهم يوم  لا ينفع مال ولابنون و أن النفوس جُلبت على حُبِ  من أحسن إليها  وأن صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ , وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ , وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمْر فكم من عائلة مقدسية أسبل الله عليها ستر الحال والمآل مع راحة البال علمت ألا تنظر ما  في الكشكول بل إلى من تفضل وأعطى الكشكول  وأن اللقم تدفع النقم  " 

الكشكول قديماً عبارة عن  وعاء  يحمله  المتسول  ويجول  به  في الاحياء  من اجل  ان يحصل  على رزقه  من المحسنين  وللكشكول  نوعان   نوع  يوضع  فيه  الطعام  المطهي  بالمرق الاحمر  ونوع  يوضع  فيه  الرز واللبن  والاشياء الجامدة   كالخبز والفواكه  والتمر وهذا متعارف عليه  بمدينة القدس.

 وجاءَ في المحيط: (الكَشْكول: وعاءُ المتسول يجمعُ فيهِ كلَّ ما تجمّعَ لديه من رزق)
والكَشْكُولُ اصطلاحاً: الكِتابِ الذَّي لا تَنْتَظِمُهُ (وَحْدَةُ موضوعٍ) بَلْ يَنتقِلُ فيهِ جامِعهُ مِنْ فنّ إلى فنٍّ؛ فَمِنْ تَفسيرِ آيةٍ إلى شَرْحِ رِوايةٍ، وَمِنْ مَسائِلَ عِلْمِيَّةٍ إلى طَرائفَ أدبيةٍ أوْ حَوادِثَ تأريخيةٍ أوْ نوادِرَ ومُسْتَطرفاتٍ ومُفاكهاتٍ. الكَشكُوْل في عُرْفِ أهلِ العلمِ اسم لِكتابٍ يَجْمَعُ مَا لذَّ وطابَ مِنْ الفوائدِ الأدبيَّةِ والشذراتِ الاجتماعيَّةِ والسوانِحِ الفِكْرِيَّةِ والقواعدِ العِلميَّةِ ولَطيف الأشعارِ ونَوادرِ الآثارِ، كُلّ ذلكَ مِنْ غيرِ تَرتيبٍ ولا تبويبٍ
ويُقرِّبُ لنا الشيخ الطاهر الزاوي الليبي معنى كلمة كَشْكُول فيقُول

 (وكَلمةُ كَشْكُول كَلمةٌ فارسيةٌ تُطلقُ على ما يُسمى عندنا بالعربيةِ (الحقيبة) التي يستعملها المسافِرُ في أسفارِهِ، والصوفيّ في سِياحَتِهِ؛ ليضعَ فيها ما يلزمهُ من حوائجهِ المختلفةِ)

والكشكول تشبه  الإناء  تدلى  في الجب  الذي  هوه  مستودع  ومبرد  للماء  في  الصيف ويخرج  الماء الكشكول  ويشرب منه  ويقال بالمثل : ((احلى  من ماي الكشكول ))  أترك لكم العنان كلٌ في مخيلتهِ وافكارهِ  ليبحث عن كشكوله وما حواه فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُور

لمدينة القدس حكاياتها الخاصة التي تتميّزبها مبانيها مساجدها والزوايا  الخوانق  الكنائس  عماراتها حاراتها شوارعها العتيقة لتُضفي رونقاً يجمع التاريخ بالحاضر. من بين تلك الحكايات حكاية تكية خاصكي سلطان (روكسلانه) ونحن على مشارف شهر رمضان المبارك  حيث تنشط تكية خاصكي الاستعداد لتلبية الطعام لسكان المدينة والوافدين عليها للصلاة في المسجد الأًٌقصى المبارك وضيوف الرحمن 

التكيّة (جمع  تكايا) من العمائر الدينية المهمة التي ترجع نشأتها إلى العصر العثماني ومفردها «تكية»، وأُنشئت خاصة لإقامة المنقطعين للعبادة من المتصوفة ومساعدة عابري السبيل،.
أشار الرحالة التركي أوليا جلبي الذي زار فلسطين في القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي إلى أن القدس كانت تستأثر بتكايا لسبعين طريقة منها الكيلانية والبدوية والسعدية والرفاعية والمولوية. وكانت تلك الطرق منتشرة في الوقت ذاته في المدن الفلسطينية الأخرى مثل نابلس والخليل وغيرهما من مدن فلسطين
تكية خاصكي سلطان:  أنشأتها خاصكي سلطان زوجة السلطان سليم القانوني عام

