• 3 شباط 2026
  • أقلام مقدسية

بقلم : المحامي حسين عبادي 

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛ 

أصدرت كتاباً بعنوان "زهرات في قلب الجحيم" (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع) وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.

عدت من حفل إشهار كتابي "احتمالات بيضاء" في معرض الكتاب الدولي بعمان لأواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن.

أتصل من بوابة الدامون مباشرة بأهالي من تم قمعهن والاعتداء عليهن من الأسيرات، وبعدها بأهالي من التقيتهنّ، وأوصل بعدها رسائل باقي الأسيرات؛  

حاولت إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي المقيت، وهذا أضعف الإيمان؛

وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.

عقّب الصديق فراس الطيراوي: "مؤلم ومُلهم في آن، ما تنقله لنا من زنازين الدامون يا أستاذ حسن. فاطمة ورفيقاتها يكتبن فصول الكرامة في زمن الصمت، يواجهن القهر بابتسامة وذاكرة لا تُهزم. شكراً لأنك صوتهن في الخارج، فكل كلمة تكتبها تُعيد إليهن جزءًا من الحرية التي يُصادرها السجّان. الحرية لحرائر فلسطين، ولتبقَ المعنويات أعلى من كل جدران العزل والقمع. وعاشت فلسطين حرة عربية... وعاشت حرائر فلسطين اللواتي ينتظرن الحرية وهي آتية لا محال بإذن الله فالاحتلال مهما طال فهو حتما إلى زوال". 

  وعقبت الأسيرة المحرّرة شروق شرف: "بفكروا إرادة الأسيرات بتنكسر بالصراخ والشتائم والعزل وتقليص الفورة ونقص الملابس وأدوات النظافة وإلقاء كلمات على مسامعهم توحي بأنهم منسيات وما حدا سائل عنهم... ما بعرفوا أنه هاد الاشي يزيدهم عزيمة وإصرار وتحدي وأمل بالفرج القريب ... الله يفرجها على كل الأسيرات يا رب وعلى أم عناد وليان ويمامة وسماح وشاتيلا وآية وإباء وكل الأسرى ...وأنت يا أستاذ أمل الأسيرات وأهاليهم ونافذة الحياة وخيط الوصل بينهم ... أد ما نحكي ما منوفيك حقك ... الله يجزيك الخير يا رب".

 وعقبت الروائية والإعلاميّة باسلة الصبيحي: "سأقول لأول مرة فقط بخصوص الأسيرات هذه الأمة الإسلامية والعربية لا يحق لها أن تنطق كلمة الشرف والعزة هذه الأمة أمام ما يحدث لأسيراتنا هم عبارة عن قطيع وليس القطيع الذي تستفاد منه بل من القطيع المقطوع منه الرجاء سوى أنها كائنات حية تجتر وتنام أمة ساقطة ولن تقوم لها قائمة حتى يوم القيامة.

أما لك عزيزي أستاذ حسن كل الرجاء من الله أن يثبتك ويوهبك القوة للقدرة لتكون صوت العزيزات في زمن الذل".

وعقّبت الأسيرة المحرّرة إسلام حلبي: "والله جدعة فاطمة وأخت رجال كنت معها يوم مشكلة الأظافر وبقصة الحمام كمان من القصص اللي ما بتنتسى بالسجن... صديق الصدوق الي دايما مكلبش معي. حبيبتي فطوم الله يفرجها عليك يا رب إنتي وماما وكل الصبايا ...بوركت جهودك أستاذ حسن".

وعقّب الشاعر د. زياد عبد القادر:

" كوبُ النسكافيهِ غابَ عن فجرِها 

وصوتُ أمّها يسكنُ صلاتَها 

ترى في دعاءِ أبيها ضوءاً 

وتحيا ولو في السجنِ السجين، 

الليلُ طويلٌ بلا نجم 

والأسوارُ تحصي أنفاسَها 

لكنّها تُقسمُ بالصبحِ الآتي 

أنّ الحُريةَ وعدٌ ثمين، 

سلامٌ على (سلام) 

وعلى كلِّ صبيةٍ تُنادي الحلم 

تغزلُ من الألمِ ضوءاً 

وتسكنُ في العزفِ الأخيرِ حنين."

وعقّب د. جمال أبو نعاج: "فرج الله كربهن سلام وأخواتها الأسيرات، وسلام على ربى، سلام ومثيلاتهما. وأقر ذوي الأسرى والأسيرات بحرية أبنائهم، وبزوال الاحتلال عاجلا غير آجل. ولك أستاذ حسن من تمثل قناة الأكسجين بين خارج السجن وداخله، ألف سلام ودعاء لك بالقوة والعون ودوام نصرة الأسرى والأسيرات".

وعقّبت الأسيرة المحرّرة د. سرين صعيدي: "الأستاذ حسن الإنسان بقلبه وفكره وضميره قبل وصفه بأي صفة مهنية أخرى، صوت من غيّبوا قسرا عن عالم الشهادة فكان لهم العين الباصرة والصوت الصارخ والنور المنساب في حلكة الظلام بين أقبية الزنازين، والهواء النقي المنبعث من عالم الأحياء للمدافن بين جدران العفن والرطوبة.

برؤيته كنا نشعر بدفء بيوتنا ورائحة أحبابنا المتعلقة بملابسه والمنهمرة في كلامه ورسائله، كانت وما زالت زيارته تستحق كل العناء الذي نلاقيه في الخطوات القصيرة الموصلة إليه، فهي الجسر الواصل بين مدافن الأحياء وعوالم الأحياء، ولحظة انبعاث الروح في الجسد من جديد.