( 959 هجرية 1551م) وتقع التكية في مدينة القدس في عقبة التكية المعروفة باسم عقبة المفتي  (العمارة العامرة) وتم وقف أوقاف كبيرة للتكية منتشرة في سناجق القدس وغزة وصفد وصيدا. وأشرف على بناء التكية الأمير بايرام جاويش بن مصطفى الذي أشرف على عمارة سور القدس المعروف في التاريخ. وكانت التكية من أهم العمارات التي أنشأها العثمانيون لمساعدة الفقراء في فلسطين وكذلك مساعدة طلبة العلم في القدس  "وظلت حتى الستينات من القرن العشرين المنصرم تقدم الطعام للفقراء
 البناء عبارة عن   قصر مملوكيّ وسط حارات القدس وأزقتها، وقد تداخل بناؤها في أقسام عديدة من مبنى سرايا الست طنشق المظفرية  

الموقع على بُعد أمتار من باب المجلس أحد أبواب المسجد الأقصى ما زال المشروع العثماني الأضخم تكية خاصكي سلطان ماثلا، حيث أُنشئ بأمر من السيدة روكسلانا زوجةالخليفة العثماني  سليمان القانوني قرابة 1552 ميلادي 

.ولا تزال التكية تفتح أبوابها حتى يومنا هذا وتشرف عليها دائرة الأوقاف الإسلامية بحيث يُقدم الطعام يوميا لنحو 500 شخص ويتضاعف العدد خلال شهر رمضان الطعام في تكية "خاصكي سلطان" طيلة أيام السنة ولسان حال روكسلانه المدللة تقول (نحن قوم لا نبخل بالموجود ولا نتكلف بالمفقود)

 وخزائن الله لا تنفذ.... لكن المكان يكتسب زخمًا خاصًا في شهر رمضان، فيزداد عدد مرتاديه أضعافًا مضاعفة، ويضمّ بناء التكية مطبخًا وفرنًا وقاعة كبيرة لتناول الطعام وغرفًا لتخزين المواد التموينية، وخانًا قديمًا كان اصطبلًا للخيول وأُلحق به فيما بعد مسجد، أمرت ببنائه زوجة   وتعتبر التكية أهم مرفد اقتصادي للفقراء في القدس، وخاصة من يعيشون بجواره المسجد الأقصى وفي البلدة القديمة

  يتألف مبنى التكية من قاعة ومطبخ لإعداد أصناف الطعام ومرافق عدة   

 والقاعة تتألف من بهو مغطى بأقبية متقاطعة ، جزء منه مغطى بقبو مروحي تتوسطه قبة صغيرة بها نوافذ ، وفي الجزء الجنوبي مغطى بأشكال مخروطية لعملية التهوية ، وفي الجهة الغربية موقدين من الحجر عليها قدور نحاسية كبيرة ، كانت فيما مضى لإعداد الشوربة ، ويتبع هذه القاعة غرف تقع في الجهة الشرقية تستخدم كمستودع للغلال والمواد التموينية والحبوب ، وفرن خبز يقع في الجهة الشمالية المقابلة لقاعة المطبخ ، ثم أعيد تشغيله لصالح لجنة زكاة القدس وإلى جوار المخبز غرف لخزن الغلال والحطب .

زار التكية ووصفها الشيخ عبد الغني النابلسي 1101هـ / 1690

وقال عنها: "ومن تكايا القدس المشهورة، تكية خاصكي سلطان، الواقعة في عقبة التكية المعروفة، وصف المؤرخ عارف العارف في كتابه “المفصل في تاريخ القدس” التكية بأنها من أبرز الأماكن الخيرية التي أنشأها العثمانيون الأتراك في القدس ، حيث إنه يقدم المشرفون عليها وجبات الغداء لعدد كبير من الفقراء وذلك منذ تأسيسها حتى الآن بشكل يومي

قام الأتراك بتوزيع التكية بنظام الأرقام في لوحة المستفيدين والبالغ عددهم 1120 عائلة بدلا من الأسماء وذلك حفاظا على خصوصية هذه العائلات  التي تنتفع من التكية ولضمان التوزيع العادل للجميع حتى لا يكون هناك تشابه في الأسماء والعائلات.

واللوحة موجودة في  المتحف الإسلامي ضمن المقتنيات والأوعية النحاسية الكبيرة (الدست)

وهنا باب تكية خاصكي سلطان التي بنتها حرم سلطان قبل سنة واحدة من وفاتها، لتقديم الخدمات الغذائية للفقراء والدراويش والمتعبين والمسافرين في القدس.