دمت الصوت الصارخ بالحق والضمير الحي بين كل من ماتت ضمائرهم ونبضة القلب بين قلوب لا نبض فيها ولا حياة".

"قمعة وعزل الأظافر" 

التفيت عصر الأربعاء 22.10.2025 في سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب بالأسيرة فاطمة حسن سلمان الجسراوي للمرّة الثانية (مواليد 01.11.1995)، محامية، السموع/ الخليل ورهن الاعتقال منذ يوم 01.04.25، الساعة 11:30 نص ليل.

بعد الترحاب سألتها عن ترويحة شهد فصدمتني أنهم أخبروها بأنها ستكون يوم 3 أو 4 حداش ومش اليوم!

أوصلتها سلامات أهلها وأخبرتها أن علي وعثمان قد سافرا للقاهرة لدراسة الطب، وانفرجت أساريرها حين علمت أن أختها أسماء توظّفت في مدرسة بمسافر يطا وبعد دموع الفرح عقّبت (صرلها بتستنّى 13 سنة!)، وأن فلسطين سافرت إلى الأردن وقدّمت البورد العربي، وكم كانت فرحة حين أوصلتها معايدة شهد بعيد ميلادها.

فاطمة بغرفة 4؛ برفقة ندين الدغامين (أسيرة جديدة)، سامية جواعدة، إباء الأغبر، ميسون مشارقة وفرح أبو عياش (أسيرة جديدة، وصلت بعد 50 يوم بالمسكوبيّة!).

في الدامون 46 أسيرة؛ ومنهن جدد (إضافة لندين وفرح)، ليان ناصر (وصلت بعد 5 أيام بالشارون)، يمامة هريني، إسراء خمايسة، آلاء غريب وحنان البرغوثي (موجودة بغرفة 10، غرفة القمعات).

حدّثتني عن قمعة وعزل الأظافر (حكاية مبكية ومضحكة، شرحها يطول)، مصادرة الساعة (اكتشفوا ساعة يد بإحدى الغرف، جريمة لا تُغتفر!) وما عقبها من قمع ورشّ غاز، احتجاج الصبايا على عزلها (تأخّرت دقيقتين بالحمام!)، وسحبها من الغرفة/ الزنزانة بنصّ الصلاة.

كلّ الوقت مسبّات وشتائم، العدد الصباحي والفورة الأولى ع الخمسة والحمّام بميّة باردة، زوّدوهن بلبسة شتوية واحدة.

"السجّان بعايرنا إناّ منسيّات ومش سائلين عنّا"، وفجأة قالت بحسرة "كلّ بنات الدامون كان عندهن مقابلة مخابرات سلطة قبل الاعتقال والحبسة!".

برد كثير وأكل قليل، ومعنويّات عالية.

طلبت إيصال سلاماتها للأهل وللجميع، خاصة عمّاتها وأعمامها وخالاتها وأخوالها، وشهد وإيمان وحنين ومحمود الجندي.

وطلبت إيصال سلامات الأسيرات لأهاليهن.

  حين افترقنا قالت "خبّر أبوي، صرت أحكي عبري".

 "بنستنّى بطلعِتنا"

بعد لقائي بفاطمة أطلّت الأسيرة سلام رزق الله سلمان كساب (مواليد 09.05.2005) من قرية قريوت/ نابلس، طالبة تسويق رقمي/ سنة ثالثة، جامعة بير زيت، ورهن الاعتقال منذ 22.06.25، لألتقيها ثانية. 

 قبل الترحاب بادرتْ قائلة: "وحياتك يا أستاذ، بنستنّى بطلعِتنا".

أوصلتها بداية سلامات الأهل ورسالة والدها "أنا مشتاق لك كثيرا، أنا لا أنساك من الدعاء، وأنا أصلّي في غرفتك دائماً"، فدمعت وقالت: "سلّم كثير على أبوي، كثير مشتاقة، إمي بحبها ومشتاقة وما بنساها، وسلّم على أخوي، كثير انبسطت إنه بالجامعة ولتخصّصه".

سلام مدمنة نسكافيه، وما شربتها من يوم الحبسة.

سلام بغرفة 7؛ برفقة ولاء طنجة وشيماء أبو غالي.

خبّرتني عن وضع الدامون؛ توتّر كثير، تشديد وممنوع الحكي بين الغرف، مقابلات شاباك كلّ الوقت، وتهديدات، مسبّات، لكن الحمد لله خفّت القمعات.

وفجأة قالت: "خبّر أهلي، آسفه إنّي انحبست، بس هاي تربايتكم".

خبّرتني عن وضع الدامون؛ الأكل سيئ (سلّم على أم شجاع/ حنين جابرـ كانت دايرة بالها عليّ بالأكل)، اليانس بس فوقاني، رجعنا 3 فورات، كل فورة 15 بنت. 

وصّل سلاماتي لأهلي، وخاصّة خالتي جنان (تتواصل مع ليان ومريا وتسلم عليهن، مشتاقة كثير إلهن، ويوصلن سلامات للبنات اللي بعرفهن، ولأنوار رستم). كيف ستّي؟ الكلّ تجوّز وأنا بالسجن، بدّي حفلة خصوصيّة مع كل اللي تجوّزوا.

طلبت إيصال سلامات ورسائل الأسيرات لأهاليهن، وخاصّة غرفة ليان ناصر (لين مسك ورهام موسى ومنى عنبتاوي)، وبشرى ودلال وهناء وسالي وكلّ الصبايا.

بنات الدامون مناح، ومعنوياتنا عالية.

لكما عزيزتيَّ فاطمة وسلام أحلى التحيّات، والحريّة لجميع أسرى الحريّة. 

الدامون/ حيفا أكتوبر 2025